حذّر مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية جاي كلايتون، في مذكرة رسمية وجّهها يوم الجمعة 23 أكتوبر إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، من أن إيران زادت جهودها لاستهداف الأفراد الأمريكيين في الشرق الأوسط ودول أخرى، وأن مخططاتها وصلت إلى “مراحل متقدمة”. وأكد مسؤول أمريكي صحة المذكرة، التي نشر موقع أكسيوس خبرها أولًا، ثم تناولتها كبريات الصحف والشبكات الأمريكية.
ويأتي التحذير في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، إذ تتعامل إدارة الرئيس دونالد ترامب مع حرب مع إيران بدأت قبل نحو ثمانية أشهر. وكانت واشنطن قد أمرت قبل أيام بمغادرة بعض دبلوماسييها وأفراد أسرهم من السعودية بعد تصاعد هجمات الحوثيين المتحالفين مع طهران. ولم ترد إيران علنًا حتى الآن على مضمون المذكرة.
ما الذي تقوله المذكرة؟
تنقل التقارير أن كلايتون كتب لروبيو أن أجهزة الاستخبارات تلقت معلومات عبر قنوات متعددة تشير إلى أن طهران زادت بصورة كبيرة جهودها لاستهداف الأفراد الأمريكيين. وصنّفت المذكرة هذه المخططات في خانة التهديد القاتل، وهو توصيف يرفع التحذير من مستوى القلق العام إلى مستوى الخطر العملياتي المحتمل.
وتتضمن المذكرة إقرارًا بأن التهديد يمس عددًا من الأشخاص أكبر من عدد من يحق لهم الاطلاع على المعلومات بحسب تصاريحهم الأمنية الحالية. ولهذا تعهد كلايتون ببذل كل جهد ممكن لخفض درجة سرية أكبر قدر من المعلومات، حتى يتمكن روبيو من تقاسمها مع موظفي الخارجية وفق تقديره. وذكرت التقارير أن كبار معاوني الوزير أُطلعوا على الموضوع، وأن مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف وُضع في نسخة المراسلة.
أما طبيعة الأهداف فتبقى غامضة في ما نُشر. فقد أوضحت شبكة «سي بي إس» أن المذكرة لا تحدد أهدافًا بعينها ولا دولًا تجري فيها المخططات المزعومة، ولا تبين ما إذا كانت الهجمات وشيكة. في المقابل نقلت صحيفة نيويورك تايمز، بحسب تغطية الجزيرة، عن مسؤولين لم تسمهم أن التهديدات للمسؤولين الأمريكيين، ومنهم سفراء، جرى تقييمها خلال الأسابيع الماضية، وأن إيران حددت أهدافًا محتملة في أوروبا.
الحوثيون والسعودية: ساحة الضغط المتقدمة
جاءت المذكرة بعد قرار وزارة الخارجية الأمريكية الذي أُعلن في 21 أكتوبر بإجلاء موظفيها غير الأساسيين وعائلاتهم من السعودية. وبرر المتحدث باسم الوزارة تومي بيغوت القرار بأن الحوثيين المدعومين من إيران صعّدوا عملياتهم ضد السعودية، بما في ذلك الهجمات على مطارات مدنية وبنى تحتية حيوية. وأفاد مسؤولون لوكالة رويترز بأن بعثات أمريكية أخرى في الخليج ستطلب من عائلات موظفيها المغادرة أيضًا.
وتشهد المملكة منذ أسابيع هجمات شبه يومية. وذكرت تقارير أن الحوثيين شنوا في هذا الشهر ضربة على مطار الرياض الدولي كانت الأكثر دموية في المملكة منذ سنوات. وأعلنت وزارة الطاقة السعودية أن دفاعاتها الجوية أحبطت هجومًا بطائرة مسيّرة على حقل الشيبة النفطي، بينما أفادت تقارير أخرى بمقتل شخصين في هجوم قرب الحقل ذاته.
ولا يعني الإجلاء أن واشنطن تربط الإجراء مباشرة بمضمون المذكرة، فالبيانات الرسمية ركزت على خطر هجمات الحوثيين. غير أن توقيت الأمرين يعكس تقديرًا أمريكيًا بأن البيئة الأمنية في المنطقة تتدهور على أكثر من جبهة. وقد سبق لواشنطن أن أمرت بخفض الوجود الدبلوماسي في الخليج قبيل الحرب وفي يوليو الماضي.
حرب بلا أفق سياسي
اندلعت الحرب مع إيران عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية مفاجئة على إيران في 28 فبراير 2026. وردت طهران بهجمات على منشآت أمريكية في المنطقة، وتعرضت سفارة الرياض ومحطة لوكالة الاستخبارات المركزية فيها لهجوم بطائرات مسيّرة في مطلع مارس، كما أُغلقت مؤقتًا بعثات في بعض دول الخليج.
وتراجعت حدة القتال المباشر في فترات لاحقة، لكن الأزمة لم تُحل. فقد ظل الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية قائمًا، ومضيق هرمز مغلقًا، فيما تعثرت الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب. وقبل الحرب كان المضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يفسر الأثر الاقتصادي الواسع للأزمة.
وتشير تقارير إلى أن هدنة سابقة انهارت في يونيو 2026، وأن ترامب ألغى في يوليو موجة ضربات جديدة. وفي أكتوبر الجاري نقلت وكالات أنباء عن مصادر أن إيران تستعد لرد أقوى إذا استأنفت واشنطن عملياتها العسكرية الواسعة على أراضيها، وهو ما يجعل مضمون المذكرة جزءًا من معادلة ردع متبادلة.
خيارات واشنطن وأسئلة مفتوحة
صدرت المذكرة بينما تدرس إدارة ترامب استئناف الضربات العسكرية ضد إيران. وتفتح هذه المعطيات تساؤلات عن العلاقة بين التحذير الاستخباراتي والقرار السياسي المنتظر، إذ قد يُقرأ التحذير مبررًا لتشديد الإجراءات الوقائية، أو عنصرًا في تقدير المخاطر الذي ترافقه أي عملية عسكرية جديدة. وفي المقابل لم تعلن الإدارة موقفًا علنيًا من المذكرة سوى تأكيد صحتها عبر مسؤول.
وعلى الصعيد الميداني، أفادت مصادر لشبكة «إن بي سي» بأن الجيش الأمريكي يقلص بهدوء وجوده في قواعد بالشرق الأوسط. ويشبه هذا الإجراء ما اتُّخذ في بدايات الحرب، حين خُفّض الحضور العسكري والدبلوماسي تحسبًا لهجمات انتقامية، وهو ما يعني أن الاستعدادات الحالية تجري على نمط سبق اختباره.
ويبقى التحدي الأكبر أمام صانع القرار الأمريكي في ضبط التوازن بين حماية الأفراد وتجنب خطوات قد تقود إلى تصعيد أوسع. ولن تتضح الصورة الكاملة إلا بصدور مواقف رسمية أكثر تفصيلًا من واشنطن، وبما قد تقوله طهران إن قررت الرد. وإلى حين ذلك تبقى المذكرة تحذيرًا من تهديد لم تُكشف تفاصيله، لا إعلانًا عن هجوم وقع أو ثبت أنه وشيك.
المذكرة حذرت من أن إيران زادت جهودها لاستهداف الأفراد الأمريكيين في الشرق الأوسط ودول أخرى، وأن مخططاتها وصلت إلى مراحل متقدمة وصُنفت كتهديد قاتل
وزارة الخارجية الأمريكية قالت إن القرار جاء بعد تصاعد هجمات الحوثيين المدعومين من إيران ضد السعودية، بما في ذلك الهجمات على مطارات مدنية وبنى تحتية حيوية
لا، فالتقارير أوضحت أن المذكرة لا تحدد أهدافًا بعينها ولا دولًا تجري فيها المخططات المزعومة، كما لا تبين ما إذا كانت الهجمات وشيكة


