عندما يتخلى الفنان محمد رمضان عن بريق النجومية الزائف، ويخلع عباءة «نمبر وان»، ويبتعد عن ترتر الغناء اللامع، المزعج للأذن والعين والروح، ويتذكر أن مهنته الأصلية هي التمثيل، تظهر قدراته الحقيقية كمشخصاتي شاطر، يعرف كيف يقنعك دون زعيق أو ضجيج أو بلطجة، ودون أن يذكّرك كل خمس دقائق بأنه الأسطورة التي لم تنجب مثلها البشرية منذ اختراع التمثيل!
هكذا شاهدت محمد رمضان في الفيلم المتميز «أسد»، الذي كتبه الإخوة دياب، وأخرجه بحرفية عالمية محمد دياب، فقدم لنا عملًا سينمائيًا يقتحم منطقة شائكة وشديدة الضبابية في تاريخ مصر الحديث، عندما أصدر الخديوي إسماعيل قرار منع تجارة الرقيق وتحرير العبيد، في مجتمع كانت العبودية فيه أكثر من مجرد تجارة، بل ثقافة متجذرة في العقول والنفوس، ونظامًا اجتماعيًا يجد دائمًا من يدافع عنه، وربما من يطالب العبيد بالصبر على نعمة العبودية!
وقد جسّد شخصية الخديوي إسماعيل الفنان ماجد الكدواني، في مشاهد محدودة المساحة، كبيرة الحضور والتأثير، مؤكدًا أن الممثل الحقيقي لا يحتاج إلى عشرين مشهدًا ليترك بصمته، ولا إلى أغنية يشرح فيها للجمهور أنه جامد جدًا!
واستلهم الإخوة دياب من أجواء تلك المرحلة التاريخية، وما ارتبط بها من مواقف تجاه تحرير العبيد، صراعًا دراميًا بين الخديوي إسماعيل وولي عهده الأمير محمد توفيق ( الممثل احمد داش )، فجعلوا من قضية الحرية ساحة للمواجهة والتحدي بين السلطة والوريث، وبين القرار السياسي والمصالح التي تقاوم تنفيذه. وهو توظيف درامي لا ينبغي بالضرورة التعامل مع تفاصيله باعتبارها وقائع تاريخية موثقة.
ومن قمة الهرم السياسي ينتقل الفيلم إلى قاع المجتمع، حيث العبد «أسد»، الذي يجسده محمد رمضان، والذي يقع في حب فتاة تؤدي دورها الممثلة رزان جمال، ابنة سيده الحلبي أحد سادة تجارة العبيد الكبار. ومن خلال هذه العلاقة تتجسد مأساة الإنسان الذي يكتشف أن الحب نفسه قد يصبح جريمة عندما يكون المحب عبدًا، وأن المشاعر الإنسانية لا تمنح صاحبها حقًا في الحياة ما دام هناك من يمتلك صك ملكيته.
وبعد أن يكتشف أمر زواجه منها
يبلغ القهر ذروته حين يفقد أسد رجولته، ثم ابنه، وأخيرًا حياته، وكأن العبودية لا تكتفي بسرقة حرية الإنسان، بل تصر على مصادرة جسده وحبه وأبوته ومستقبله، ثم تطلب منه في النهاية أن يشكر سيده على حسن المعاملة!
ولعل أحد أجمل اختيارات الفيلم تقديم بطل موازٍ لمحمد رمضان، هو الفنان علي قاسم، الذي يجسد شخصية معادية للعبيد،هي شخصية “يكن” رغم أنه في أعماقه ينتمي إليهم. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة وسخرية؛ فالعبودية لا تحتاج دائمًا إلى سيد يحمل سوطًا، بل يكفيها عبد يؤمن بحق سيده في حمل السوط، وربما يتطوع بضرب بقية العبيد لإثبات أنه مختلف عنهم! فكل عذابات العبيد تتم بأيدي إخوانهم
وكم في حياتنا من عبيد يرتدون ملابس الأحرار، ويتحدثون بلسان السادة، ويدافعون عن القيود التي تكبلهم، بل يغضبون إذا حاول أحد تحريرهم، لأنهم اعتادوا القفص إلى درجة أنهم أصبحوا يخافون من الهواء خارجه!
الفيلم، في تقديري، مكتمل في عناصره الفنية الجميلة، من كتابة وإخراج وتمثيل وصورة وإيقاع، وأتفق مع من نادوا بترشيحه للأوسكار، ليس باعتبار الجائزة شهادة الميلاد الوحيدة لأي عمل فني ناجح، ولكن لأن السينما المصرية تستحق أن تستعيد حضورها العالمي بأعمال تمتلك الجرأة والخيال والحرفية، لا بمجرد أفلام تُصنع على مقاس شباك التذاكر، ثم نكتشف أن الشباك هو الذي كتب السيناريو وأخرج الفيلم واختار الممثلين!
ويمنح «أسد» قبلة حياة حقيقية لصناعة السينما المصرية، ويؤكد أن هناك مساحات واسعة ما زالت بكرًا، لم يقتحمها الفن السابع كما ينبغي، وأن تاريخنا ليس فقيرًا في الحكايات، وإنما قد تكون المشكلة فيمن يفضلون إعادة الحكاية نفسها للمرة الخمسين، مع تغيير اسم البطل والبطلة، وإضافة أغنيتين ومطاردة وخناقة في الحارة، ثم يعلنون عن ميلاد تحفة سينمائية جديدة!
كل ما تحتاجه السينما المصرية أن تحصل على المساحة التي تستحقها من حرية الإبداع، وأن تتحرر من الأنماط المعلبة والأفكار سابقة التجهيز. وليس المطلوب دائمًا التفكير خارج الصندوق، فداخل الصندوق نفسه كنوز من الوقائع التاريخية والأحداث المتراكمة والشخصيات المنسية والأفكار الجذابة، لكن يبدو أن البعض أغلق الصندوق بالمفتاح، ثم أضاع المفتاح، وجلس يبكي على أزمة السيناريو!
ولعل المفارقة الأعمق أن الفيلم الذي يتناول تحرير العبيد يضعنا أمام سؤال أكثر إزعاجًا: هل انتهت العبودية فعلًا، أم أننا اكتفينا بإلغاء أوراقها الرسمية؟
لقد سقطت تجارة البشر قانونيًا، لكن العبودية في نفوس وعقول وأرواح كثيرين لم تسقط بعد. فما زال هناك من يبيع حريته مقابل مصلحة، ومن يرهن ضميره لقاء منصب، ومن يتنازل عن كرامته طلبًا لرضا صاحب سلطة، ومن يتفاخر بقيوده لمجرد أنها مصنوعة من ذهب!
وإذا كان أسد قد دفع ثمن حريته من جسده وحياته، فإن هناك من يدفعون اليوم ثمن عبوديتهم من كرامتهم، ثم يخرجون علينا ليحدثونا عن الحكمة والواقعية وضرورة احترام الأسياد!
وأخيرًا، فإن صك الحرية الذي رفعه أسد في مشهده الأخير بالفيلم يستحق ألا يسقط، لا من ذاكرة السينما ولا من ضمير المجتمع. فالحرية ليست ورقة يوقعها حاكم، ولا منحة يتفضل بها سيد على عبده، وإنما حق لا تكتمل إنسانية الإنسان بدونه.
والأهم أن ندرك أن تحرير العبيد من القيود قد يكون أسهل كثيرًا من تحرير عقولهم من العبودية.
فأخطر أنواع العبيد ليس ذلك الذي ينتظر من يحرره، وإنما ذلك الذي يخشى أن تتحرر أنت، حتى لا يكتشف حجم العبودية التي يعيش فيها!
ولعل محمد رمضان نفسه يقدم لنا درسًا آخر من خارج أحداث الفيلم: عندما تحرر من عبودية «نمبر وان»، ظهر الممثل الحقيقي الذي يستحق أن يكون رقمًا مهمًا في السينما.
فأحيانًا لا يحتاج الأسد إلى أن يزأر ليؤكد أنه أسد، بل يكفيه أن يمثل جيدًا، ويترك الزئير لمن لا يملكون غيره!
افيه قبل الوداع
هتفتكروا الايام اللي اتنفستوا فيها من غير إذن السادة
جملة من الفيلم.
يرى المقال أن الفيلم مكتمل فنيًا من حيث الكتابة والإخراج والتمثيل والصورة والإيقاع، وأنه يقدم طرحًا جريئًا لقضية تحرير العبيد في تاريخ مصر الحديث
اعتبر المقال أن محمد رمضان ظهر كممثل حقيقي عندما ابتعد عن صورة «نمبر وان» وقدم أداءً مقنعًا دون زعيق أو ضجيج
يدور الفيلم حول قرار الخديوي إسماعيل منع تجارة الرقيق وتحرير العبيد، وما صاحب ذلك من صراع درامي بين السلطة والمصالح التي قاومت التنفيذ


