في قراءة عميقة ومتفحصة لطبيعة التفاعلات الجيوسياسية الراهنة والمتحركة، نشر المركز العربي للبحوث والدراسات ورقة بحثية استراتيجية محكمة أعدها المفكر وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حبيب البدوي، تحت عنوان: “الحوثيون في شبكة الفاعلين الإقليميين ومحور المقاومة: الصراع الإيراني الإسرائيلي وتحولات الأمن في البحر الأحمر”. تأتي هذه الدراسة لتمثل إضافة نوعية للمكتبة السياسية الاستراتيجية، محددة بدقة طبيعة التغيرات العميقة التي شهدتها الساحة اليمنية والإقليمية حتى أكتوبر 2026.

تسلط الدراسة المنشورة على موقع المركز الضوء بشكل بالغ الأهمية على الأبعاد المعقدة لتمدد النفوذ الحوثي وارتباطه العضوي والوظيفي بالصراع الإقليمي الأوسع، مبيّنةً كيف نجحت الجماعة في تحويل الساحل اليمني وباب المندب إلى ساحة اختبار حقيقية لمرونة الشبكات المسلحة وأدوات الضغط غير المتكافئ، وهو ما فرض تحديات غير مسبوقة على استقرار الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية وسلامة الأمن القومي العربي بأسره.

تفكيك طبيعة الارتباط الإقليمي واستقلال القرار

تُظهر الدراسة بعمق تحليلي رفيع أن الاكتفاء بتوصيف الحوثيين لمجرد كونهم “ذراعًا إيرانية” بحتة يغفل تمامًا الجذور التاريخية والاجتماعية والسياسية العميقة للجماعة داخل الشمال اليمني، فضلًا عن إغفال سعيها الحثيث لانتزاع اعتراف سياسي محلي ومكاسب سلطوية تكرس حضورها في الخريطة الداخلية. وتنطلق الورقة من رصد دقيق لتطور البنية الحوثية منذ صراعات صعدة وصولًا إلى السيطرة على العاصمة صنعاء، مؤكدة أن الانتماء المذهبي وحده لا يفسر السلوك العسكري للجماعة.

وفي المقابل، تؤكد الورقة بوضوح أن علاقة الجماعة بإطارات إقليمية كبرى مثل “محور المقاومة” تقوم على أساس التقارب الاستراتيجي وتبادل الخبرات واللوجستيات والتنسيق العملياتي، دون أن ترقى هذه العلاقة إلى مستوى التبعية الآلية الصماء أو انعدام الإرادة؛ مشيرة إلى احتفاظ القيادة الحوثية بهامش واسع من المبادرة، وحسابات البقاء التنظيمي، والقدرة على مناورة حلفائها الإقليميين بما يخدم مصالحها الذاتية في الداخل اليمني.

باب المندب كرافعة نفوذ غير متكافئ

تتوقف الدراسة مطولًا عند التأثير الخطير والبالغ للمخاطر الناجمة عن استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب منذ أواخر عام 2023 وحتى التطورات المتسارعة في سبتمبر وأكتوبر 2026. وتوضح الورقة أن استراتيجية الحرب غير المتكفئة تعتمد بشكل أساسي على توظيف أدوات منخفضة التكلفة نسبيًا كالطائرات المسيرة والصواريخ، وهو ما يمكّن فاعلًا محليًا غير دولتي من فرض تكاليف اقتصادية وبحية باهظة على حركة التجارة العالمية، وارتفاع أقساط التأمين، واضطراب سلاسل التوريد العالمية.

وتبيّن الورقة أن هذا التفوق في التأثير يتيح للجماعة تجاوز مساحة سيطرتها الجغرافية الضيقة على الأرض، محوّلة الممر المائي الحساس إلى أداة إكراه ومساومة سياسية واسعة النطاق على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية. وقد أدى هذا الوضع إلى استنزاف مستمر لدفاعات الخصوم، وتغيير مسارات الشحن البحري، وتنامي الحاجة الملحة لتنسيق أمني دولي وعربي متعدد الأطراف لمواجهة هذه التهديدات المستدامة.

المقاربة المصرية السعودية وتكامل الأمن الإقليمي

في رصدها لردود الفعل الإقليمية والدولية الحازمة لمواجهة هذه المخاطر المترتبة على الأزمة، أبرزت الدراسة أهمية التنسيق المشترك والاستراتيجي بين مصر والسعودية. وقد استندت الورقة في ذلك إلى التحركات والوثائق الرسمية البارزة، المتمثلة في اجتماعات مجلس الدفاع الوطني المصري، ومبادرات الرياض المستمرة لتأسيس أطر تعاون بحري متعددة الأطراف تستهدف حماية المنشآت الحيوية وحرية الملاحة وامن باب المندب.

وتخلص الورقة في هذا السياق إلى أن المعالجات العسكرية والأمنية البحتة -وإن كانت ضرورية للغاية لاحتواء التهديدات الميدانية الفورية وحماية الممرات- إلا أنها تظل غير كافية بمفردها ما لم تقترن بتسوية سياسية يمنية شاملة وعادلة. فهذه التسوية يجب أن تعالج الاختلالات البنيوية العميقة للدولة، وتضمن بناء مؤسسات وطنية قابلة للحياد والحياة، وتمنع انزلاق المنطقة نحو موجات جديدة من المواجهات الأوسع والأكثر كلفة على شعوب المنطقة.

خلاصات الدراسة: أولويات العمل ومسارات الاستقرار

تؤكد نتائج الدراسة أن معالجة الأزمة الحوثية وتداعياتها تتطلب صياغة آليات عملية وواضحة لتبادل الإنذار البحري والمعلومات بين الدول المعنية بشأن تهديد السفن والبنى التحتية الحيوية، وذلك في إطار الالتزام التام بقواعد القانون الدولي. كما تشدد الورقة على ضرورة ربط أي دعم أمني موجه للحكومة اليمنية الشرعية بإصلاحات جذرية في هيكل القيادة والمساءلة، بما يضمن فاعلية المؤسسات ويعزز حماية المدنيين في مختلف المحافظات المتضررة كالحديدة وتعز.

وتشدد التوصيات الاستراتيجية للدراسة على أهمية وضع ترتيبات سياسية واقتصادية قابلة للقياس والتحقق، تتناول قضايا الرواتب، وإيرادات الموانئ، وحرية حركة السلع والأفراد، والتمثيل العادل للقوى الجنوبية والمحلية. وتخلص الورقة إلى مفارقة حاكمة مفادها أن نجاح الجهود الرامية لردع الهجمات غير المشروعة يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتجاهل جذور الصراع الداخلي، بل ينبغي أن يتكامل مع مسار سياسي شامل يضمن استدامة الأمن الإقليمي واستقرار الملاحة الدولية.

الأسئلة الشائعة

تحذر الدراسة من أن تمدد الحوثيين واستهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب يهددان استقرار الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية ويضاعفان الأعباء على الأمن القومي العربي

تؤكد الورقة أن العلاقة تقوم على التقارب الاستراتيجي وتبادل الخبرات واللوجستيات والتنسيق العملياتي، لكنها لا تصل إلى تبعية آلية كاملة أو انعدام الإرادة لدى القيادة الحوثية

ترى الدراسة أن المعالجات العسكرية والأمنية وحدها غير كافية، وأن المطلوب تسوية سياسية يمنية شاملة مع آليات لتبادل الإنذار البحري والمعلومات وإصلاحات في الدعم الأمني والحوكمة