لو ذهبت بآلة الزمن قبل شيوع لقاحات وتطعيمات الحصبة، ستجد أن الإنسان كان عليه أن يستخدم الطرق الشعبية للقضاء على هذا الوباء القاتل، منها دهان المنزل بالجير، وأن تقوم الأسر بإجبار ابنها المُصاب على ارتداء الجلباب الأحمر؛ اعتقادا منهم أن اللون الأحمر يعالج الحصبة، مع حبسه وعدم خروجه من المنزل؛ لكى لا تنتقل العدوى للآخرين ومنع أقرانه من مصاحبته.
ولأن الطب لم يكن مُشاعًا فى التفريق العلمي بين الحصبة التقليدية أو الحصبة الألمانية، فقد كان التفريق هنا بين حصبة ذكر يمكن النجاة منها كثيرًا، وبين حصبة أنثي (نتاية) لا يُمكن النجاة منها إلا من رحم الله، ومما هو متعارف عليه أن فترة حضانة المرض قد تستغرق أقل من شهر، ومن يشفى من الحصبة يكون قد أخذ حصانة فلا تعاوده الإصابة مرة أخرى.
بجانب هذه العادات الشعبية لمواجهة الحصبة، تم استخدام البخور لمواجهة ارتفاع حرارة الجسم القاتلة التى تجلبها الحصبة، وكان على رب الأسرة أن يخرج من منزله ليتم التطهير بالجير بعد إبلاغ الحكومة لمقاومة المرض.
حكايات من الوقائع.
وارتبطت الحصبة بالإصابة بالجدري، حيث دلت منشورات «الوقائع المصرية» التى تنشرها «بوابة الأهرام» والتي ترجع لبدايات القرن العشرين أن العلماء والمؤرخين للطب يختلفون فى بدايات الظهور لمرض الحصبة الذي كان يقضى على الملايين حول العالم وأغلبهم من الأطفال، فمنهم من يجزم أنه ظهر فى القرون الوسطى، وأن الطبيب العربي الرازي حاول فى بغداد أن يقدم حلولا واختلافات له عن الجدري، ومنهم من يؤكد أن العلوم الأثرية والمخلفات البشرية أكدت على أنه أقدم من ذلك.
وباء سنة 1903
وفي عام 1903م، تفشى مرض الحصبة وعاود الظهور ثانية فى عدد من مراكز وقرى الصعيد والدلتا، وكانت منهم مدينة قوص جنوب قنا بصعيد مصر، حيث قررت وزارة الداخلية آنذاك تفعيل القوانين التى تم التصديق عليها والمتمثلة في إخلاء المنازل، ووضع عقوبة حبس لرب الأسرة لو لم يبلغ عن وجود حالة حصبة، وهذا ما أوضحه المنشور.
وجاء في المنشور أنه نظرًا لتفشى الحصبة فى مركز قوص، فعلى من يوجد عنده حاله يقوم بالفور بإبلاغ العمدة، ومأمور المركز، وعلى الفور يتم إخلاء المنزل، وإن لم يتم الإبلاغ أو الإخلاء يعاقب بالحبس لمدة أسبوع.
قالت «الوقائع» أيضا، أنه بمجرد ظهور الحصبة في منزل ما، يتم تبييض المنزل بالجير على الفور، مع إيجاد فتحات بالمنزل أو العشة، ويكون ذلك على حساب صاحب المنزل، وأن يلتزم الجميع بإرشادات مفتش الصحة، وقد حددت «الوقائع» هذه القوانين فى منشورات ١٩٠٣م لكل محافظات الدلتا والصعيد معا.
استمرت الحصبة تفتك بالأطفال، حتى قيام ثورة يوليو المجيدة التى قررت عمل وحدات صحية فى كل القرى، حيث كان للإرشادات الصحية دورها فى تحجيم المرض وإن لم تقض عليه، وحين ظهر التطعيم واللقاح فى ستينيات القرن الماضي، وكانت مصر أول من وضع التطعيم الإجباري اللازم لحماية المواطنين والرعاية الصحية لهم من هذا المرض.
وبدأ استخدام تطعيم الحصبة في مصر عام ١٩٦٣م، حيث ساهمت برامج التطعيم في حماية أجيال من الأطفال وتقليل الوفيات الناتجة عن المرض، أما فى عام ١٩٩٩م فتم إدخال لقاح MMR ضمن برنامج التطعيم الإلزامي للأطفال في مصر.
وقد ساهم تطعيم الحصبة في منع وفاة الملايين سنويًا من المرض القاتل، مثلما ساهمت التطعيمات التى سبقت لقاح الحصبة منع شلل الأطفال وغيرها من الأمراض .
الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية
وفي خطوة مهمة لحماية أطفالنا وتعزيز مناعة المجتمع، بدأت وزارة الصحة والسكان تنفيذ الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية، وتستمر لمدة 3 أسابيع في جميع أنحاء الجمهورية.
وتستهدف الحملة جميع الأطفال من عمر 9 أشهر وحتى 10 سنوات، من المصريين وغير المصريين المقيمين في مصر، حيث يتم توفير التطعيم مجانا بمكاتب الصحة، والوحدات الصحية، والمدارس والحضانات، وهكذا فإن التطعيم خطوة أساسية لحمايته من المرض ومضاعفاته، ولتعزيز مناعة المجتمع والحفاظ على خلو مصر من الحصبة والحصبة الألمانية.
منشور مكافحة مرض الحصبة المنشور في الوقائع المصرية مطلع القرن العشرين
اعتمدوا على طرق شعبية مثل دهان المنزل بالجير، وإلباس المصاب الجلباب الأحمر، وحبسه داخل المنزل لمنع انتقال العدوى، كما استخدموا البخور لمواجهة الحرارة المرتفعة
نصت على إبلاغ العمدة ومأمور المركز فورًا عند وجود حالة حصبة، ثم إخلاء المنزل مباشرة، مع عقوبة حبس لمدة أسبوع إذا لم يتم الإبلاغ أو الإخلاء
بدأ استخدام تطعيم الحصبة في مصر عام 1963م، وفي عام 1999م تم إدخال لقاح MMR ضمن برنامج التطعيم الإلزامي للأطفال


