من بين رؤساء العالم عامة، ورؤساء أمريكا الجنوبية خاصة، يبرز اسم الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بوصفه ظاهرة سياسية تستحق التأمل؛ لا لأنه رئيس أكبر دول أمريكا اللاتينية فحسب، ولا لأنه صعد من الفقر إلى قمة السلطة، بل لأنه استطاع أن يحوّل سيرته الشخصية إلى نجومية سياسية تتجاوز حدود بلاده، وأن يجعل من منصبه الرسمي مثارًا لأفكار سياسية مختلفة عن المعهود، بما يجعله صاحب فلسفة سياسية خاصة ومتفردة.
ففي عالم تهيمن فيه لغة القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لتصنيف مكانة كل دولة بين أقرانها وجيرانها، قدّم دا سيلفا نموذجًا مختلفًا للقوة السياسية؛ قوة تتولد من الطاقة الاجتماعية، وتستند إلى القدرة على كسب قلوب الناس، وتستمد نفوذها من المفارقة التي تولدت من الفجوة بين بدايته البسيطة وما انتهى إليه من مكانة. فالرجل لم يولد في القصور، ولم يتخرج من جامعات كبرى، ولم يصعد عبر السلالم التقليدية للنخبة؛ ومع ذلك أصبح واحدًا من أكثر الوجوه السياسية شهرة في النصف الجنوبي من العالم.
إنها ظاهرة تستحق الدراسة والتفكر، لا لأن حكايته ملهمة فحسب، وإنما لفهم الكيفية التي وصل بها الرجل البسيط ليصبح رمزًا اجتماعيًا مؤثرًا، وصوتًا سياسيًا مسموعًا يعبّر عن المهمشين والبسطاء، ومفكرًا سياسيًا يسعى إلى إعادة صياغة قواعد النظام العالمي بطريقته.
من القاع إلى القمة
وُلد لولا في 27 أكتوبر 1945 في ولاية بيرنامبوكو الفقيرة شمال شرقي البرازيل، وسط أسرة كبيرة دفعتها ظروف المعيشة إلى الهجرة نحو الجنوب بحثًا عن فرصة أفضل.
كابد العمل المبكر في طفولته، فاشتغل ماسحًا للأحذية، وعاملًا، ومستخدمًا في أعمال بسيطة، ثم تلقى تدريبًا مهنيًا انتهى به إلى العمل في صناعة المعادن. لقد انحدر من طبقة العمال الكادحين، فتحولت خبراته الحياتية إلى أداة يتشرب بها معارفه مباشرة من مدرسة الحياة التي تشكل فيها وعيه الاجتماعي، ومنها استمد لغته السياسية القريبة من العمال وأصحاب الدخول المحدودة.
في سبعينيات القرن العشرين، برز لولا قائدًا نقابيًا في منطقة ساو برناردو دو كامبو الصناعية، وصار أحد أبرز وجوه الحركة العمالية التي تحدت قيود الحكم السلطوي. وفي عام 1979، شارك في قيادة إضرابات واسعة شارك فيها عشرات الآلاف من العمال، قبل أن يتعرض للاعتقال عام 1980 في ظل القمع، ثم أسهم في تأسيس حزب العمال، وأصبح مع الوقت أحد أبرز رموز الانتقال الديمقراطي في البرازيل.
لقد دخل السياسة من بوابة التجربة المعاشة، لا من باب التنظير المجرد. فإذا تحدث عن الفقر والفقراء، فهو لسانهم الناطق بالحق الذي عايشه وشعر به، وإذا تحدث عن العمل والصناعة، فهو الخبير الذي مارس وأدرك وفهم، وإذا تكلم عن التفاوت الطبقي وتراكم الثروة في أيدي الأغنياء، فهو يتكلم من موقع المتأثر بمثالب الطبقية. مثل هذه الخبرة أكسبته مصداقية لا تستطيع الحملات الانتخابية وحدها، مهما بلغت قوة تمويلها وداعميها، أن تواجهها أو تحقق نتائج مبهرة كالتي حققها بأصوات جمهوره المحب.
كاريزما شعبوية
تُفهم الكاريزما السياسية لدى البعض باعتبارها موهبة غامضة يولد بها بعض القادة دون غيرهم، غير أن تجربة دا سيلفا جاءت حصيلة تفاعل بين الشخصية والسيرة واللحظة التاريخية؛ فالرجل لديه موهبة بلاغية وخطابية وقدرة إقناعية طاغية، مع قدرة على استخدام الحكاية اليومية بدلًا من المصطلحات المعقدة، ومهارة في مناقشة القضايا الاقتصادية المعقدة بسهولة ويسر، بما يخدم قضايا مواطنيه.
لا يتحدث لولا إلى الجمهور بصفته خبيرًا اقتصاديًا أكاديميًا، بل بصفته سياسيًا أقنع المواطن بأن أرقام النمو والأجور والإنفاق العام يمكن أن تنعكس في مجريات الحياة من طعام ومسكن وتعليم وصحة. وبذلك أعاد السياسة إلى أصلها الاجتماعي: ماذا يتغير في حياة الناس عندما تتغير الحكومة؟
اللافت أن هذه الكاريزما لم تتوقف عند حدود الطبقية التي جاء منها، فقد استطاع في مراحل مختلفة مخاطبة العمال والفقراء جنبًا إلى جنب مع طبقات التجار ورجال الأعمال، وأن يبني تحالفات انتخابية متباينة الأطياف والطبقات. فغدت هذه القدرة الاستثنائية برهانًا على إمكانية إزالة التناقضات بين مختلف الطبقات المجتمعية، وإدارة مختلف الملفات بكفاءة نادرة.
في عام 2002، فاز لولا بالرئاسة للمرة الأولى، ثم أُعيد انتخابه عام 2006. وعندما غادر المنصب في نهاية ولايته الثانية عام 2010، كانت شعبيته قد بلغت مستويات استثنائية، وقدرت بعض استطلاعات الرأي تأييده بنحو 80%.
وبعد سنوات من الابتعاد القسري عن الرئاسة، عاد إليها في يناير 2023 لولاية ثالثة، عقب انتخابات شديدة الاستقطاب فاز فيها بفارق ضئيل على جايير بولسونارو. الأمر الذي أكد قدرة الرجل على استدعاء ائتلاف انتخابي واجتماعي واسع في مواجهة خصوم أقوياء؛ وهذه إحدى علامات الكاريزما الشعبوية الفاعلة: أن تحصد حب الجمهور واحترامه في الوقت نفسه الذي تظل فيه قادرة على تحريك قطاعات مؤثرة من المجتمع رغم وجود معارضة شديدة متربصة.
قضيته المحورية
قد تتبدد الكاريزما السياسية ويضيع أثرها إذا لم ترتبط بقضية جماهيرية مركزية يلتف حولها الناس، وتصبح الشغل الشاغل للحكومة. وفي حالة دا سيلفا، ارتبطت صورته السياسية ارتباطًا وثيقًا ببرامج مكافحة الجوع والفقر، وفي مقدمتها برنامج «بولسا فاميليا» للتحويلات النقدية لصالح الأسر الفقيرة، الذي تأسس عام 2003.
لم تكن الفكرة اختراعًا برازيليًا جاء من فراغ، ولا كان نجاحها ثمرة قرار رئاسي منفرد؛ بل تولدت من خبرات سابقة في نظم التحويلات الاجتماعية، ومن تكامل عمل المؤسسات، إلا أن دا سيلفا نجح في وضع هذه السياسات في قلب الخطاب الوطني، وربطها بمسؤولية الحكومة عن ضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لمواطنيها.
لقد دخل الرجل الرئاسة عام 2003 متعهدًا بألا يظل الجوع وصمة في جبين بلد يمتلك ثروات زراعية وطبيعية هائلة. وفي تلك الفترة أشارت تقديرات رسمية إلى أن نحو خمسين مليون برازيلي يعانون الجوع أو انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة. ولم يكن التحدي القائم خاصًا بإشكالية توزيع المساعدات المؤقتة، بل كان الأهم بناء منظومة تربط الدعم الاجتماعي بالتعليم والصحة والعمل والتنمية المحلية بشكل فاعل ومستدام، وهو ما نجح في تحقيقه في زمن قياسي.
العودة الثالثة
للمرة الثالثة عاد دا سيلفا إلى الحكم، وهي فترة تستحق قراءة مستقلة؛ فالبرازيل التي عاد لحكمها عام 2023 لم تعد نفسها التي تركها عام 2010. فقد تغير الاقتصاد العالمي، واشتدت الاستقطابات السياسية، وغدت الضغوط المالية والاقتصادية أشد وطأة وتعقيدًا.
لقد بلغ عدد سكان البرازيل نحو 214 مليون نسمة بتقديرات عام 2025، وبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 2.3 تريليون دولار في العام نفسه، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، مع تباطؤ نسبي في معدلات النمو. ووفق البنك الدولي، لا تزال البرازيل تعاني تفاوتًا حادًا في توزيع الدخل؛ إذ يستحوذ أغنى 10% من السكان على نحو 55% من إجمالي الدخل، في حين لا يحصل أفقر 10% إلا على قرابة 4% فقط.
وهذه هي المسألة لدى دا سيلفا؛ لا يكفي أن يتحدث باسم الفقراء، ولا أن يستعيد مكانة البرازيل الدولية، بل ينبغي أن تُقاس التجربة بقدرتها على تقليص الفجوة بين الفئات الاجتماعية، وتحسين نوعية التعليم والخدمات. ثمة أمور أخرى تحكمت في مجريات الاقتصاد البرازيلي بخلاف رئيسها؛ فالبرازيل تواجه ضغوطًا تتعلق بالدين العام وتكلفة الاقتراض والإنفاق وغير ذلك من المتغيرات الدولية والعالمية والإقليمية.
غير أن الجانب الأهم في «ظاهرة» دا سيلفا أنه صار رمزًا عالميًا وصوتًا استثنائيًا يجاهر بحق الدول النامية في صياغة النظام الدولي، لا مجرد تمرير قرارات تصدرها القوى الكبرى. وفي خطابه الدبلوماسي تكررت الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب، وإصلاح المؤسسات الدولية، ومنح دول الجنوب وزنًا يتناسب مع حجمها السكاني والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، عمل على إعادة تنشيط علاقات البرازيل بأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وعلى توسيع دورها في مجموعة «بريكس» وفي مختلف المنظمات الدولية. وهو يجاهر برفض استمرار الحروب والمواجهات، ويدعو إلى التفاوض وتسوية النزاعات. لكن صوته المنفرد قد يتبدد أثره إذا لم يجد صدى يتجاوب معه، وإذا لم تكتمل رسالته في المستقبل أو تتكرر تجربته.
وحسم لولا الانتخابات الحالية بفوز تاريخي مشهود، ويبدأ ولايته الرابعة في حكم البرازيل؛ فهل ينجح في مساعيه لمكافحة الفقر وتعزيز مكانة دول الجنوب؟ لن ننتظر كثيرًا لنعرف.. وإن غدًا لناظره قريب.
لأنه صعد من الفقر والعمل اليدوي إلى الرئاسة، وحوّل سيرته الشخصية إلى نجومية سياسية وصوت مؤثر للفقراء ودول الجنوب العالمي
عاد إلى الرئاسة في يناير 2023 لولاية ثالثة بعد انتخابات شديدة الاستقطاب فاز فيها بفارق ضئيل على جايير بولسونارو
ارتبطت صورته ببرامج مكافحة الجوع والفقر وعلى رأسها برنامج بولسا فاميليا للتحويلات النقدية للأسر الفقيرة الذي تأسس عام 2003


