في ظل المخاوف المتزايدة من تراجع الوجود المسيحي في العراق، وجّه الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية السابق، نداءً إلى النخب المسيحية العراقية المنتشرة في دول المهجر، دعاها فيه إلى تجاوز الاكتفاء بالتعبير عن القلق على مستقبل المسيحيين، والانتقال إلى خطوات عملية تسهم في وقف نزيف الهجرة، وإنقاذ ما تبقى من حضورهم التاريخي في بلاد الرافدين.
وجاءت دعوة ساكو تحت عنوان «نداء إلى النخبة المسيحية العراقية في المهجر»، طرح فيه رؤية لمعالجة أزمة الوجود المسيحي، تقوم على توظيف إمكانات المهاجرين وخبراتهم وعلاقاتهم الدولية في دعم المجتمعات المسيحية داخل العراق، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للأجيال الجديدة، بما يشجعها على البقاء بدلًا من البحث عن مستقبل خارج الوطن.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ضوء التحولات الديموغرافية التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة، إذ كان المسيحيون يشكلون أحد المكونات التاريخية البارزة في المجتمع العراقي، قبل أن تؤدي الحروب والعقوبات الاقتصادية والاضطرابات الأمنية والعنف الطائفي إلى موجات متلاحقة من الهجرة، بلغت إحدى ذرواتها عقب اجتياح تنظيم داعش مدينة الموصل وسهل نينوى عام 2014، وما صاحبه من تهجير واسع للعائلات المسيحية وتدمير كنائس ومنازل وممتلكات.
وتشير تقديرات كنسية وحقوقية متداولة إلى أن عدد المسيحيين في العراق، الذي كان يتجاوز المليون قبل عام 2003 وفق بعض التقديرات، تراجع إلى بضع مئات الآلاف، مع اختلاف الأرقام نتيجة غياب إحصاءات سكانية حديثة ودقيقة موزعة بحسب الانتماء الديني. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد انخفاض سكاني، بل تكشف عن تغيرات عميقة أصابت البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمعات المسيحية العراقية.
ويرى ساكو أن خطورة الهجرة لا تتوقف عند تناقص أعداد السكان، وإنما تمتد إلى فقدان الكفاءات التي كانت تشكل ركيزة أساسية في حياة المجتمع، بعدما غادر العراق آلاف الأطباء والمهندسين والأكاديميين ورجال الأعمال والمثقفين والشخصيات السياسية، حاملين معهم خبرات علمية واقتصادية كان يمكن أن تسهم في إعادة بناء مناطقهم وتنميتها.
ومن هنا، يضع البطريرك الكلداني السابق النخب المسيحية في المهجر أمام مسؤولية جديدة، تقوم على تحويل نجاحها في المجتمعات التي استقرت فيها إلى قوة داعمة لأبناء وطنها الأصلي، من خلال الاستثمار ونقل المعرفة وتأسيس شبكات تعاون تربط أصحاب الخبرات بالمؤسسات المحلية، بدلًا من اقتصار العلاقة مع العراق على الزيارات العائلية والمساعدات الفردية والمناسبات الدينية.
ولا يحصر ساكو أسباب تراجع الوجود المسيحي في التهديدات الأمنية وحدها، بل يربط الأزمة أيضًا بضعف مؤسسات الدولة، وتراجع سيادة القانون، وغياب الشعور المستدام بالأمان، فضلًا عن الانقسامات السياسية والقومية داخل المجتمع المسيحي نفسه، والتي يرى أنها أسهمت في إضعاف قدرته على الدفاع عن حقوقه والتعبير عن مطالبه بصورة موحدة.
وفي هذا السياق، وجّه انتقادات إلى الخلافات بين القوى والأحزاب المسيحية، داعيًا إلى مراجعة برامجها وأساليب عملها، وتغليب المصالح المشتركة على الصراعات الضيقة، مع احترام الخصوصيات والهويات الكلدانية والآشورية والسريانية، باعتبار أن التنوع التاريخي والثقافي ينبغي أن يكون مصدر قوة، لا سببًا لمزيد من التشرذم.
كما شدد على ضرورة حماية استقلال المؤسسات الكنسية من التدخلات السياسية والحزبية، حتى تتمكن من أداء رسالتها الروحية والاجتماعية والإنسانية بعيدًا عن الاستقطابات التي تنعكس سلبًا على وحدة المجتمع المسيحي وثقته بمؤسساته.
ولم يغفل ساكو البعد الثقافي للأزمة، إذ انتقد تراجع الاهتمام بالقراءة والحوار الجاد، وانتشار الأحكام المتسرعة والسجالات القائمة على معلومات ناقصة أو اتهامات غير موثقة، معتبرًا أن إعادة بناء الوعي والنقد الموضوعي تمثل جزءًا أساسيًا من أي مشروع يستهدف حماية مستقبل المسيحيين.
وفي الجانب الاقتصادي، طرح البطريرك تصورًا يقوم على تشجيع رجال الأعمال والمستثمرين المسيحيين في الخارج على إقامة مشروعات صغيرة ومتوسطة داخل المناطق ذات الوجود المسيحي، خصوصًا في سهل نينوى والقرى والبلدات التاريخية، مع التركيز على الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة الدينية والثقافية والخدمات.
وتستهدف هذه المشروعات، بحسب رؤيته، معالجة أحد أهم دوافع الهجرة، وهو غياب فرص العمل والاستقرار الاقتصادي، خاصة بين الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة بين البطالة أو مغادرة البلاد.
وتبرز أهمية هذا التوجه في أن إعادة إعمار الكنائس والمنازل، رغم ضرورتها، لا تكفي وحدها لإعادة الحياة إلى المجتمعات التي تعرضت للتهجير، ما لم تتوافر فرص عمل ومؤسسات تعليمية وخدمات صحية ومقومات اقتصادية تتيح للعائلات بناء مستقبل مستقر.
وعلى المستوى السياسي، دعا ساكو إلى التفكير في تأسيس إطار مدني وديمقراطي يحترم التعددية، ويعمل على تعزيز المشاركة السياسية للمسيحيين والدفاع عن حقوقهم الدستورية والثقافية والوطنية، بعيدًا عن الانقسامات القومية والحزبية التي أضعفت حضورهم خلال السنوات الماضية.
ويعكس هذا الطرح إدراكًا بأن الحفاظ على الوجود المسيحي لا يمكن أن يتحقق بالمبادرات الاقتصادية وحدها، وإنما يتطلب أيضًا ضمانات قانونية ومؤسسات وطنية قادرة على حماية المواطنة المتساوية، ومنع التمييز، وصون الممتلكات والحريات الدينية، وتوفير بيئة آمنة تشجع المواطنين على الاستقرار.
وفي محاولة لنقل هذه الأفكار إلى حيز التنفيذ، اقترح ساكو عقد مؤتمر تشاوري يضم ممثلين عن المسيحيين العراقيين في الداخل والمهجر، إلى جانب شركائهم من مختلف مكونات المجتمع العراقي، لمناقشة التحديات ووضع برنامج مشترك يتضمن أولويات محددة ومسؤوليات واضحة وآليات لمتابعة النتائج.
ولا يريد ساكو لهذا اللقاء أن يتحول إلى مناسبة جديدة لإلقاء الكلمات وإصدار البيانات، بل أن يكون بداية لتعاون مؤسسي مستدام، تتوزع فيه الأدوار بين رجال الأعمال والأكاديميين والمثقفين والسياسيين والمؤسسات الكنسية والمدنية، وصولًا إلى مبادرات يمكن قياس نتائجها على أرض الواقع.
وتفتح دعوة البطريرك الكلداني الباب أمام تساؤل جوهري بشأن مستقبل المسيحيين العراقيين: هل تستطيع الجاليات التي نجحت في بناء حضور اقتصادي وعلمي مؤثر في أوروبا وأمريكا وأستراليا أن تسهم في إعادة الحياة إلى بلداتها الأصلية، أم أن الهجرة ستظل طريقًا باتجاه واحد، تنتهي معه الصلة بالوطن تدريجيًا عبر الأجيال؟
وتكشف تجربة العراق أن أزمة الوجود المسيحي لم تعد مجرد قضية دينية أو كنسية، وإنما أصبحت جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بمستقبل التنوع الثقافي والديني في البلاد. فالمسيحيون ليسوا جماعة وافدة أو طارئة على المجتمع العراقي، بل يمثلون امتدادًا تاريخيًا عميقًا لحضارات بلاد الرافدين، وأسهموا عبر القرون في الحياة العلمية والثقافية والاقتصادية والوطنية.
ومن ثم، فإن استمرار تراجع أعدادهم لا يعني فقط فقدان جماعة دينية لثقلها السكاني، بل خسارة العراق جانبًا من ذاكرته التاريخية وتعدديته الاجتماعية.
وتأتي رسالة ساكو لتؤكد أن إنقاذ هذا الوجود يتطلب الانتقال من خطاب الخوف على المستقبل إلى صناعة مستقبل يمكن العيش فيه، ومن الاكتفاء بالمطالبة بوقف الهجرة إلى معالجة الأسباب التي تدفع إليها.
فالرهان الحقيقي، كما تعكس دعوته، لا يقوم على مطالبة المسيحيين بالبقاء مهما كانت الظروف، بل على توفير الأسباب التي تجعل البقاء خيارًا ممكنًا وآمنًا وكريمًا.
وبينما تتواصل المخاوف من تحول بعض البلدات المسيحية التاريخية إلى مناطق تسكنها أعداد متناقصة من كبار السن، بعد رحيل أجيال الشباب، يضع ساكو النخب العراقية في الخارج أمام اختبار عملي لقدرتها على تحويل ارتباطها العاطفي بالوطن إلى استثمارات ومؤسسات وفرص عمل ومبادرات سياسية وثقافية.
فالقضية، في جوهرها، لم تعد مجرد الحفاظ على الكنائس والأديرة والمواقع التاريخية، وإنما الحفاظ على البشر الذين يمنحون هذه الأماكن حياتها ومعناها؛ إذ لا يكفي أن تبقى الكنائس قائمة إذا كانت القرى المحيطة بها تفقد سكانها، ولا يكفي أن تستمر الأجراس في الرنين إذا لم تعد هناك أجيال جديدة تسمعها وتتمسك بحقها في البقاء على أرض أجدادها.
دعا نخب المسيحيين العراقيين في المهجر إلى الانتقال من القلق فقط إلى خطوات عملية توقف الهجرة وتدعم بقاء الوجود المسيحي داخل العراق
طرح توظيف إمكانات المهاجرين وخبراتهم وعلاقاتهم الدولية عبر الاستثمار ونقل المعرفة وتأسيس شبكات تعاون مع المؤسسات المحلية إضافة إلى مشروعات صغيرة ومتوسطة داخل مناطق الوجود المسيحي
اقترح عقد مؤتمر تشاوري يضم ممثلين عن مسيحيي الداخل والمهجر مع شركائهم من مكونات المجتمع العراقي لوضع برنامج مشترك بأولويات واضحة وآليات متابعة


