غادر تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة آبل، اجتماعًا استخباراتيًا مغلقًا في منتصف عام 2023 وهو يشعر بقلق بالغ، حيث أفاد تقرير لصحيفة The New York Times بأن كوك أبلغ مسؤولين أمريكيين أنه أصبح ينام “بعين مفتوحة” بعد تلقيه تحذيرات بشأن احتمال قيام الصين بتحرك عسكري ضد تايوان بحلول عام 2027، مما قد يؤدي إلى اضطراب كبير في سلسلة التوريد العالمية الخاصة بشركته.
تفاصيل الاجتماع داخل غرفة آمنة في وادي السيليكون
عُقد الاجتماع غير المعلن عنه في يوليو 2023 داخل غرفة مؤمنة في وادي السيليكون، في وقت كانت فيه أجهزة الاستخبارات الأمريكية تعبر عن قلق متزايد بشأن نوايا الصين تجاه تايوان، وتعتبر تايوان حجر الزاوية في عمليات آبل الصناعية، حيث تحتضن شركة Taiwan Semiconductor Manufacturing Company، المعروفة اختصارًا بـTSMC، التي تتولى تصنيع معظم الرقائق المصممة خصيصًا من قبل آبل والمستخدمة في أجهزة iPhone وiPad وMac.
تحرك حكومي بسبب بطء الشركات التقنية
تم ترتيب الاجتماع بعد أن أعرب مسؤولون أمريكيون، من بينهم وزيرة التجارة جينا رايموندو، عن استيائهم من بطء كبرى شركات التكنولوجيا في تقليل اعتمادها على تصنيع الرقائق في تايوان، حيث طلبت رايموندو من مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام جيه بيرنز ومديرة الاستخبارات الوطنية أفريل هاينز تقديم إحاطة مباشرة لكبار التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول أحدث التقييمات الاستخباراتية المتعلقة بالصين وتايوان.
حضور كبار قادة صناعة الرقائق
إلى جانب تيم كوك، حضر الاجتماع كل من: جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة نيفيديا، وليزا سو الرئيسة التنفيذية لشركة Advanced Micro Devices، كما شارك كريستيانو أيمون، الرئيس التنفيذي لشركة كوالكوم، عبر الاتصال الافتراضي، وخلال الجلسة، عرض قادة الاستخبارات الأمريكية تقديرات تشير إلى أن الزيادة في الإنفاق العسكري الصيني ومستوى الجاهزية قد يعكسان استعدادًا لتحرك محتمل ضد تايوان بحلول عام 2027
ما الذي يحدث بين تايوان والصين؟
تعتبر الصين تايوان جزءًا من أراضيها، وخلال السنوات الأخيرة نفذت مناورات عسكرية واسعة النطاق حول الجزيرة، حيث حاكى بعض هذه التدريبات سيناريو حصار كامل، مما أثار مخاوف في واشنطن من أن بكين قد تكون تختبر خطط غزو فعلية، وليس مجرد إرسال رسائل سياسية، ولم تكن هذه المخاوف جديدة، حيث سبق أن حذرت أجهزة أمنية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من أن رد الفعل العالمي المحدود تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا قد يشجع الصين على اتخاذ خطوات مماثلة، وبحلول عام 2023، بدا أن القلق بلغ مستوى دفع مسؤولي الاستخبارات إلى التواصل المباشر مع أبرز صناع القرار في وادي السيليكون.
تايوان قلب صناعة الرقائق عالميًا
تتجاوز أهمية تايوان بالنسبة لآبل والقطاع التقني البعد الجيوسياسي، حيث تنتج شركة TSMC نحو 90% من أشباه الموصلات الأكثر تقدمًا في العالم، وقد حذر مسؤولون أمريكيون من أن أي اضطراب في إنتاج الرقائق في تايوان قد يتسبب في صدمة اقتصادية تاريخية، وتشير تقديرات نقلتها السلطات الأمريكية إلى احتمال تراجع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 11%، مع خسائر عالمية قد تتجاوز 10 تريليونات دولار إذا انقطع الوصول إلى الرقائق التايوانية.
تردد الشركات بسبب التكلفة والفجوة التقنية
رغم التحذيرات، أبدت شركات التكنولوجيا الأمريكية في البداية ترددًا في نقل جزء كبير من إنتاج الرقائق إلى الداخل الأمريكي، ويرجع ذلك إلى أسباب عملية، حيث إن تصنيع الرقائق محليًا قد يكلّف أكثر بنسبة تتجاوز 25%، إضافة إلى أن المرافق الأمريكية في مراحلها الأولى كانت متأخرة بجيل تقني كامل على الأقل مقارنة بأحدث تقنيات التصنيع في تايوان.
تحرك آبل بعد الإحاطة الاستخباراتية
تشير ردّة فعل تيم كوك بعد الاجتماع إلى مدى جدية آبل في التعامل مع التقييمات الاستخباراتية، حيث التزمت الشركة بعد فترة قصيرة باستثمار 100 مليار دولار لدعم تصنيع الرقائق داخل الولايات المتحدة، وبدأت آبل في استكشاف خيارات الإنتاج المحلي بصورة أكثر نشاطًا، بما في ذلك تقييم قدرات التصنيع داخل الولايات المتحدة لدى شركة إنتل.
استثمارات ضخمة من TSMC في الولايات المتحدة
في المقابل، أعلنت شركة TSMC عن خطط لاستثمار نحو 165 مليار دولار في الولايات المتحدة، مع تأمين أراضٍ لبناء ما لا يقل عن خمسة مصانع جديدة في مدينة فينيكس بولاية أريزونا، وتهدف هذه المنشآت إلى تقليل اعتماد الولايات المتحدة على الإمدادات الخارجية من الرقائق، إلا أنه من غير المتوقع أن تضاهي فورًا مستوى التطور التقني الذي تتمتع به عمليات الشركة في تايوان.
بهذه التطورات، يتضح أن ملف تايوان لم يعد مجرد قضية جيوسياسية بعيدة، بل تحول إلى عامل حاسم في رسم مستقبل سلاسل الإمداد العالمية وصناعة التكنولوجيا، وعلى رأسها شركة آبل.

