أكد الدكتور أشرف تادرس أستاذ الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أن برامج المحاكاة الفلكية تتيح إعادة بناء شكل السماء في أي تاريخ محدد، حتى لو كان يعود إلى قرون مضت، بما يسمح بتحديد مواقع القمر والنجوم والكواكب والتحقق من ترتيبها في ذلك الوقت، وهو ما يساعد في دراسة الفرضيات العلمية المتعلقة بالمشاهد الفلكية التي استلهم منها الفنانون أعمالهم.
وقال تادرس، في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط، تعليقا على دراسة علمية حديثة ترجح أن لوحة “ليلة النجوم” للفنان الهولندي فينسنت فان جوخ استلهمت تفاصيلها من مشهد فلكي حقيقي، إن برامج المحاكاة تستطيع عرض شكل السماء كما ظهرت في ليلة بعينها، من خلال تحديد التاريخ المطلوب، ومقارنة مواقع الأجرام السماوية في ذلك الوقت.
وأوضح أن هذه البرامج تتيح العودة إلى فترات زمنية بعيدة في الماضي، أو استشراف شكل السماء في المستقبل، بما يساعد على التعرف على مواقع النجوم والكواكب والقمر في أي ليلة يجري تحديدها.
وأضاف أن برامج المحاكاة الفلكية متاحة عبر الإنترنت، كما توجد تطبيقات منها يمكن تحميلها من متجر “جوجل بلاي”، وهي متاحة للاستخدام العام، بما يتيح للراغبين التعرف على شكل السماء في تواريخ مختلفة.
وأشار تادرس إلى أن علماء المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية يستخدمون هذه البرامج في رصد واستطلاع الظواهر والأحداث الفلكية المتوقع حدوثها مستقبلا، والتعرف على تفاصيلها، بما يشمل مواقع الأجرام السماوية وحركتها، وتحديد مواعيد حدوثها، بما يجعلها أدوات مهمة في دراسة الظواهر الفلكية والتنبؤ بها.
ولفت إلى وجود العديد من البرامج المتخصصة في هذا المجال، من بينها برنامجا «ستيلاريوم» (Stellarium) و«سيرينايت» (Serenight)، اللذان يتيحان محاكاة المشاهد السماوية وعرضها وفقًا للتاريخ المحدد.
وكانت دراسة نشرها باحثون من كوريا الجنوبية في مجلة “ساينتيفيك ريبورتس” العلمية قد رجحت أن التكوين النجمي في لوحة “ليلة النجوم”يتوافق مع مشهد السماء خلال الساعات الأولى من يوم 22 يوليو 1889، مشيرة إلى وجود تشابه بين ترتيب النجوم في اللوحة ومواقع أجرام سماوية، من بينها القمر وكوكب الزهرة وتجمع نجمي يُعرف باسم «القلائص» ضمن كوكبة الثور.
واعتمد الباحثون على محاكاة السماء في الموقع الذي يُرجح أن فان جوخ شاهد منه المشهد، بالقرب من بلدة سان ريمي دو بروفانس جنوب فرنسا، ثم قارنوا ترتيب النجوم في المحاكاة بالتكوين الذي رسمه الفنان في لوحته الشهيرة.
ووجد الباحثون تشابها في العلاقات المكانية بين خمسة نجوم في التكوين المركزي للوحة والنجوم المكونة للتجمع النجمي، رغم الاختلافات في الأحجام والاتجاهات التي قد يفرضها الأسلوب الفني.
ورجحت الدراسة أن فان جوخ استلهم ترتيبا رصده في السماء الحقيقية، ثم أعاد تشكيله على القماش وفقًا لرؤيته الفنية، إلا أنها لم تحسم بصورة قاطعة تاريخ رصد المشهد أو توقيت إنجاز اللوحة.
وتفتح النتائج الباب أمام مزيد من الدراسات التي تجمع بين الحسابات الفلكية والأدلة التاريخية والفنية لفهم العلاقة بين المشاهد السماوية والأعمال الفنية، مع التأكيد أن تطابق مواقع الأجرام السماوية وحده لا يكفي لإثبات التاريخ الدقيق الذي رسم فيه الفنان لوحته.


