في دراسة علمية تسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية وصون الموروث الحضاري للمجتمع السيناوي، ناقشت جامعة العريش رسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث سلامة الرقيعي، عضو مجلس الشيوخ، بعنوان «دراسة تحليلية لإدارة الحفاظ على التراث الثقافي البدوي بمحافظة شمال سيناء»، وذلك بمعهد الدراسات البيئية العليا، بقسم العلوم الإدارية والاقتصادية والقانونية البيئية، للحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في العلوم البيئية.
وتتناول الرسالة أحد الموضوعات المهمة المرتبطة بالحفاظ على الهوية الوطنية، من خلال تحليل واقع إدارة التراث الثقافي البدوي بشمال سيناء، والتعرف على مستويات معرفة أبناء المجتمع البدوي بعناصر هذا التراث، واتجاهاتهم وممارساتهم المرتبطة به، والعوامل التي تسهم في تفسير الاختلافات بينهم، وصولًا إلى وضع استراتيجية مقترحة لتطوير إدارة منظومة الحفاظ على التراث الثقافي السيناوي وتعزيز استدامته.
205 مبحوثين في أربعة مراكز بشمال سيناء.
اعتمدت الدراسة على منهجية ميدانية باستخدام الاستبيان بالمقابلة، وطبقت على عينة عشوائية قوامها 205 مبحوثين من أرباب الأسر في أربعة مراكز بمحافظة شمال سيناء، هي بئر العبد والحسنة ونخل والشيخ زويد، خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2025.
وشملت الدراسة تحليل مستويات المعرفة والاتجاهات والممارسات المرتبطة بعناصر التراث الثقافي البدوي، إلى جانب دراسة الفروق بين العينة الساحلية بمركز بئر العبد والعينات الصحراوية بمراكز الحسنة ونخل والشيخ زويد.
كما استهدفت بناء مؤشرات كمية يمكن الاستفادة منها في تقييم واقع إدارة التراث الثقافي البدوي، وتحديد العوامل المرتبطة بمستويات المعرفة والممارسة والرضا، بما يوفر أساسًا علميًا لتطوير برامج الحفاظ على التراث وإدارته.
التراث البدوي.. من الذاكرة الثقافية إلى التنمية المستدامة.
تنطلق الرسالة من أن التراث الثقافي البدوي يمثل رصيدًا حضاريًا واجتماعيًا يعكس خصوصية المجتمع السيناوي، ويضم موروثات مادية وغير مادية تشمل العادات والتقاليد والفنون الشعبية والحرف اليدوية والمعارف والممارسات الاجتماعية والبيئية المتوارثة عبر الأجيال.
وتبرز أهمية هذا التراث في ارتباطه بالهوية والانتماء، وبما يمثله من خبرات متراكمة في التفاعل مع البيئة الصحراوية، فضلًا عن إمكاناته في دعم التنمية المحلية، وتنشيط السياحة الثقافية والبيئية، وفتح مجالات جديدة للعمل والإنتاج المرتبطين بالحرف والصناعات التراثية.
وتؤكد الدراسة أهمية التعامل مع التراث باعتباره منظومة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، بما يستلزم الانتقال من جهود التوثيق المتفرقة إلى إدارة مؤسسية مستدامة تشارك فيها الجهات المعنية والمجتمعات المحلية.
استراتيجية مقترحة على ثلاثة مستويات زمنية.
تتضمن الرسالة استراتيجية مقترحة لحماية وإدارة التراث الثقافي السيناوي في مختلف مجالاته الثقافية والبيئية والاجتماعية، من خلال تطوير آليات فعالة لحمايته من الاندثار، ودمج المجتمعات المحلية في جهود الحفاظ عليه، وتعزيز استمراريته وتطويره.
وتقوم الاستراتيجية على ثلاثة مستويات زمنية متكاملة:
أولًا: المدى القصير، من سنة إلى ثلاث سنوات، من خلال تنفيذ برامج لإدارة التراث الثقافي البدوي والحفاظ عليه، ورفع الوعي المجتمعي بأهميته، وتوثيق عناصره، ودعم الحرف التقليدية، وتشجيع الشباب والمرأة على المشاركة في الأنشطة التراثية، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في حفظ الموروث الثقافي ونشره.
ثانيًا: المدى المتوسط، من ثلاث إلى خمس سنوات، عبر التوسع في توثيق التقاليد الثقافية البدوية، وتسجيل الروايات الشفهية والفنون والأشعار والممارسات الاجتماعية بالصوت والصورة، وإنشاء قواعد بيانات وأرشيف رقمي للتراث، فضلًا عن تطوير برامج الترويج السياحي البيئي للتراث البدوي وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي في الأنشطة المرتبطة به.
ثالثًا: المدى الطويل، من خمس إلى سبع سنوات، من خلال تعزيز السياحة البيئية المستدامة، وربط المقومات الطبيعية والثقافية بمشروعات التنمية المحلية، وتطوير المسارات السياحية البيئية، وتدريب المرشدين المحليين، ودعم المشروعات الصغيرة، والعمل على الحد من المعوقات المؤسسية والمالية والفنية التي تواجه إدارة التراث الثقافي البدوي.
برامج تنفيذية تربط الحفاظ على التراث بتمكين المجتمع.
وتطرح الرسالة مجموعة من البرامج التطبيقية التي تستهدف تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى إجراءات عملية، من أبرزها برامج إدارة التراث الثقافي البدوي والحفاظ عليه، وتعزيز استدامته، وتوثيق التقاليد الثقافية، وتنشيط السياحة البيئية، والحد من معوقات الإدارة.
وتشمل آليات التنفيذ المقترحة إنشاء قواعد بيانات وأرشيفات رقمية، وتنظيم المهرجانات والمعارض والندوات التراثية، وتنفيذ برامج تدريبية لتعليم الحرف التقليدية، ودعم المشروعات الصغيرة المرتبطة بالمنتجات التراثية، وتوسيع استخدام وسائل الإعلام والتسويق الرقمي في التعريف بالتراث السيناوي.
كما تبرز أهمية التنسيق بين المؤسسات الحكومية والجامعات ومراكز البحث العلمي والجهات الثقافية والتنموية، مع إشراك شيوخ القبائل وكبار السن وأصحاب الخبرات التراثية في توثيق الموروث ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وتستهدف هذه البرامج تحقيق مجموعة من الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، من بينها تعزيز الهوية الثقافية والانتماء المجتمعي، وزيادة مشاركة الشباب في الحفاظ على التراث، وتوفير فرص عمل من خلال الحرف والصناعات التقليدية والسياحة الثقافية والبيئية، فضلًا عن الحفاظ على المعارف والممارسات البيئية التقليدية ودعم الاستخدام المستدام للموارد المحلية.
حماية التراث مسؤولية مشتركة.
وتخلص الرؤية التي تتبناها الرسالة إلى أن الحفاظ على التراث الثقافي البدوي في شمال سيناء لا يمكن أن يتحقق من خلال التوثيق وحده، بل يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين الوعي المجتمعي، والتخطيط العلمي، والدعم المؤسسي، والمشاركة المحلية، والاستثمار المسؤول في المقومات الثقافية والبيئية.
كما تؤكد أهمية التعامل مع أبناء المجتمع السيناوي باعتبارهم شركاء أصليين في حماية تراثهم، والاستفادة من خبراتهم ومعارفهم المتوارثة في تحديد الأولويات وصياغة البرامج وتنفيذها وتقييم نتائجها.
وتكتسب الدراسة أهميتها من سعيها إلى الربط بين الحفاظ على الذاكرة الثقافية للمجتمع السيناوي ومتطلبات التنمية المستدامة، بما يجعل التراث عنصرًا فاعلًا في دعم الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، ورافدًا يمكن توظيفه في خدمة المجتمع وتحسين الفرص الاقتصادية للأجيال الحالية والقادمة.
وتؤكد الرسالة أن صون التراث الثقافي البدوي هو حفاظ على جزء أصيل من ذاكرة الوطن، وأن الاستثمار في حمايته وتوثيقه ونقله للأجيال القادمة يمثل استثمارًا في الإنسان والمكان والهوية، وخطوة مهمة نحو تنمية مستدامة تنطلق من خصوصية سيناء وثرائها الثقافي والحضاري.
وخلصت الدراسة إلى أن الحفاظ على التراث البدوي بشمال سيناء يتطلب تكامل التخطيط العلمي مع المشاركة المجتمعية والدعم المؤسسي والتكنولوجيا الحديثة، باعتبار التراث ذاكرة حية للإنسان والمكان، وركيزة لتعزيز الهوية والانتماء، وأحد الموارد الواعدة لتحقيق التنمية المستدامة في سيناء.
جانب من مناقشة الرسالة
جانب من مناقشة الرسالة
جانب من مناقشة الرسالة
تناولت الرسالة دراسة تحليلية لإدارة الحفاظ على التراث الثقافي البدوي بمحافظة شمال سيناء بهدف تطوير منظومة الحفاظ عليه وتعزيز استدامته
اعتمدت الدراسة على عينة عشوائية قوامها 205 مبحوثين من أرباب الأسر في بئر العبد والحسنة ونخل والشيخ زويد خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2025
تقترح الرسالة استراتيجية تمتد لثلاث مراحل زمنية تشمل التوثيق ورفع الوعي ودعم الحرف التقليدية وإنشاء قواعد بيانات وأرشيف رقمي وتعزيز السياحة البيئية والتنمية المحلية


