في محاولة لفك أحد الألغاز الطبية المرتبطة بالحمل، توصل باحثون إلى عامل مناعي قد يسهم في حدوث بعض حالات الولادة المبكرة، بعدما رصدوا أجسامًا مضادة يمكن أن تؤثر في توازن الالتهابات داخل الجسم، وتدفع إلى بدء المخاض قبل اكتمال فترة الحمل.
ويمنح هذا الاكتشاف العلماء مسارًا جديدًا لفهم أسباب الولادة المبكرة، ويفتح الباب أمام أبحاث تستكشف وسائل محتملة للوقاية منها مستقبلًا.
أجسام مضادة قد ترتبط بالولادة قبل الموعد
أظهرت دراسة علمية نُشرت في دورية «نيتشر إميونولوجي»، وشملت أكثر من ألفي امرأة حامل، وجود ارتباط بين مستويات معينة من الأجسام المضادة وحدوث الولادة قبل الموعد المتوقع، وبحسب وكالة رويترز، رصد الباحثون هذه الأجسام المضادة في مراحل مبكرة من الحمل، ولاحظوا أنها كانت بمستويات أعلى لدى النساء اللواتي وضعن أطفالهن قبل إتمام الأسبوع السابع والثلاثين، مقارنة بمن استمر حملهن حتى الموعد المحدد للولادة.
وتشير النتائج إلى احتمال وجود آلية مناعية تسهم في بعض حالات الولادة المبكرة، وهي حالة قد ترتبط بمضاعفات صحية لدى الأطفال، خصوصًا عندما تحدث الولادة في مراحل مبكرة من الحمل.
كيف يمكن أن تؤدي الاستجابة المناعية إلى بدء المخاض؟
ركز الباحثون على بروتين يُعرف باسم «IL-1RA»، وتتمثل وظيفته في الحد من تأثير جزيء التهابي يسمى «IL-1 بيتا»، وهو أحد العناصر المرتبطة بالاستجابات الالتهابية التي قد تسهم في تحفيز تقلصات الرحم، ووفقًا لنتائج الدراسة، تستهدف الأجسام المضادة المكتشفة هذا البروتين، ما قد يضعف قدرته على كبح الالتهاب، ويسمح بارتفاع مستويات الجزيئات الالتهابية داخل الجسم.
ويرجح العلماء أن يؤدي هذا الخلل في بعض الحالات إلى تهيئة الظروف اللازمة لبدء المخاض قبل اكتمال الحمل، ولم يقتصر الباحثون على رصد هذا الارتباط لدى النساء، بل أجروا تجارب على فئران حوامل، من خلال حقنها بالأجسام المضادة التي تستهدف البروتين المذكور.
وأظهرت التجارب ارتفاع مستويات الجزيء الالتهابي، إلى جانب ظهور مؤشرات على تلف في المشيمة، تشبه بعض التغيرات التي رُصدت في حالات من الولادة المبكرة لدى البشر، وتدعم هذه النتائج احتمال وجود صلة بين تعطيل آلية كبح الالتهاب وحدوث مضاعفات قد تؤدي إلى الولادة المبكرة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن هذه الآلية تفسر جميع الحالات لدى الإنسان.
عقار معروف يدخل دائرة الاهتمام
ومن بين المسارات التي يدرسها الباحثون إمكانية الاستفادة من عقار «كينيريت» (Kineret)، الذي يُستخدم بالفعل في علاج بعض الأمراض الالتهابية، من بينها التهاب المفاصل الروماتويدي، ويحتوي العقار، الذي تنتجه شركة «سويديش أورفان بيوفيتروم»، على نسخة مصنّعة من البروتين المثبط للالتهاب، ما يجعله خيارًا يستحق البحث لمعرفة ما إذا كان قادرًا على تعويض تأثير البروتين الذي تستهدفه الأجسام المضادة، والحد من الالتهاب المرتبط ببعض حالات الولادة المبكرة.
ومع ذلك، لا تزال هذه الفكرة في إطار البحث العلمي، إذ يتطلب تقييمها إجراء دراسات إضافية للتحقق من مدى فاعلية العقار في الوقاية من الولادة المبكرة، إلى جانب التأكد من سلامته عند استخدامه خلال الحمل. ولا تعني النتائج الحالية أن العقار أصبح علاجًا معتمدًا لهذا الغرض.
اكتشاف مهم لا يفسر جميع حالات الولادة المبكرة
ورغم أهمية النتائج، أوضح الباحثون أن الأجسام المضادة التي رصدتها الدراسة لم تظهر إلا لدى نسبة محدودة من حالات الولادة المبكرة، ما يشير إلى أن هذه الظاهرة المعقدة قد تنتج عن مجموعة متنوعة من العوامل المناعية والبيولوجية والصحية، وقال جو ديريسي، قائد الفريق البحثي بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، إن النتائج تثير الاهتمام لأنها تكشف كيف يمكن لإشارة مناعية أن تساعد في تفسير أسباب عدم استمرار بعض حالات الحمل حتى موعد الولادة الطبيعي.
ويأمل الفريق أن تمهد هذه النتائج الطريق لتطوير اختبارات تساعد على تحديد النساء الأكثر عرضة لخطر الولادة المبكرة في مراحل مبكرة من الحمل، فضلًا عن استكشاف وسائل وقائية تستهدف الآليات البيولوجية المسؤولة عن بعض الحالات.
وبينما لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى تطبيقات طبية، فإن الدراسة تضيف خيطًا جديدًا إلى البحث عن أسباب الولادة المبكرة، وقد تسهم مستقبلًا في تحسين فرص اكتشاف بعض الحالات المعرضة للخطر والتعامل معها بصورة أكثر دقة.
أظهرت الدراسة ارتباطًا بين مستويات معينة من الأجسام المضادة وحدوث الولادة قبل الموعد المتوقع، ورجحت أنها قد تؤثر في توازن الالتهابات داخل الجسم وتساعد على بدء المخاض مبكرًا
ركز الباحثون على بروتين «IL-1RA» الذي يحد من تأثير الجزيء الالتهابي «IL-1 بيتا»، ووجدوا أن الأجسام المضادة المكتشفة تستهدفه ما قد يضعف قدرته على كبح الالتهاب
لا، فالعقار ما زال ضمن إطار البحث العلمي فقط، ويحتاج إلى دراسات إضافية للتأكد من فاعليته وسلامته خلال الحمل قبل اعتباره علاجًا معتمدًا لهذا الغرض


