لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على الإجابة عن الأسئلة وكتابة النصوص وتلخيص المعلومات، بل يتجه إلى مرحلة جديدة يمكنه فيها تنفيذ المهام نيابةً عن المستخدم، من خلال تصفح المواقع والتعامل مع التطبيقات وإجراء خطوات متتابعة لإنجاز أعمال قد تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين.

وتبرز في هذا المجال أدوات تُعرف باسم «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، التي تختلف عن روبوتات الدردشة التقليدية في قدرتها على الانتقال من تقديم الاقتراحات إلى تنفيذ إجراءات عملية، مثل البحث عن وظيفة، أو متابعة مواعيد الحجز، أو تنظيم قوائم الطعام والتسوق.

وتتنافس شركات التكنولوجيا على تطوير هذه الأدوات، مع ظهور تطبيقات ومساعدين رقميين قادرين على التعامل مع المتصفحات والخدمات الإلكترونية، لكن مدى نجاحها يختلف باختلاف المهمة، والصلاحيات المتاحة، ومدى استقرار الأدوات التي تستخدمها.

وفي تجربة عملية استمرت أسبوعين، اختُبرت أداتان هما «ميوز» و«دوتس» في مجموعة من المهمات اليومية، بدءًا من محاولة حجز طاولة في مطعم محدود المقاعد، وصولًا إلى البحث عن وظائف ومقارنة أسعار إطارات السيارات، وكشفت التجربة عن فرص واعدة لتوفير الوقت، إلى جانب بعض القيود التي لا تزال تواجه هذه التقنيات.

ما وكلاء الذكاء الاصطناعي وكيف يعملون؟

تتمثل الفكرة الأساسية لوكلاء الذكاء الاصطناعي في منح المستخدم أداة رقمية تستطيع تنفيذ سلسلة من الخطوات لتحقيق هدف محدد، بدلًا من الاكتفاء بإرشاده إلى ما ينبغي فعله.

فعلى سبيل المثال، يستطيع المستخدم أن يطلب من وكيل ذكي البحث عن وظائف جديدة وفق شروط معينة، ثم مراجعة الإعلانات واختيار المناسب منها وإعداد ردود مخصصة. وقد يتمكن الوكيل، بحسب إمكاناته وصلاحياته، من إرسال الردود أو تعبئة النماذج نيابةً عن المستخدم.

ويختلف ذلك عن روبوتات الدردشة التقليدية التي تقدم عادةً النصائح والمعلومات، لكنها لا تنفذ بالضرورة الإجراءات المطلوبة على المواقع والتطبيقات.

ورغم أن شركات التكنولوجيا حاولت منذ سنوات تطوير مساعدين افتراضيين لإنجاز بعض المهام، فإن التطورات الحديثة في نماذج الذكاء الاصطناعي وأدوات التصفح وتنفيذ الأوامر أعادت إحياء الفكرة بصورة أكثر مرونة.

ومع ذلك، لا تعني هذه القدرات أن الوكلاء قادرون على تنفيذ كل مهمة بنجاح أو العمل دون إشراف؛ إذ قد تواجههم أعطال في المتصفح، أو قيود في الوصول إلى بعض المواقع، أو متطلبات تحقق لا يستطيعون تجاوزها.

كيف تبدأ استخدام وكيل ذكي؟

قبل تكليف أي وكيل بمهام فعلية، يحتاج المستخدم إلى تحديد الهدف المطلوب بوضوح، وتزويده بالمعلومات الضرورية، ثم اختيار التطبيقات التي يُسمح له بالوصول إليها.

وتختلف طريقة الإعداد والتكلفة والصلاحيات من خدمة إلى أخرى. كما أن بعض الميزات قد تكون متاحة ضمن اشتراكات مدفوعة، في حين توفر خدمات أخرى إمكانات مجانية أو محدودة.

ومن الضروري التحقق من اسم الخدمة ومطوّرها وسعرها الحالي قبل الاشتراك، لأن أسماء المنتجات وباقات الاستخدام وقدراتها قد تتغير بمرور الوقت.

وتوصي التجربة كذلك بعدم منح المساعد صلاحيات واسعة دون حاجة، واستخدام حسابات منفصلة للمهام التي تتضمن التسوق أو التعامل مع بيانات شخصية، متى كان ذلك ممكنًا.

5 مهمات يومية

1. حجز المطاعم التي يصعب العثور فيها على طاولة

قد يبدو حجز طاولة في مطعم مهمة بسيطة، لكنه يتحول إلى تحدٍّ عندما يكون المطعم محدود المقاعد وتُحجز مواعيده بسرعة.

وتناولت التجربة مطعم «صن مون استوديو» في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، الذي يضم 12 مقعدًا فقط، وفقًا للمادة الأصلية. وكانت محاولات الحجز السابقة تصطدم بنفاد المواعيد المتاحة.

وللتغلب على المشكلة، طُلب من «ميوز» و«دوتس» متابعة المواعيد وحجز أي طاولة تصبح متاحة. ولم تنجح المحاولات الأولى، لكن «دوتس» تمكن لاحقًا من الوصول إلى شاشة تأكيد حجز لطاولة في أواخر نوفمبر.

وتوضح هذه التجربة كيف يمكن للوكلاء مساعدة المستخدم في متابعة المواعيد المحدودة، بدلًا من إعادة البحث يدويًا بصورة متكررة.

ويمكن تطبيق الفكرة نفسها على حجوزات الفعاليات أو تذاكر الحفلات أو المنتجات التي تُطرح بكميات محدودة، شريطة أن تسمح الخدمة بذلك، وأن يكون استخدام الأدوات متوافقًا مع شروط الموقع وسياسات الحجز.

2. إعداد خطة تمارين عند الوصول إلى النادي الرياضي

تحتاج بعض الأنشطة اليومية إلى تخطيط متكرر، مثل إعداد برنامج التمارين قبل الذهاب إلى النادي الرياضي. وفي التجربة، طُلب من الوكلاء إرسال خطة تدريب عند الوصول إلى نادٍ مخصص لتسلق الصخور.

لم يتمكن «دوتس» من تنفيذ المهمة بسبب عدم قدرته على تشغيل إجراء مرتبط بالموقع الجغرافي الفعلي للمستخدم، بينما نجح «ميوز» في إرسال خطة التمارين عند دخول النادي.

وتكشف النتيجة عن فارق مهم بين الأدوات؛ فنجاح الوكيل في مهمة معينة لا يعني امتلاكه الإمكانات نفسها التي توفرها أداة أخرى.

ويمكن الاستفادة من الفكرة في إعداد قائمة بالمهمات المطلوبة عند الوصول إلى مقر العمل، أو تجهيز قائمة تسوق عند دخول متجر، أو إرسال تذكيرات مرتبطة بجدول اليوم.

لكن هذه الإمكانات تعتمد على توافر صلاحيات الموقع الجغرافي أو وسائل أخرى لتحديد الوقت والمكان، وعلى إعداد الخدمة بصورة صحيحة.

3. تسريع البحث عن الوظائف والتواصل مع أصحاب الإعلانات

يُعد البحث عن وظيفة من أكثر المهام استهلاكًا للوقت، خاصة عندما يحتاج المتقدم إلى مراجعة عشرات الإعلانات وتعديل رسالته لتناسب كل فرصة.

وفي التجربة، استُخدم الوكلاء للمساعدة في البحث عن فرص عمل لمربية أطفال سابقة، من خلال متابعة إعلانات منشورة على موقع يربط بين الأسر ومقدمي الرعاية، وإعداد ردود تناسب الإعلانات الملائمة.

واجه «دوتس» صعوبات متكررة بسبب أعطال في متصفح الويب، بينما تمكن «ميوز» من الرد على ثمانية إعلانات خلال فترة انشغال المستخدم بمهمة أخرى. وأسفرت العملية، بحسب رواية التجربة، عن تلقي ردين من عائلتين أبدتا رغبتهما في إجراء مقابلة.

وتوضح هذه النتيجة إمكانية استخدام الوكلاء في تقليل الأعمال المتكررة المرتبطة بالبحث عن الوظائف، مثل فرز الإعلانات وإعداد الرسائل الأولية.

لكن من الأفضل مراجعة كل طلب قبل إرساله، والتأكد من صحة البيانات ومدى ملاءمة الوظيفة، وعدم السماح للوكيل بإرسال معلومات شخصية أو تقديم التزامات نيابةً عن المستخدم دون موافقته.

4. التخطيط للوجبات اليومية والأسبوعية

يمثل إعداد وجبات الأسرة مهمة متكررة تتطلب مراعاة تفضيلات أفرادها، والمكونات المتاحة في المنزل، والوقت اللازم للطهي.

وفي التجربة، زُوّد «ميوز» و«دوتس» بمعلومات عن الأطعمة التي تفضلها طفلة في وجبات المدرسة، والأطباق التي يفضل المستخدم إعدادها للعشاء، إلى جانب قائمة بالمكونات الموجودة في الثلاجة.

وطُلب من الأداتين إرسال اقتراحات يومية في الساعة السابعة صباحًا، تتضمن وجبة الغداء المدرسية ووجبة العشاء للأسرة.

اقترح «ميوز» في أحد الأيام شطائر الجبن المشوي مع الفراولة لغداء الطفلة، ويخنة اللحم للعشاء. أما «دوتس»، فاقترح معكرونة بالزبدة وقطع الدجاج للغداء، وقدم اقتراحًا مشابهًا لوجبة العشاء.

وتوضح التجربة كيف يمكن للمساعد الذكي تنظيم الأفكار اليومية وتقديم اقتراحات تتناسب مع تفضيلات الأسرة والمكونات المتاحة، بما يقلل الوقت الذي يقضيه المستخدم في التفكير في الوجبات.

ويمكن تطوير المهمة بإضافة ميزانية أسبوعية، أو تحديد عدد الوجبات، أو مراعاة الحساسية الغذائية والقيود الغذائية التي يحددها المستخدم، مع ضرورة مراجعة المقترحات والتأكد من ملاءمتها لاحتياجات أفراد الأسرة.

5. مقارنة الأسعار والتفاوض للحصول على عرض أفضل

قد يستغرق البحث عن منتج مناسب بأفضل سعر وقتًا طويلًا، خاصة عندما يحتاج المستخدم إلى مقارنة عروض المتاجر والتواصل مع البائعين.

وفي التجربة، طُلب من «ميوز» و«دوتس» البحث عن إطارات سيارات جديدة، ومقارنة الخيارات المتاحة، ثم التواصل مع متجر قريب لطلب مطابقة أقل سعر عُثر عليه عبر الإنترنت.

وبحسب المادة الأصلية، تمكنت الأداتان من العثور على عرض لإطارات «ميشلان» يقل بنحو 80 دولارًا عن السعر الذي عرضه المتجر، ثم تعبئتا نموذجًا إلكترونيًا لطلب مطابقة السعر. وتلقى المستخدم لاحقًا رسالتين عبر البريد الإلكتروني تفيدان بموافقة المتجر على الطلب.

وتشير التجربة إلى إمكانية استخدام الوكلاء في مقارنة الأسعار وتجميع العروض والتواصل الأولي مع المتاجر، بدلًا من تنفيذ كل خطوة يدويًا.

ومع ذلك، ينبغي التأكد من تطابق مواصفات المنتج، وتكاليف الشحن والتركيب والضرائب، وشروط العرض قبل اتخاذ قرار الشراء. كما يُفضّل عدم السماح للوكيل بإتمام الدفع أو قبول شروط ملزمة دون موافقة صريحة من المستخدم.

الخصوصية وحدود الاعتماد على الوكلاء

رغم ما توفره هذه الأدوات من وقت وجهد، فإن منحها صلاحية الوصول إلى البريد الإلكتروني أو بيانات التسوق أو الحسابات الشخصية يفرض ضرورة التعامل معها بحذر.

فكلما زادت الصلاحيات الممنوحة للوكيل، اتسع نطاق المهام التي يمكنه تنفيذها، لكن ذلك قد يزيد أيضًا من المخاطر المرتبطة بكشف البيانات أو تنفيذ إجراء غير مقصود.

ولذلك، من الأفضل استخدام أقل قدر ضروري من الصلاحيات، وتخصيص حساب منفصل للمهام التي لا تحتاج إلى البيانات الشخصية الأساسية، ومراجعة إعدادات الخصوصية وسياسات الاحتفاظ بالمعلومات لدى مزود الخدمة.

كذلك، لا ينبغي افتراض أن الوكيل سينفذ المهمة بنجاح لمجرد تلقيه التعليمات؛ فقد يتعطل المتصفح، أو تتغير واجهة الموقع، أو تتطلب العملية تحققًا إضافيًا، أو يختار الوكيل خيارًا غير مناسب.

من المساعد الرقمي إلى التنفيذ الفعلي

توضح التجارب الخمس أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يصبحون أدوات مفيدة في التعامل مع الأعمال الروتينية والمتكررة، من تنظيم الوجبات إلى متابعة الحجوزات ومقارنة الأسعار والبحث عن الوظائف.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات لا تُقاس بعدد المهمات التي تستطيع بدءها، وإنما بقدرتها على إكمالها بصورة صحيحة، مع الحفاظ على خصوصية المستخدم وإتاحة التحكم له في القرارات المهمة.

ومع استمرار تطور هذه التقنيات، قد يصبح تفويض بعض المهام اليومية أمرًا أكثر شيوعًا، لكن الإشراف البشري سيظل ضروريًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأموال أو البيانات الشخصية أو الالتزامات المهنية.

فالوكيل الذكي يمكن أن يختصر الطريق، لكنه لا يلغي الحاجة إلى التحقق من النتيجة قبل اعتمادها.

الأسئلة الشائعة

هي أدوات رقمية تستطيع تنفيذ سلسلة من الخطوات لتحقيق هدف محدد نيابةً عن المستخدم مثل البحث عن وظيفة أو متابعة الحجوزات أو تنظيم التسوق بدل الاكتفاء بتقديم النصائح

نجحت الأدوات في حجز طاولة بمطعم محدود المقاعد لدى إحدى المحاولات وفي الرد على إعلانات وظائف وفي اقتراح وجبات يومية ومقارنة أسعار إطارات سيارات وطلب مطابقة سعر

قد تواجههم أعطال في المتصفح أو قيود في الوصول إلى بعض المواقع أو متطلبات تحقق لا يستطيعون تجاوزها كما تختلف قدراتهم بحسب الصلاحيات والإعداد والخدمة المستخدمة