كان المصريون قديمًا يصنعون القِربة من جلد الماعز، لحفظ الماء أو خضّ اللبن واستخراج الزبدة. وقبل استعمالها، كانوا ينفخون فيها لاختبار سلامة الجلد وإحكام الخياطة؛ فإذا تسرّب الهواء، بحثوا عن موضع القطع وأصلحوه. ومن هذه الصورة نفهم المثل الشعبي: «النفخ في قِربة مقطوعة»؛ جهد يتبدد لأن الوعاء لا يحتفظ بما نضعه فيه.
وبعد إصلاح القِربة والتأكد من سلامتها ونظافتها، كانوا يملؤونها باللبن، ثم يبدأون خضّه حتى يستخرجوا الزبدة. وكذلك بناء الإنسان؛ نملأ العقول بالمعرفة والوعي والثقافة، بعد تنقيتها من التضليل والمفاهيم المغلوطة، ثم يأتي دور التربية والممارسة والعمل، فتتحول المعرفة إلى سلوك، والانتماء إلى عطاء، ونستخلص ثمرة الجهد في إنسان واعٍ يسهم في بناء وطنه.
بين معرفة التاريخ وإدراك الحاضر.
واستحضرت هذه الصورة خلال منتدى مصر ٢٢٠٢٦، وأنا أتابع عرضًا لتاريخ مصر ومكانتها في مسيرة الأنبياء والحضارات، وإسهامات علمائها ومفكريها. وسألت نفسي: كم يعرف أبناؤنا عن هذا التاريخ؟ وكيف نترك بينهم وبين بلدهم هذه المسافة، ثم ننتظر منهم اعتزازًا راسخًا به وانتماءً يحميهم من محاولات اقتلاعهم منه؟
ثم جاء استعراض السيد رئيس مجلس الوزراء للإنجازات، التي دفعته كثرتها وضيق الوقت إلى المرور عليها سريعًا، بعناوين موجزة دون إسهاب. وأزعم أنني، رغم اهتمامي بالشأن العام، أدركت للمرة الأولى بهذا الوضوح حجم ما تحقق وتنوعه خلال الفترة التي تناولها عرضه. فعاد السؤال يلحّ عليّ: كم يعرف المصريون، بمختلف انتماءاتهم الثقافية والسياسية، تفاصيل هذا الإنجاز وحجمه، وكيف تحقق، وما واجهه من تحديات؟ وكيف ظل جانب من هذه الصورة بعيدًا عن إدراك الناس، ولم يتمكن الإعلام من تقديمها بالوضوح والترابط اللذين سمعناهما في عرض رئيس الوزراء؟
وهنا التقت أمامي المسافتان: مسافة تفصل أبناءنا عن معرفة تاريخهم، وأخرى تفصل الناس عن إدراك ما يتحقق في حاضرهم. وكلتاهما تستدعي عملًا إعلاميًا وثقافيًا مستمرًا، يصل الماضي بالحاضر، ويمنح المواطن معرفة يستطيع بها أن يفهم ويقيّم ويشارك في صناعة المستقبل.
تنظيم تتعدد مساراته.
وبحكم متابعتي لملف جماعة الإخوان على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، أرى أن معركة الوعي المصري كانت تشبه محاولة ملء قِربة تتعرض لثقوب متعمدة في مواضع كثيرة. فالتنظيم امتد عبر محاور سياسية ودعوية واقتصادية وجماهيرية، وشمل نشاطه البر والخدمات الاجتماعية والنقابات المهنية والعلاقات الخارجية والدولية؛ مسارات تتكامل داخل هيكله لخدمة مشروعه وتوسيع نفوذه.
ومنذ تأسيس الجماعة عام 1928، سعت، ولا تزال تسعى، في تقديري، إلى بناء منظومة موازية للدولة، يمكن وصفها بأنها «حكومة ظل». والخطر يكمن في إخضاع هذه الأنشطة لمصلحة التنظيم، التي قد تتلاقى مع مصالح قوى تناصب مصر والدول العربية العداء؛ فتتحول الخدمة إلى وسيلة للاستقطاب، والدعوة إلى مدخل للولاء، والعمل النقابي والسياسي إلى أدوات للتمكين.
الأبواب التي أتاحت التمدد.
وقد أتاحت الحقب الجمهوريه المتعاقبة توسيع هذا النفوذ؛ بدعوي الاحتواء تاره والترويض تاره والتعايش تاره اخري فنجد في بدايه ثوره يوليو تم حل جميع الاحراب الوطنيه عدا الاخوان والإفراج عن قياداتها وإتاحة نشاطها في عهد الرئيس السادات ضمن حسابات موازنة الناصريين واليساريين، ثم اتساع حركتها داخل الجامعات والسماح لهم بخوص كافه الانتخابات النقابيه والبرلمانيه.
وهنا تبرز مسؤولية السياسات التي فتحت الأبواب، وحسابات مَن تصوروا إمكان استخدام التنظيم ثم احتواء طموحه. وهذه السياساتلا تعفي الجماعة من تبعات مشروعها؛ بل توضح ظروف تمددها، وتفتح باب البحث في استثمار قوى خارجية لشبكاتها، مع توثيق الوقائع والصلات حيث توجد.
«القاطرة» وقرار الحركة والتوقف.
ولعل محضر اجتماع تنظيمي قدّمته للمحكمة، عُقد قبل الثلاثين من يونيو بنحو أسبوع، يكشف تصور قيادة الجماعة وقناعاتها واستشعارها قدرتها على فرض نفوذها. فقد تضمّن قولًا لمحمد بديع، مؤداه أن الإخوان بالنسبة إلى الشعب المصري كالقاطرة: إذا أسرعت الجماعة أسرع الشعب، وإذا أبطأت أبطأ، وإذا انحرفت انحرف. فهذا التصور عبّرت عنه القيادة نفسها، ولم يكن مجرد قراءة تحليلية مني؛ تنظيم يرى نفسه صاحب الحركة والاتجاه، ويرى الشعب تابعًا لمساره.
ويجد ذلك مثالًا، بحسب ما شهدتُ به في قضية التخابر، في موقف القيادة أثناء أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، عام 2006؛ إذ صدرت توجيهات من المرشد محمد مهدي عاكف بعدم خروج تظاهرات إخوانية احتجاجًا عليها، تجنبًا لإغضاب الاتحاد الأوروبي. ولم تخرج، وفق متابعتي خلال الفترة المقصودة، مظاهرة إخوانية تندد بها. وفي قراءتي، حمل الموقف رسالة بأن التنظيم يستطيع حشد أعضائه وأنصاره، ويستطيع أيضًا منعهم من التحرك وفق حساباته، حتى في قضية دينية شديدة الحساسية.
ثقوب في الوعي والانتماء.
ومن واقع متابعتي، أحمّل الجماعة مسؤولية محورية وممتدة عن إعاقة مسيرة الدولة عبر الحقب الجمهورية المتعاقبة؛ من تشويه الشخصيات الوطنية واغتيالها معنويًا، وما ارتبط بتاريخها من اغتيالات مادية وعنف، إلى مزاحمة القوى الوطنية، واختراق المؤسسات، وتوظيف التعليم والعمل الطلابي والنقابي والخدمي في إعادة تشكيل الولاءات لمصلحة التنظيم.
كما أسهم خطابها، في تقديري، في تقديم تاريخ انتقائي يُعلي شأن الجماعة، ويشوّه ما يعارض مشروعها، ويزاحم الانتماء للوطن بالولاء للتنظيم. وهكذا تعددت الثقوب في معرفة المصري بتاريخه، وفهمه لدينه، وثقته بمؤسساته. وتظل مواجهة ذلك مطالبةً بالتمييز بين النقد والمطالبة المشروعة، وبين التضليل والتعطيل المتعمد؛ حتى تقوم على الوقائع وتكسب ثقة الناس.
من عرقلة الإنجاز إلى تشويه صورته.
وجاءت الثلاثون من يونيو لتكون لحظة التحول نحو إصلاح القِربة. والحمد لله أن مكّن الرئيس عبد الفتاح السيسي، مستندًا إلى شعبه ومؤسسات دولته، من قيادة مواجهة هذا المشروع وحماية الوطن.
وأرى أن تقليص قدرة التنظيم على التدخل والتعطيل أتاح مساحة أوسع للعمل، وأن ما تحقق منذ عام 2014 من إنجازات يستحق أن يُقرأ أيضًا في ضوء تراجع هذا العائق، إلى جانب الرؤية والإرادة وجهد مؤسسات الدولة المصرية. غير أن تراجع قدرته على عرقلة الإنجاز لم يُنهِ محاولاته التأثير في وعي الناس؛ إذ أرى أنه واصل، عبر منصاته وأدواته الإعلامية، تضخيم كل ما هو سلبي، وإهالة التراب على كل ما هو إيجابي. فما عجز عن منع تحققه، سعى إلى تشويه صورته وحجب قيمته عن الناس؛ لتظل المسافة قائمة بين ما يتحقق على الأرض وما يدركه المواطن عنه.
استكمال الإصلاح وبناء الوعي.
ومن هنا أرى أن إصلاح القِربة لا يكتمل إلا باختبار سلامتها، ومعالجة آثار الثقوب والسياسات التي أتاحت حدوثها. ثم بعد إصلاحها، نملأها علمًا ووعيًا وثقافةً ودينًا وانتماءً، ونتعهد ما نغرسه بالتربية والممارسة والعمل؛ حتى تكون ثمرة جهدنا إنسانًا واعيًا ووطنًا أكثر تماسكًا واقتدارًا، تتسلم الأجيال القادمة أمانته، وتنطلق في بنائه من حيث انتهينا.
وعلينا أن نساند القيادة السياسية في استكمال إصلاح القِربة، حتى تسلّمها إلى من يحمل الأمانة بعدها سليمة، ليستكمل البناء دون أن تستنزفه معالجة الثقوب القديمة. ولنجعل عام 2030 محطة وطنية نرى فيها ثمرة هذا التكامل: معرفةً تتحول إلى سلوك ومسؤولية، ومواطنًا يشارك في حماية وطنه وبنائه.
يربط المقال بين إصلاح القِربة كصورة رمزية وبين ضرورة ملء العقول بالمعرفة والوعي والثقافة والانتماء بعد تنقيتها من التضليل
يصفها بأنها تشبه قِربة تتعرض لثقوب متعمدة بسبب تمدد جماعة الإخوان عبر مسارات سياسية ودعوية واقتصادية وجماهيرية أثرت على الوعي والانتماء
يعتبرها لحظة التحول نحو إصلاح القِربة وتقليص قدرة التنظيم على التدخل والتعطيل بما أتاح مساحة أوسع للعمل والإنجاز


