أكد الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية (GAHAR)، أن سلامة المرضى ليست شعارًا نرفعه، ولا مناسبة نحتفي بها كل عام، ولا مجرد معايير نلتزم بتطبيقها؛ بل هي جوهر الرسالة الإنسانية التي وُجد الطب من أجلها، والغاية الأسمى للرعاية الصحية، والمعيار الحقيقي الذي تُقاس به قوة الأنظمة الصحية وجودتها.

وشدد على أن بناء نظام صحي آمن لا يتحقق فقط بتطوير المنشآت وتحديث التجهيزات، وإنما يتطلب بناء منظومة مؤسسية متكاملة تجعل الوقاية من المخاطر جزءًا أصيلًا من كل قرار طبي وإداري، وتحول معايير الجودة إلى ممارسات يومية تحمي المرضى، وتدعم الفرق الطبية، وتصون الموارد الصحية.

جاء ذلك خلال كلمته بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني السنوي لسلامة المرضى، الذي نظمته الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية تحت شعار «رعاية آمنة مدى الحياة: الرعاية الآمنة للأمراض غير السارية»، تحت رعاية وحضور الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، وبحضور الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، وبالتعاون مع شركة روش للحلول الصحية في مصر.

يأتي المؤتمر في إطار الاحتفال باليوم العالمي لسلامة المرضى لعام 2026، تأكيدًا لأهمية توفير رعاية صحية آمنة ومتكاملة للأشخاص المصابين بالأمراض غير السارية، بدءًا من الوقاية والكشف المبكر والتشخيص الدقيق، مرورًا بالعلاج الآمن، ووصولًا إلى المتابعة المستمرة، بما يحد من المضاعفات والأضرار التي يمكن تجنبها، ويخفف الأعباء الصحية والاقتصادية عن المرضى وأسرهم والدولة، ويدعم جهود تطوير منظومة التأمين الصحي الشامل.

الأرقام العالمية تكشف عن حجم التحدي الذي تواجهه النظم الصحية

وأوضح الدكتور أحمد طه أن الأرقام العالمية تكشف عن حجم التحدي الذي تواجهه النظم الصحية، مشيرًا إلى أن مريضًا من كل عشرة مرضى يتعرض للضرر أثناء تلقي الرعاية داخل المستشفيات، وأن أكثر من نصف هذه الأضرار يمكن الوقاية منها، فيما يتعرض مريض من كل عشرين لضرر دوائي قابل للمنع.

وأضاف أن التقديرات الدولية تشير إلى خسائر اقتصادية هائلة ترتبط بالرعاية الصحية غير الآمنة، تصل وفقًا للتقديرات التي استعرضها إلى نحو 878 مليار دولار سنويًا، بما يعادل 12.6% من الإنفاق الصحي العالمي، وهو ما يؤكد أن سلامة المرضى ليست قضية طبية وإنسانية فحسب، بل قضية اقتصادية وتنموية تمس كفاءة الإنفاق الصحي واستدامة النظم الصحية.

وأكد رئيس الهيئة أن الاستثمار في الجودة ليس عبئًا إضافيًا على ميزانيات الصحة، بل هو استثمار في منع الضرر قبل وقوعه، وتجنب تكاليف المضاعفات وإعادة العلاج والإقامة غير الضرورية بالمستشفيات، وتوجيه الموارد المحدودة إلى حيث تحقق أكبر منفعة صحية للمواطن.

وأشار إلى أن الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية تعمل وفق رؤية وطنية متكاملة تستهدف الانتقال من مجرد التحقق من الالتزام بالمعايير إلى بناء ثقافة مؤسسية مستدامة للسلامة، تقوم على استباق المخاطر، وتوحيد الممارسات الآمنة، وتأهيل الكوادر، وتشجيع الإبلاغ عن الأخطاء والتعلم منها، وتحسين الأداء بصورة مستمرة.

وأوضح أن هذه الرؤية تشمل جميع مراحل رحلة المريض، بدءًا من التسجيل والتقييم والتشخيص، مرورًا بالعلاج والتدخلات الطبية والجراحية، وانتهاءً بالخروج والمتابعة، بما يسهم في الحد من أخطاء التشخيص والدواء، والعدوى المرتبطة بالرعاية الصحية، والمضاعفات التي يمكن الوقاية منها، وإعادة دخول المستشفيات.

واستعرض الدكتور أحمد طه أبرز نتائج جهود الهيئة في بناء منظومة وطنية للجودة وسلامة المرضى، مشيرًا إلى اعتماد 964 منشأة صحية موزعة على المحافظات السبع والعشرين، وتسجيل أكثر من 122 ألفًا و877 من أعضاء المهن الطبية، ومراجعة 616 مشروعًا للتصميم المعماري الآمن للمنشآت الصحية.

وأضاف أن جهود الهيئة شملت تدريب نحو 37 ألف متدرب، وتنفيذ 2794 برنامجًا للدعم الفني، إلى جانب 7333 زيارة رقابية ميدانية للتحقق من استمرار الالتزام بالمعايير المعتمدة، ومتابعة جودة الخدمات وسلامة المرضى داخل المنشآت الصحية.

وعلى الصعيد الدولي، أشار إلى حصول معايير الهيئة وبرنامج إعداد المراجعين على الاعتراف الدولي من الجمعية الدولية لجودة الرعاية الصحية (ISQua)، بما يعكس توافق المنظومة المصرية للاعتماد مع المرجعيات الدولية، ويعزز الثقة في جودة الخدمات الصحية المصرية وقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

وأكد رئيس الهيئة أن النجاح الحقيقي لمنظومة الجودة لا يُقاس بعدد المعايير التي نضعها، ولا بعدد الشهادات التي نصدرها فحسب، وإنما بعدد الأخطاء التي نمنعها، والمضاعفات التي نتجنبها، والأرواح التي نحميها كل يوم؛ فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل مريض أسرة تنتظر عودته سالمًا.

وشهد المؤتمر مشاركة موسعة لنخبة من قيادات القطاع الصحي والخبراء والمتخصصين وممثلي المنظمات الدولية وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، من بينهم اللواء طبيب أسامة بسكالس، رئيس المجلس الطبي العسكري العام للقوات المسلحة؛ الدكتور محمد لطيف، الرئيس التنفيذي للمجلس الصحي المصري؛ الدكتور عادل عدوي، وزير الصحة الأسبق ورئيس الجمعية الطبية المصرية؛ الدكتورة مها الرباط، وزيرة الصحة الأسبق؛ الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء؛ والدكتور طاهر نصر، نائب الرئيس التنفيذي للأكاديمية الوطنية للتدريب؛ والدكتور تامر مدكور، رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي؛ والدكتورة آية نصار، نائب رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية؛ والدكتور هاني راشد، نائب رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية؛ والدكتورة سادنا بهجوت، ممثلة منظمة الصحة العالمية؛ إلى جانب أعضاء مجلس إدارة الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية.

من جانبه، أكد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، أن ضمان سلامة المريض أصبح أولوية عالمية للمنظومات الصحية، مشيراً إلى أن مصر تشهد عهداً غير مسبوق من الدعم الرئاسي للقطاع الصحي، حيث تتابع القيادة السياسية ملف الصحة بشكل دقيق وشامل، بدءاً من الرعاية الأولية ومبادرات الصحة العامة وصولاً إلى تطوير غرف الرعاية وقوائم الانتظار.

وأضاف الوزير أن الوزارة اتخذت خطوات مؤسسية جادة لحماية المريض، شملت إصدار قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض، واستحداث إدارة عامة لسلامة المريض ضمن الهيكل التنظيمي الجديد، وتشكيل لجنة عليا لرفع مستوى جودة الخدمات وسلامة المريض تضم كافة القطاعات الصحية والعسكرية والشرطية والخاص والمجتمع المدني، إلى جانب إطلاق الاستراتيجية الوطنية للجودة وسلامة المريض (2026-2030) وإعداد أول تقرير شامل لعام 2025 كخط أساس لقياس الأداء وتطويره.

وشدد على أهمية تعميم منظومة وطنية آمنة للإبلاغ عن الأحداث العارضة والأخطاء الطبية بهدف التعلم المؤسسي دون خوف من العقاب، منوهاً بإطلاق دبلومة مهنية متخصصة لسلامة المرضى بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، حيث تضم الدفعة الأولى 70 طبيباً ليكونوا نواة لنشر هذه الثقافة داخل المستشفيات.

وفي كلمته، أكد الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، أن سلامة مقدمي الرعاية الصحية تمثل ركيزة لا تنفصل عن سلامة المرضى، موضحًا أن توفير بيئة عمل آمنة تحفظ حقوق الفرق الطبية وتصون كرامتها، وتدعم قدرتها على أداء رسالتها بكفاءة، ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمات الصحية وسلامة متلقيها.

وشدد على أن الجودة الحقيقية لا تتحقق بمجرد وجود المعايير والسياسات والإجراءات، وإنما بترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل السلامة مسؤولية مشتركة بين جميع العاملين في المنظومة الصحية، وتضع حماية المريض ومقدم الخدمة في قلب كل ممارسة وقرار.

من جانبه، أكد الدكتور طاهر نصر، نائب الرئيس التنفيذي للأكاديمية الوطنية للتدريب، أن الاستثمار في الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه منظومات الرعاية الصحية الآمنة، وأن تطوير المهارات المهنية والقيادية للكوادر الصحية يمثل شرطًا جوهريًا لتحويل معايير الجودة إلى ممارسات مؤسسية راسخة.

وأوضح أن بناء قدرات القيادات الصحية لا يقتصر على تطوير المهارات الإدارية، وإنما يمتد إلى تمكينها من إدارة المخاطر، وتعزيز العمل الجماعي، وترسيخ ثقافة التعلم المستمر، وقيادة التغيير داخل المؤسسات الصحية.

وأشار إلى أن الأكاديمية الوطنية للتدريب تواصل دورها في بناء القدرات وتطوير الكفاءات بالتعاون مع مختلف المؤسسات والقطاعات الصحية، بما يسهم في إعداد قيادات قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، وتعزيز كفاءة النظام الصحي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأكدت الدكتورة سادنا بهجوت، ممثلة منظمة الصحة العالمية، أن سلامة المرضى ليست أولوية منفصلة عن بقية أهداف النظم الصحية، بل هي الأساس الذي تقوم عليه جودة الرعاية وفاعلية التدخلات الصحية وثقة المجتمعات في مؤسساتها الطبية.

وشددت على أهمية تعزيز مفهوم الرعاية الآمنة مدى الحياة، وتمكين الأفراد والأسر من المشاركة الفاعلة في الحفاظ على صحتهم، وترسيخ ممارسات الرعاية الذاتية الآمنة، بما يضمن استمرارية الرعاية داخل المنشآت الصحية وخارجها، وفي المنزل والمجتمع، وعبر مختلف المراحل العمرية.

وأكدت استمرار التزام منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع الدولة المصرية وشركائها لتعزيز سلامة المرضى، ودعم الجهود الوطنية الرامية إلى بناء نظم صحية أكثر جودة وأمانًا واستدامة.

وتضمنت فعاليات المؤتمر جلسات علمية ونقاشية بمشاركة قيادات القطاع الصحي والخبراء والمتخصصين، تناولت دور الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تعزيز سلامة المرضى، وتأمين رحلة المريض من الكشف المبكر والتشخيص إلى العلاج والمتابعة المستمرة، وتطوير نظم أكثر أمانًا لرعاية المصابين بالأمراض غير السارية، إلى جانب عرض تجارب ناجحة ونماذج عملية لتطبيق معايير الجودة والحد من المخاطر المرتبطة بالرعاية الصحية.

وأكدت الرسائل الرئيسية للمؤتمر أن بناء نظام صحي أكثر أمانًا ليس مسؤولية مؤسسة واحدة، بل مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها جهود الدولة والمؤسسات الصحية والفرق الطبية والمرضى أنفسهم؛ وصولًا إلى منظومة تكون فيها الرعاية الآمنة حقًا أصيلًا لكل مواطن، في كل منشأة صحية، وفي كل مرحلة من مراحل حياته.

الأسئلة الشائعة

الهدف هو تأكيد أهمية توفير رعاية صحية آمنة ومتكاملة للأشخاص المصابين بالأمراض غير السارية منذ الوقاية والكشف المبكر والتشخيص الدقيق وحتى العلاج الآمن والمتابعة المستمرة

أعلنت الهيئة اعتماد 964 منشأة صحية موزعة على المحافظات السبع والعشرين

شملت الخطوات إصدار قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض واستحداث إدارة عامة لسلامة المريض وتشكيل لجنة عليا للجودة وسلامة المريض وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للجودة وسلامة المريض 2026-2030