امرأة مغربية عجوز، بملامح أنهكها الزمن، وجسد يحمل مشقة سنوات طويلة، تتحرك في بيتها المتواضع قرب البحر، وتعيش مع زوجها حياة بسيطة، يتناسب إيقاعها مع حركة الأمواج الهادئة التي تجلب إليها رزقها من بلح البحر. امرأة يمكن أن نصادفها في أي قرية ساحلية، ونعبر بجوارها دون أن نتوقف طويلًا، وقد يصعب أن نتخيل أن وراء هذا الوجه الهادئ حكاية تستحق أن تُروى.
ثم تأتي مكالمة هاتفية، فتتغير نظرتنا إلى المرأة التي ظننا أننا عرفناها، ليبدأ الفيلم في بعدها الكشف عن حياة أخرى كانت تعيشها قبل سنوات قليلة، وعن شخصية تختلف تمامًا عن تلك التي استقبلتنا في المشاهد الأولى. ومع كل انتقال إلى الماضي، كنت أكتشف وجهًا جديدًا لها، وأزداد انبهارًا بالممثلة المغربية خديجة عماري، التي قدمت واحدًا من أروع الأداءات التمثيلية التي شاهدتها خلال الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، في الفيلم المغربي الجميل «حليمة» للمخرج ياسين الإدريسي.
حليمة
أعرف أن المقارنة بين الممثلين مسألة شائكة، وأن الجوائز تخضع لاختيارات لجان التحكيم وتقديراتها المختلفة، وقد أسعدني فوز الأردنية ركين سعد بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم «بومة»، بعدما قدمت أداءً متميزًا، وبذلت مجهودًا بدنيًا ونفسيًا كبيرًا يستحق التقدير. وسأتوقف في مقال آخر عند تألق الممثلات العربيات في أفلام المسابقة، وما قدمنه من مستويات لافتة هذا العام. ومع ذلك، فقد كنت أتمنى أن تذهب جائزة أفضل ممثلة إلى خديجة عماري، لأن ما قدمته في «حليمة» ينتمي، في تقديري، إلى مستوى استثنائي من فن التمثيل.
إنها ممثلة من قماشة سناء جميل وميريل ستريب، وأدرك تمامًا حجم هذه المقارنة. أتحدث عن تلك القدرة النادرة على اختراق الشخصية من الداخل، وامتلاك تفاصيلها الإنسانية إلى الحد الذي تختفي معه المسافة بين الممثلة والدور، فتصبح الحركة والنظرة والصمت وطريقة التنفس جزءًا من تاريخ الشخصية، وكأننا أمام إنسانة نعرفها منذ سنوات.
تستحق عماري هذه المقارنة خصوصًا في قدرتها المذهلة على الانتقال بين حالات نفسية متباعدة، مع الاحتفاظ بالخيط الإنساني الذي يربط بينها. في البداية نراها امرأة بسيطة، استسلم جسدها لإيقاع الشيخوخة والعمل الشاق، ثم نكتشف المرأة العنيدة التي قاومت اقتلاعها من بيتها وأرضها في جبال الريف، والأرملة التي وجدت نفسها وحيدة أمام ظروف قاسية، والمرأة التي دفعتها الحاجة إلى عالم تجارة القنب، بكل ما يحمله من مخاطر وصراعات. وفي كل مرحلة تتغير ملامحها الداخلية قبل الخارجية. تتبدل نبرة الصوت، وطريقة النظر إلى الآخرين، وحركة الجسد، وحتى ذلك الإيقاع الخفي الذي يحكم ردود أفعالها. والأدهى أنها تستطيع الانتقال من الصلابة إلى الانكسار، ومن الخوف إلى التحدي، ومن البراءة الظاهرة إلى المكر الذي تصنعه الخبرة، دون أن تفقد الشخصية صدقها لحظة واحدة.
حليمة
هنا تحديدًا تكمن عبقرية الأداء. فالممثلة تمتلك عشرات الفرص لاستدرار دموعنا أو انتزاع ضحكاتنا، وتعرف كيف تتجاوز هذه الإغراءات جميعًا. بعض المواقف كان يمكن أن يتحول بسهولة إلى كوميديا مباشرة، وبعضها الآخر كان يصلح لمشاهد ميلودرامية صاخبة، لكنها تختار في الحالتين الطريق الأصعب، وتترك للمشاعر أن تصل إلينا من تلقاء نفسها.
وقد بدا لي الفيلم في جانب كبير منه أقرب إلى مونودراما سينمائية، رغم تعدد الشخصيات التي تمر بحياة البطلة. فحليمة هي مركز الجاذبية الذي تدور حوله الأحداث، وهي التي تمنح الشخصيات الأخرى معناها، حتى في المشاهد التي تتراجع فيها قليلًا إلى الخلف. تحمل الممثلة الفيلم على كتفيها، وتنجح في الاحتفاظ باهتمامنا طوال التحولات المتلاحقة التي تمر بها الحكاية.
ومن الإنصاف هنا أن نتوقف عند ياسين الإدريسي، مخرج الفيلم ومؤلفه ومنتجه ومونتيره، الذي يبدو أقرب إلى فرقة سينمائية من رجل واحد، أو ما يمكن تسميته على سبيل المزاح بـ«One Man Crew». وقد كشف عقب حصول الفيلم على تنويه خاص من لجنة تحكيم الجونة أنه أنجزه بإمكانات ذاتية، وبمساعدة فريق صغير من عشرة أشخاص آمنوا بالمشروع.
والحقيقة أن هذه المعلومات تفسر جانبًا من طبيعة الفيلم، وإن كانت قيمته الفنية تتجاوز حكاية إنتاجه المتواضع. فالإدريسي يقدم في تجربته الروائية الطويلة الأولى دليلًا على امتلاكه أدوات جيدة في كتابة السيناريو وإدارة الممثلين وبناء المشاهد، مع وعي واضح بأهمية الاقتصاد في الحوار، وترك مساحة للصورة وللأداء كي يرويا ما يصعب التعبير عنه بالكلمات.
أعجبتني خصوصًا الطريقة التي يكشف بها السيناريو عن ماضي حليمة، حيث تتغير معرفتنا بالشخصية تدريجيًا، وتعيد كل معلومة جديدة تفسير ما سبقها. المكالمة الهاتفية التي تقطع هدوء حياتها الساحلية تفتح الباب أمام رحلة إلى الماضي، ومن خلال التنقل بين الأزمنة تتكشف أسباب عزلتها، وعلاقتها بالأرض التي تشبثت بها، والظروف التي دفعتها إلى اختيارات لم تكن تتصورها. وتبدو براعة السيناريو في أن هذه التحولات تتجاوز مجرد المفاجآت الدرامية، إذ تمنحنا في كل مرة فرصة لإعادة النظر في أحكامنا على المرأة، وفهم ما دفعها إلى اتخاذ قراراتها. أما الحوار فيحتفظ بقدر كبير من العفوية، ويبدو منسجمًا مع طبيعة الشخصيات وبيئتها الاجتماعية، بعيدًا عن الرغبة في شرح كل شيء للمشاهد.
حليمة
ويستفيد الإدريسي من خبرته السابقة في التصوير الصحفي والسينما الوثائقية، فتبدو الأماكن والشخصيات مأخوذة من نسيج الحياة اليومية. البحر والجبال والبيوت البسيطة تحمل آثار البشر الذين عاشوا فيها، وتصبح الأرض عنصرًا أساسيًا في الصراع، باعتبارها الذاكرة التي تتمسك بها حليمة، والمكان الذي تستمد منه شعورها بالوجود والانتماء.
كذلك يكشف المونتاج، الذي تولاه المخرج بنفسه، عن وعي بأهمية الانتقال بين الأزمنة، والحفاظ على التوتر الدرامي رغم بساطة الوسائل المستخدمة. وقد نجح الفيلم في أن يجعل من الحكاية الشخصية لهذه المرأة مدخلًا إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الشيخوخة والفقر والتهجير والاقتصاد غير المشروع، مع رغبة إنسانية عميقة في الاحتفاظ بالبيت والكرامة والحق في الحياة.
ولعل أكثر ما أعجبني في الفيلم أن مخرجه منح بطلته الثقة والمساحة الكافيتين لتقود الحكاية. فكلما امتلكت خديجة عماري المشهد، أصبح الفيلم أكثر قوة وتأثيرًا. وهذه إحدى العلامات المهمة على نضج المخرج، الذي يدرك قيمة الممثل العظيم، ويعرف كيف يستفيد من قدراته بدلًا من محاصرته بحركات الكاميرا أو المبالغة في المؤثرات.
وقد حصل «حليمة» على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة، بعدما سبق له الفوز بجائزتي أفضل إخراج وأفضل ممثلة في مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي. وهي جوائز تؤكد أن هذا الفيلم الصغير استطاع الوصول إلى جمهور ولجان تحكيم تنتمي إلى ثقافات سينمائية مختلفة، اعتمادًا على قوة حكايته وصدق شخصياته.
وبالنسبة إليّ، أعادني «حليمة» إلى متعة أخرى عشتها العام الماضي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، مع الفيلم المغربي «زنقة مالقة» للمخرجة مريم التوزاني، الذي استمتعت به استمتاعًا كبيرًا، وخرجت من عروضه متعجبًا من غيابه عن قائمة الجوائز.
ثمة قرابة إنسانية جميلة بين الفيلمين، رغم اختلاف عالميهما وأسلوبيهما. ففي «زنقة مالقة» تابعنا الممثلة الإسبانية الكبيرة كارمن مورا، وهي تقدم امرأة في التاسعة والسبعين تدافع عن بيتها في طنجة، وتقاوم رغبة ابنتها في بيعه، لتكتشف وسط هذه المعركة قدرتها على الحب والاستمتاع بالحياة. وفي «حليمة» نجد امرأة أخرى تجاوزت الثمانين، تتمسك بالأرض والبيت، وتخوض معركتها الخاصة ضد الظروف التي تحاول اقتلاعها من عالمها. هما امرأتان مسنتان، لكل منهما تاريخها وجراحها وأسلحتها الصغيرة في مواجهة الحياة، تمنحاننا عبر ممثلتين كبيرتين درسًا في قوة الحضور الإنساني على الشاشة.
حليمة
وتأتي هذه التجارب ضمن مرحلة لافتة تمر بها السينما المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث تتجاور حساسيات فنية مختلفة، وتظهر قدرة متزايدة على تقديم حكايات محلية شديدة الخصوصية، تصل إلى الجمهور خارج حدود المغرب بفضل صدقها الإنساني وجودة صناعتها.
ومن المصادفات الجميلة أن الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، التي تنطلق في نوفمبر المقبل، ستشهد مشاركة فيلم «الفراولة» للمخرجة المغربية ليلى مراكشي في المسابقة الدولية، وهو ما يمنحنا فرصة جديدة لمتابعة هذه السينما التي باتت تستحق اهتمامًا نقديًا أوسع.
أما خديجة عماري، فقد خرجت من «حليمة» بالنسبة إليّ بجائزة أكبر من أي تمثال ذهبي: أن تظل صورتها وأداؤها حاضرين في الذاكرة، وأن تجعلني أبحث عن أعمالها الأخرى، وأنتظر ظهورها المقبل على الشاشة. وهذه، في النهاية، واحدة من أعظم الجوائز التي يستطيع ممثل أن ينتزعها من جمهوره.
فازت الأردنية ركين سعد بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم «بومة» خلال الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي
قدمَت خديجة عماري أداءً استثنائيًا بحسب المقال، وقدرت على الانتقال بين حالات نفسية متباعدة مع الحفاظ على صدق الشخصية وتفاصيلها الإنسانية
حصل «حليمة» على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة، وكان قد فاز أيضًا بجائزتي أفضل إخراج وأفضل ممثلة في مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي


