تحل في السادس والعشرين من أكتوبر ذكرى واحدة من أبرز الأحداث السياسية في تاريخ مصر الحديث، وهي محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية عام 1954، أثناء إلقائه خطابًا جماهيريًا أمام حشد كبير من المواطنين وقد مثلت هذه الحادثة نقطة تحول مهمة في مسار العلاقة بين قيادة ثورة 23 يوليو 1952 وجماعة الإخوان المسلمين، وترتبت عليها تطورات سياسية وأمنية تركت آثارًا عميقة في الحياة السياسية المصرية.

جاءت الحادثة في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ مصر، عقب قيام ثورة يوليو وإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية عام 1953 فقد شهدت البلاد خلافات متصاعدة حول طبيعة النظام السياسي الجديد، ومستقبل الحكم، ودور القوى السياسية في إدارة شؤون الدولة وكانت العلاقة بين الضباط الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين قد انتقلت من التقارب في مواجهة النظام الملكي إلى التوتر والصدام، نتيجة اختلاف الرؤى بشأن شكل الدولة وحدود المشاركة السياسية.

وفي أكتوبر 1954، وقعت مصر وبريطانيا اتفاقية الجلاء التي مهدت لإنهاء الوجود العسكري البريطاني في منطقة قناة السويس. وكان الاتفاق يمثل خطوة مهمة في مسار الاستقلال الوطني، وأراد جمال عبد الناصر، الذي كان يتولى رئاسة الوزراء آنذاك، أن يعرض على الجماهير نتائج المفاوضات وما اعتبره إنجازًا وطنيًا للثورة.

خطاب عبد الناصر

وفي مساء السادس والعشرين من أكتوبر عام 1954، احتشد المواطنون في ميدان المنشية بالإسكندرية للاستماع إلى خطاب عبد الناصر وبينما كان يتحدث أمام الجماهير، دوت طلقات نارية استهدفت المنصة التي يقف عليها، في مشهد أثار الذعر والارتباك بين الحاضرين ووفقا للرواية الرسمية، أُطلقت ثماني طلقات باتجاهه، إلا أنه نجا من محاولة الاغتيال دون أن يصاب بأذى.

واتهمت السلطات المصرية محمود عبد اللطيف، الذي قدم باعتباره عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، بإطلاق النار على عبد الناصر وأعقب الحادث فتح تحقيقات واسعة والقبض على عدد من أعضاء الجماعة وقياداتها، وسط اتهامات رسمية بوجود مخطط لاستهداف قيادة الثورة وزعزعة استقرار الدولة وقد أصبحت الواقعة تعرف تاريخيًا باسم حادث المنشية، وارتبطت منذ ذلك الوقت بالصراع السياسي بين نظام عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين.

وكان من أبرز المشاهد التي خلدتها الذاكرة السياسية المصرية استمرار عبد الناصر في مخاطبة الجماهير بعد إطلاق النار، إذ لم يغادر المنصة، بل حاول تهدئة الحاضرين والتأكيد على ثباته في مواجهة الخطر واشتهر خطابه في تلك اللحظات بكلمات عبرت عن استعداده للتضحية من أجل مصر، وهو ما ساهم في تعزيز صورته لدى قطاعات من المواطنين باعتباره قائدًا يواجه التهديدات ولا يتراجع أمامها.

وقد استثمر النظام السياسي تداعيات الحادثة في تأكيد شرعيته وتعزيز مكانة عبد الناصر، الذي ظهر في الخطاب الرسمي باعتباره مستهدفًا بسبب مشروعه الوطني. وأصبحت الواقعة جزءًا أساسيًا من الرواية الرسمية لعهد يوليو، كما استُخدمت في تعبئة الرأي العام ضد المتهمين بالتورط فيها.

وعقب الحادثة، شهدت مصر حملة أمنية واسعة ضد جماعة الإخوان المسلمين، شملت اعتقال أعداد كبيرة من أعضائها وقياداتها، وإحالة عدد من المتهمين إلى المحاكمة أمام محكمة الشعب وصدرت أحكام قاسية بحق عدد منهم، تضمنت الإعدام والسجن، ونُفذت أحكام الإعدام بحق بعض القيادات وأدت هذه الإجراءات إلى إضعاف نشاط الجماعة العلني داخل مصر، وفتحت مرحلة طويلة من المواجهة بينها وبين النظام الحاكم.

ولم تقتصر آثار الحادثة على الجانب الأمني، بل امتدت إلى بنية الحياة السياسية المصرية فقد ساهمت في تعزيز سلطة جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة، وتراجعت معها فرص عودة التعددية السياسية المستقلة وتزامنت هذه التطورات مع إبعاد محمد نجيب عن مناصبه في نوفمبر 1954، في سياق الصراع الذي شهدته مؤسسات الحكم خلال تلك المرحلة.

ورغم اعتماد الرواية الرسمية المصرية اتهام عناصر من جماعة الإخوان المسلمين بالمسؤولية عن محاولة الاغتيال، فإن الحادثة ظلت موضع نقاش في بعض الكتابات التاريخية والسياسية فقد شككت روايات إخوانية في مسؤولية الجماعة، كما تناول بعض الباحثين الظروف السياسية المحيطة بالواقعة وطريقة توظيفها في الصراع على السلطة ولذلك فإن القراءة التاريخية المتوازنة تقتضي التمييز بين ما ورد في التحقيقات والمحاكمات الرسمية وبين التفسيرات اللاحقة التي قدمها مؤرخون وباحثون.

وتكشف حادثة المنشية عن طبيعة الصراع الذي شهدته مصر في السنوات الأولى بعد ثورة يوليو، حين تداخلت قضايا الاستقلال الوطني مع الخلاف حول شكل الحكم ومصدر السلطة وحدود العمل السياسي. فقد كانت محاولة الاغتيال، وتداعياتها اللاحقة، جزءًا من مرحلة أُعيد خلالها تشكيل مؤسسات الدولة وتحديد العلاقة بين النظام الحاكم والقوى السياسية المعارضة.

وبعد مرور سنوات طويلة على أحداث السادس والعشرين من أكتوبر عام 1954، تظل ذكرى حادث المنشية محطة أساسية لفهم تاريخ مصر الحديث، ليس فقط بسبب نجاة جمال عبد الناصر من محاولة الاغتيال، وإنما أيضًا بسبب ما ترتب عليها من تحولات سياسية وأمنية عميقة فقد ساهمت الحادثة في ترسيخ مكانة عبد الناصر، وتصعيد المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين، وتغيير مسار الحياة السياسية المصرية لسنوات طويلة.

وتبقى دراسة هذه الذكرى مهمة لفهم طبيعة المرحلة التي أعقبت ثورة يوليو، وما شهدته من صراعات وتحديات أسهمت في تشكيل ملامح الدولة المصرية الحديثة، مع ضرورة الرجوع إلى مصادر تاريخية متنوعة لفهم الوقائع وسياقاتها، بعيدًا عن الاختزال أو الاكتفاء برواية سياسية واحدة.

الأسئلة الشائعة

وقعت مساء السادس والعشرين من أكتوبر عام 1954 أثناء إلقائه خطابًا جماهيريًا في ميدان المنشية بالإسكندرية

وفق الرواية الرسمية أُطلقت ثماني طلقات باتجاه المنصة التي كان يقف عليها لكنه نجا دون أن يصاب بأذى

أعقب الحادث حملة أمنية واسعة ضد جماعة الإخوان المسلمين شملت اعتقالات ومحاكمات وأحكامًا قاسية كما ساهمت الواقعة في تعزيز سلطة جمال عبد الناصر