شهدت السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في مسارات المهنيين الذين كانوا يعملون في وظائف مكتبية مستقرة، حيث بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر بشكل مباشر على طبيعة أعمالهم، مما دفع العديد من الكتاب والمحررين وخبراء الصحة والسلامة المهنية إلى البحث عن مهن يدوية كوسيلة لتحقيق الأمان الوظيفي، ويؤكد التقرير الصادر عام 2023 عن وزارة التعليم البريطانية أن الوظائف المهنية، خصوصًا في القطاعات الإدارية والمالية والقانونية، هي الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي.

كاتبة تتخلّى عن حلم الطفولة

قررت جاكلين بومان من كاليفورنيا، التي كانت تحلم بأن تصبح كاتبة منذ طفولتها، أن تتخذ خطوات جديدة في مسيرتها المهنية، حيث حصلت على أول تدريب صحفي في سن 14، ثم درست الصحافة في الجامعة وعملت في كتابة المحتوى والتسويق، وفي سن 26 انتقلت للعمل الحر بدوام كامل، لكن في عام 2024 واجهت تغييرات جذرية في القطاع، حيث جفّت مصادر دخلها وبدأ عملاء يتحدثون عن استخدام الذكاء الاصطناعي، مما جعلها تتلقى عروضًا للعمل كمحررة لمحتوى ينتجه الذكاء الاصطناعي، لكن أجرها انخفض إلى النصف بسبب اعتقاد أن التحرير أسرع من الكتابة من الصفر، لكنها اكتشفت أن تدقيق الحقائق كان يستغرق وقتًا مضاعفًا حيث كان نحو ستين في المئة من المحتوى يحتوي على معلومات مختلقة، مما جعل مهمتها تستغرق وقتًا أطول مقابل أجر أقل، ومع مرور الوقت بدأت تواجه اتهامات من بعض العملاء باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتاباتها، مما جعلها تدرك أن الكتابة لم تعد خيارًا مستدامًا بالنسبة لها.

من الكتابة إلى العلاج النفسي

تذكرت بومان مادة في علم النفس درستها في الجامعة وقررت إعادة التدريب لتصبح معالجة أسرية وزوجية، معترفة بأن هذا المجال ليس محصنًا تمامًا ضد الذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك فئة من الناس تفضل العلاج البشري، خاصة من فقدوا وظائفهم بسبب التكنولوجيا، حيث تعتقد أن الطلب على المعالجين البشر سيستمر، وعادت إلى الجامعة معتمدة على دعم زوجها وبعض الأعمال المتفرقة، مع حصولها على قروض دراسية، مؤكدة أنها ممتنة للفرصة التي أتيحت لها، لكنها ما كانت لتختار هذا المسار لولا تراجع مهنتها الأصلية.

محرّرة أكاديميّة تتحوّل إلى خبّازة

جانيت فينسترا، محررة أكاديمية في مالمو بالسويد، اتخذت قرارًا مشابهًا بعد أن عملت منذ 2013 في تحرير نصوص أكاديمية عالية التخصص، حيث شعرت بتهديد استخدام الذكاء الاصطناعي لعملها، فقررت عدم الانتظار حتى تفقد وظيفتها والتحقت بمدرسة للطهي، رغم أن التحول لم يكن سهلاً، حيث واجهت صعوبات مالية واضطرت لانتقال أبنائها للعيش مع والدهم مؤقتًا، وعاشت مع شريكها في شقة صغيرة خلال فترة التدريب، لكنها الآن تعمل في مخبز يدوي وتصف تجربتها بأنها ممتعة، لكنها تعترف بشعور داخلي بالمرارة بسبب الأجر الأقل والجهد الأكبر، لكنها استطاعت مؤخرًا توقيع عقد شقة جديدة تتسع لأبنائها، وترى أن الانتقال من وظيفة مكتبية إلى عمل يُصنف كحرفة يتطلب إعادة تعريف لمفهوم المكانة الاجتماعية المرتبطة بالمهنة.

الإقبال على المهن الحرفيّة

أنجيلا جويس، الرئيسة التنفيذية لكلية كابيتال سيتي في لندن، تؤكد تزايد الإقبال على التخصصات الحرفية مثل الهندسة وفنون الطهي ورعاية الأطفال، مشيرة إلى تحول واضح بعيدًا عن المسارات الأكاديمية التقليدية، وترتبط هذه الظاهرة بارتفاع بطالة الخريجين وسعيهم للحصول على وظائف يصعب أتمتتها.

من الصحة والسلامة إلى الهندسة الكهربائيّة

ريتشارد، متخصص صحة وسلامة مهنية في نورثهامبتون بإنجلترا، أمضى 15 سنة في مجاله قبل أن يقرر إعادة التدريب كمهندس كهربائي، حيث لاحظ استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة السياسات وإجراءات السلامة، ويعتقد أن الأدوار الروتينية الثقيلة بالبيانات هي الأكثر عرضة للخطر.

هل المهن اليدويّة في مأمن؟

كارل بنيديكت فري، أستاذ مشارك في جامعة أكسفورد ومتخصص في الذكاء الاصطناعي والعمل، يؤكد أن الأعمال اليدوية أصعب في الأتمتة، لكنه يتوقع تأثيرًا واسعًا للتكنولوجيا على مختلف القطاعات، مشيرًا إلى أن الأفراد أصبحوا قادرين على إصلاح بعض الأعطال المنزلية بالاعتماد على نماذج لغوية، مما قد يقلل الطلب على بعض الخدمات، لكنه يحذر من اتخاذ قرارات مهنية بناءً على سيناريوهات مستقبلية افتراضية فقط، حيث تشير الدراسات الحالية إلى تأثير أوضح على الوظائف المبتدئة، لكن عوامل أخرى مثل أسعار الفائدة والتعافي بعد الجائحة تلعب دورًا أيضًا.

سوق عمل يعيد تشكيل نفسه

ما يحدث اليوم لا يقتصر على فقدان وظائف، بل يعكس إعادة تشكيل واسعة لسوق العمل، حيث تواجه الوظائف المكتبية ضغوطًا غير مسبوقة بينما تشهد المهن الحرفية والمجالات التي تعتمد على التفاعل البشري إقبالًا متزايدًا، ويعكس هذا التحول تحديات مالية واجتماعية، لكنه يبرز مرحلة جديدة يعيد فيها الأفراد تقييم مهاراتهم وخياراتهم في ظل تسارع التكنولوجيا.