«المواطن أسامة» يجمع جائزتين و«كنتاكي غزة» و«أمريكان دكتور» يعززان الحضور الفلسطيني.. وذهبية «خروج آمن» تفتح ملف مستقبل السينما المستقلة في مصر

لم تكن جوائز الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، التي أعلنت مساء الجمعة 23 أكتوبر، مجرد قائمة بأسماء الأفلام الفائزة، وإنما بدت أقرب إلى خريطة للهموم الإنسانية والفنية التي فرضت حضورها على السينما هذا العام. فمن غزة التي حضرت بأفلامها ومخرجيها وحكاياتها، إلى السينما المصرية المستقلة التي انتزعت الجائزة الكبرى رغم صعوبات التمويل والإنتاج، كشفت النتائج عن تقاطع لافت بين القيمة الفنية والانشغال بالإنسان.

وإذا كان من الصعب اختزال اختيارات لجان التحكيم المختلفة في توجه واحد، فإن قراءة حصيلة الجوائز تكشف عن ثلاثة ملامح بارزة: حضور فلسطيني قوي في أكثر من مسابقة، واحتفاء بالأفلام التي تتناول التجارب الإنسانية وقضايا الحرب والمعاناة، وانتصار مهم للسينما المستقلة المصرية من خلال فيلم «خروج آمن» للمخرج محمد حماد.

فلسطين.. حضور يتجاوز جائزة واحدة ومسابقة واحدة.

كان الحضور الفلسطيني من أبرز ملامح نتائج الدورة التاسعة، ليس فقط بسبب عدد الجوائز المرتبطة بأفلام تتناول فلسطين وغزة، وإنما أيضا لتوزعها على مسابقات مختلفة، ولما صاحب تسلمها من كلمات مؤثرة أعادت ربط السينما بالواقع الذي خرجت منه هذه الأعمال.

وجاء فيلم «المواطن أسامة»، للمخرج الفلسطيني أحمد حسونة، في مقدمة هذه الأعمال بعدما جمع جائزتين في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، هما نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي طويل، وجائزة أفضل فيلم وثائقي عربي.

وحمل الفوز دلالة تتجاوز الجمع بين جائزتين، بعدما صعد المخرج والمنتج الفلسطيني رشيد مشهراوي لتسلمهما نيابة عن فريق العمل، وأعلن أن مخرج الفيلم أحمد حسونة موجود في غزة ويتابع الحفل من هناك.

قال مشهراوي: «المخرج أحمد حسونة قاعد دلوقتي في غزة بيتفرج علينا»، قبل أن يؤكد: «غزة موجودة وهتفضل موجودة».

لكن العبارة الأكثر تعبيرا عن روح هذه المشاركة كانت قوله: «إحنا في الأول والآخر سينمائيين، مش بس ضحايا».

تختصر هذه الجملة إحدى أهم القضايا التي أثارتها نتائج المهرجان: كيف يمكن استقبال الفيلم الفلسطيني بوصفه عملا سينمائيًا قائمًا على الرؤية والتعبير والاختيارات الفنية، دون اختزاله في الظروف المأساوية التي أُنتج خلالها؟

فالفيلم الفلسطيني لا يطلب التعاطف وحده، وإنما يسعى أيضا إلى الاعتراف بصاحبه باعتباره فنانا يمتلك أدواته وحقه في تقديم روايته الخاصة.

من «كنتاكي غزة» إلى «أمريكان دكتور».. تعددت الأفلام والوجع واحد.

ولم يتوقف الحضور الفلسطيني عند «المواطن أسامة»، إذ حصل الفيلم القصير «كنتاكي غزة»، للمخرج عمر رمال، على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة.

وخلال تسلم التكريم، لم يتمالك المخرج دموعه، وهو يتحدث عن سبب اختيار اسم الفيلم، قائلا: «لما سميت الفيلم كنتاكي غزة، عشان أفضل فاكرهم».

كانت لحظة قصيرة على المسرح، لكنها كشفت عن العلاقة بين الذاكرة والفن؛ فحتى عنوان الفيلم يتحول إلى محاولة للاحتفاظ بحكاية إنسانية في مواجهة النسيان.

وفي مسار آخر، حصد الفيلم الوثائقي «أمريكان دكتور»، للمخرجة بوه سي تينج، جائزة الجمهور «سينما من أجل الإنسانية»، البالغة قيمتها 20 ألف دولار.

وخلال تسلم الجائزة التي قدمتها الفنانة نيللي كريم، وجهت المؤلفة الموسيقية للفيلم تحية إلى الأطباء الفلسطينيين الذين لا يزالون على قيد الحياة في قطاع غزة، مؤكدة أنها لا تستطيع الحديث عن مستقبل أفضل في ظل استمرار القتل والإبادة.

وهنا تبرز أهمية طبيعة الجائزة نفسها، فهي ليست قرارا صادرا عن لجنة تحكيم متخصصة، وإنما تعبير عن اختيار الجمهور، بما يكشف أن الموضوع الإنساني الذي يحمله الفيلم استطاع الوصول إلى المشاهدين والتأثير فيهم.

أما في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، فقد حصل «البارح العين ما نامت»، للمخرج راكان مياسي، على جائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم عربي طويل، وهو إنتاج مشترك تشارك فيه فلسطين إلى جانب لبنان وبلجيكا وقطر والسعودية.

وبذلك امتد الحضور الفلسطيني إلى الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة، فضلًا عن جائزة الجمهور. ومن بين النتائج المعلنة، يمكن رصد خمس جوائز وتكريمات مرتبطة بأربعة أفلام فلسطينية أو تتناول غزة، إذا احتسبنا جائزتي «المواطن أسامة» بصورة منفصلة، وتنويه «كنتاكي غزة»، وجائزة «أمريكان دكتور»، وجائزة «البارح العين ما نامت».

هذه الحصيلة تجعل فلسطين أحد أبرز محاور التتويج في الدورة التاسعة، وإن كانت المقارنة الدقيقة بشأن أكثر الدول فوزًا تستلزم احتساب القائمة الكاملة للجوائز، مع مراعاة طبيعة الإنتاجات المشتركة.

السينما الإنسانية.. من شعار المهرجان إلى نتائج الجوائز.

يحمل مهرجان الجونة منذ انطلاقه شعار «سينما من أجل الإنسانية»، لكن نتائج دورته التاسعة منحت هذا الشعار حضورا ملموسا في عدد من أهم لحظات حفل الختام.

فالأفلام التي تتناول المعاناة الإنسانية، والذاكرة، والحروب، والصمود، والبحث عن الكرامة، لم تكن مجرد أعمال ضمن البرنامج السينمائي، بل تحولت إلى جزء أساسي من مشهد الجوائز.

ولا يعني ذلك أن لجان التحكيم كافأت هذه الأفلام لأهمية موضوعاتها وحدها؛ فالقيمة الفنية تبقى معيارا أساسيا في الحكم على أي عمل سينمائي. لكن تكرار حضور القضايا الإنسانية بين الأعمال الفائزة يطرح سؤالا مهما حول نوع السينما القادرة اليوم على إثارة النقاش، وتجاوز حدود لغتها وبلد إنتاجها.

وربما كان الأكثر لفتًا للانتباه أن هذا الحضور لم يقتصر على جائزة «سينما من أجل الإنسانية» المخصصة لهذا النوع من الأعمال، بل امتد إلى الجوائز الكبرى في مسابقات الأفلام المختلفة.

وهو ما يشير إلى أن الموضوع الإنساني لم يعد محصورًا في مساحة منفصلة داخل المهرجان، وإنما أصبح حاضرا في قلب المنافسة السينمائية نفسها.

لكن ثمة فارقا ضروريا بين الفيلم الذي يمتلك قضية مهمة، والفيلم الذي ينجح في تحويلها إلى تجربة فنية. فالتعاطف وحده لا يصنع سينما جيدة، كما أن أهمية الموضوع لا تعفي المخرج من مسؤولية بناء فيلم متماسك ومؤثر.

ومن هنا تبدو القيمة الأهم لهذه النتائج في أنها تفتح الباب لمناقشة قدرة السينما على تقديم الحكايات الإنسانية بلغة فنية، لا الاكتفاء بنقل الألم أو استدرار التعاطف.

«خروج آمن».. ذهبية تحمل انتصارًا للسينما المستقلة المصرية.

على الجانب المصري، جاء فوز «خروج آمن» للمخرج محمد حماد بجائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل ليشكل أحد أبرز أحداث الدورة التاسعة.

فالفيلم لم يتوج فقط بالجائزة الكبرى لمسابقة الأفلام الروائية الطويلة، وإنما حمل معه إلى منصة التكريم حكاية إنتاجية تكشف جانبا من الصعوبات التي تواجه السينما المستقلة في مصر.

وخلال تسلمه الجائزة، كشف محمد حماد أن تصوير الفيلم امتد على مدار عامين، وتخللته فترات توقف متكررة بسبب نقص التمويل، وأن الممثلين كانوا يراقبون أوزانهم يوميًا للمحافظة على المظهر نفسه طوال مراحل التصوير.

وقال: «الفيلم اتصور على سنتين، على توقفات، فكان الأبطال بيوزنوا نفسهم كل يوم عشان يفضلوا على نفس الشكل، لأن كنا بنستنى لما نجمع فلوس عشان نكمل».

هذه التفاصيل ليست مجرد كواليس طريفة لفيلم مستقل، وإنما تكشف عن واقع إنتاجي مختلف تمامًا عن الأفلام التي تصنع وفق جداول تصوير محددة وميزانيات متاحة مسبقًا.

فحين يتوقف التصوير انتظارا لجمع الأموال، لا تصبح المشكلة مالية فقط، وإنما تمتد إلى الاستمرارية الفنية، والتزام الممثلين، وتوافر مواقع التصوير، وقدرة صناع العمل على الحفاظ على رؤيتهم طوال فترة قد تمتد لسنوات.

ومع ذلك، استطاع «خروج آمن» أن يستكمل رحلته ويصل إلى مهرجان الجونة، ثم ينتزع جائزته الكبرى أمام أفلام من إنتاجات دولية مختلفة.

ومن هنا يحمل الفوز معنى يتجاوز نجاح فيلم واحد، فهو يثبت أن محدودية الإمكانات لا تعني بالضرورة محدودية القيمة الفنية، وأن السينما المستقلة قادرة على المنافسة حين تتاح لها فرصة الوصول إلى الشاشة ولجان التحكيم والجمهور.

حرية صناعة الفيلم لا تكفي دون حرية عرضه.

كان لافتا أن محمد حماد لم يكتفِ بالاحتفال بالجائزة، بل استغل لحظة فوزه لتوجيه رسالة إلى صناعة السينما المصرية.

قال المخرج: «المجد للسينما المستقلة الحرة، المجد للسينمائيين المستقلين اللي شايلين أفلامهم على دراعهم».

ثم انتقل إلى القضية التي ربما تكون أكثر تعقيدا من الإنتاج نفسه، وهي توزيع الأفلام وإتاحتها للجمهور.

وأعرب عن أمله في وجود توزيع عادل داخل مصر، وأن يحصل «خروج آمن» على فرصة للعرض في دور السينما المصرية.

وهنا تظهر المفارقة الأهم في فوز الفيلم، عمل مصري يتوج بالجائزة الكبرى في مهرجان دولي يقام على أرض مصر، بينما لا يزال مخرجه يتمنى أن يجد طريقا إلى الجمهور المصري.

ورغم بروز فلسطين والأعمال الإنسانية، فإن نتائج الدورة التاسعة لا يمكن اختزالها في هذا الاتجاه وحده.

فقد ذهبت نجمة الجونة الفضية للأفلام الروائية الطويلة إلى الفيلم الياباني «كل العشاق في الليل»، للمخرج يوكيكو سودي، فيما حصد فيلم «قليل من النور»، للمخرج علي أصغري، الجائزة البرونزية، وحصل الفيلم المغربي «حليمة»، للمخرج ياسين الإدريسي، على تنويه خاص.

وفي مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، فاز «همسات في مايو»، للمخرجة دونجنان تشين، بالنجمة الفضية، فيما نال الفيلم الإيطالي «حرب على النساء»، للمخرجة رشا شيرازي، النجمة البرونزية.

كما شهدت الجوائز الفردية فوز الفنانة الأردنية ركين سعد بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم «بومة»، للمخرج زيد أبو حمدان، وفوز جوفان جينيك بجائزة أفضل ممثل عن فيلم «بعد ثلاثة أسابيع».

كما أن فوز ركين سعد عن «بومة» يشير إلى مساحة مهمة للأداء التمثيلي والشخصيات المركبة، بعيدًا عن قصر قراءة الجوائز على الأفلام التي تتناول الحروب أو القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى.

يمكن القول إن أبرز ما كشفته جوائز الجونة التاسع هو أن السينما التي تصر على تقديم حكاياتها، حتى في أصعب الظروف، تستطيع أن تجد مكانا على الشاشة وفي قوائم التتويج.

ففي غزة، يواصل أحمد حسونة صناعة السينما رغم الظروف التي تحيط به، ويتسلم رشيد مشهراوي جائزتي فيلمه مؤكدًا أن السينمائي الفلسطيني ليس مجرد ضحية.

وفي مصر، يستكمل محمد حماد فيلمه على مدار عامين من التوقفات والانتظار بحثًا عن التمويل، قبل أن يقف على مسرح المهرجان حاملًا النجمة الذهبية، ومطالبا بحق السينما المستقلة في الوصول إلى الجمهور.

وبين التجربتين اختلاف كبير في الظروف والسياقات، لكنهما تلتقيان عند قيمة جوهرية واحدة، التمسك بحق صناعة الفيلم، مهما كانت العوائق.

ربما كانت هذه هي الرسالة الأوضح من حفل الختام، أن السينما لا تنتصر فقط حين تحصد الجوائز، وإنما حين تنجح في الاستمرار، وفي الوصول إلى الجمهور، وفي حماية حق أصحاب الحكايات في روايتها.

الأسئلة الشائعة

برز فيلم «المواطن أسامة» بفوزه بجائزتين هما نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي طويل وجائزة أفضل فيلم وثائقي عربي، كما حصل «كنتاكي غزة» على تنويه خاص و«أمريكان دكتور» على جائزة الجمهور

فاز «خروج آمن» للمخرج محمد حماد بجائزة نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل وهو أبرز تتويج للفيلم ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة

قال محمد حماد إن تصوير الفيلم استمر عامين وتخللته توقفات متكررة بسبب نقص التمويل، وإن فريق العمل كان يراقب الأوزان يوميًا للحفاظ على الشكل نفسه طوال التصوير