بعد سنوات من الحرب، تواجه إسرائيل انتخابات برلمانية مفصلية قد تضع حدًا لهيمنة بنيامين نتنياهو الطويلة أو تمدد بقاءه السياسي. ومع ذلك، يطرح هذا التنافس تساؤلات تتجاوز بكثير هوية رئيس الوزراء القادم؛ إذ تتعلق بمستقبل قطاع غزة، والحقوق الفلسطينية، والأمن الإقليمي، والعلاقات مع مصر، وحدود التغيير السياسي داخل إسرائيل.
توجه الإسرائيليون اليوم الـ 27 أكتوبر، إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات برلمانية منذ الهجمات التي قادتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من حروب مدمرة ومواجهات إقليمية. سيختار الناخبون أعضاء الكنيست السادس والعشرين، البالغ عددهم 120 عضوًا، وهو ما قد ينهي ولاية الحكومة السابعة والثلاثين التي يرأسها نتنياهو.
هذا التصويت قد لا تحدد فقط مستقبل رئيس الوزراء، بل أيضًا المسار السياسي لدولة شهدت تحولات عميقة بفعل الحرب، والانقسامات الداخلية، وتزايد التدقيق الدولي.
بالنسبة للإسرائيليين، تمثل هذه الانتخابات خيارًا يتعلق بالقيادة، والأمن، والمساءلة، وطابع الدولة. أما بالنسبة للفلسطينيين والمصريين والعالم العربي بأسره، فإن أهميتها تكمن في تأثيرها على مستقبل غزة والضفة الغربية المحتلة، وآفاق الدبلوماسية، ومخاطر حدوث مزيد من التصعيد الإقليمي.
في قلب هذا الصراع تبرز شخصيتان تمثل خلفيتاهما نهجين متناقضين في القيادة السياسية: بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول بقاءً في منصبه في تاريخ إسرائيل والذي يتمتع بخبرة استثنائية في العمل السياسي الانتخابي، وغادي آيزنكوت، القائد العسكري السابق الذي يطرح نفسه كبديل موثوق قادر على استعادة ثقة الجمهور.
لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين هزيمة نتنياهو انتخابيًا وإزاحته فعليًا عن السلطة؛ فنظرًا لطبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي القائم على التشرذم، يتطلب الأمر الثاني خطوة أكثر تعقيدًا، وهي تشكيل ائتلاف حكومي متماسك وقابل للاستمرار.
استطلاعات الرأي
تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أيًا من المعسكرين الرئيسيين لا يضمن الحصول على أغلبية برلمانية. وعليه، قد تفضي الانتخابات إلى تغيير الحكومة، أو إلى استمرار الجمود السياسي، أو إلى جولة أخرى من المفاوضات الائتلافية التي قد تبقي نتنياهو في منصبه بشكل مؤقت.
كما أشار مجلس العلاقات الخارجية في تحليله للانتخابات الصادر في 22 أكتوبر، فإن هذا السباق الانتخابي يحمل أهمية بالغة؛ ليس فقط بسبب هوية الفائز المحتمل، بل أيضًا بسبب قضايا السياسة الداخلية والخارجية التي ستكون بانتظار الحكومة المقبلة.
بقاء نتنياهو السياسي: من إخفاق 7 أكتوبر إلى انتخابات تتمحور حول الأمن
يخوض نتنياهو هذه الانتخابات وهو يحمل في جعبته واحدًا من أكثر السجلات السياسية تعقيدًا طوال مسيرته المهنية.
لقد أدت هجمات 7 أكتوبر -التي كشفت عن ثغرات عميقة في المنظومة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية- إلى إلحاق ضرر بالغ بصورته كحارس لا غنى عنه للأمن القومي. كما أن الحرب التي تلت ذلك في غزة، والقتال مع حزب الله في لبنان، والمواجهة مع إيران؛ قد أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية لإسرائيل، في الوقت الذي تصاعد فيه الجدل حول القرارات التي اتخذتها الحكومة.
يرى خصومه أن رئيس الوزراء يتحمل المسؤولية السياسية عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجمات، وأنه آثر منذ ذلك الحين الحفاظ على بقائه السياسي على حساب تحقيق المصالحة الوطنية.
في المقابل، يطرح نتنياهو وأنصاره رواية مختلفة؛ إذ يركزون على الحملات العسكرية التي تشنها إسرائيل ضد خصومها، وأهمية الحفاظ على قوة الردع، والمخاطر المترتبة على استبدال قيادة ذات خبرة في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
في تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في 24 أكتوبر حول محاولات نتنياهو إعادة تقديم نفسه سياسيًا، طُرح سؤال محوري: هل سيحكم الناخبون عليه بناءً على الكارثة التي وقعت في عهده، أم بناءً على الصورة التي يحاول رسمها لنفسه كقائد قادر على مواجهة أعداء إسرائيل؟
تكمن أهمية هذا التمييز في أن نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى استعادة شعبيته الواسعة ليظل لاعبًا مؤثرًا في المشهد السياسي؛ فكل ما يحتاجه هو الحفاظ على قاعدته الانتخابية الصلبة، وضمان ولاء شركائه في الائتلاف، ومنع المعارضة من تشكيل أغلبية بديلة.
في تقرير لصحيفة “إل باييس” الإسبانية بتاريخ 23 أكتوبر، أُشير إلى أن نتنياهو جعل من ملف إيران والتهديدات الإقليمية ومعارضة التعاون السياسي مع الأحزاب العربية محورًا لحملته الانتخابية في مراحلها الأخيرة.
كما تشير الصحيفة إلى أن وضع حزب “الليكود” في استطلاعات الرأي يبدو أضعف بكثير مما كان عليه في الانتخابات السابقة (حيث حصل حينها على 32 مقعدًا)، ومع ذلك، لا يزال رئيس الوزراء يمتلك مسارًا ممكنًا للبقاء سياسيًا.

غادي آيزنكوت: الجنرال الذي يسعى ليصبح رئيسًا للوزراء
يُمثّل آيزنكوت ربما التحدي الأكبر لنتنياهو؛ كونه ليس شخصيةً من خارج المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. قضى غادي آيزنكوت، الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، عقودًا داخل المؤسسة العسكرية قبل دخوله معترك السياسة الوطنية. وتجمع هويته السياسية بين خلفية أمنية واسعة، وبرنامج انتخابي يركز على المسؤولية، والاستقرار المؤسسي، والوحدة الوطنية.
كما تبرز تجربته الشخصية خلال حرب غزة كعنصر يميزه عن غيره. فقد قُتل ابنه، غال آيزنكوت، أثناء خدمته في الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة في ديسمبر 2023. وفي ذلك الوقت، كان آيزنكوت يشارك في صنع القرارات الحكومية المتعلقة بالحرب بصفته عضوًا في “مجلس الحرب” (حكومة الطوارئ).
تُعد هذه التجربة جزءًا من هويته العامة، وإن كان ينبغي عدم الخلط بين المأساة الشخصية وبين ما قد يُعتبر دليلًا على حكمة سياسية فائقة.
في مقابلة أجراها في أكتوبر مع صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، شدد آيزنكوت على أهمية المساءلة وضرورة تبني نهج مختلف في الحكم. وطرح مقترحات شملت: التصدي لعنف المتطرفين اليهود، وتغيير طبيعة العلاقات مع السلطة الفلسطينية، ومراجعة تشريعات مثيرة للجدل، وتوسيع نطاق الخدمة الوطنية، والسعي نحو إبرام اتفاقيات دبلوماسية إقليمية بمشاركة أمريكية.
يستند جاذبية آيزنكوت لدى الناخبين إلى حجة استراتيجية مفادها: أن بإمكان إسرائيل الحفاظ على جيش قوي وسياسات أمنية صارمة دون التمسك بنموذج بنيامين نتنياهو في الحكم. وقد تجد هذه الرسالة صدىً لدى الناخبين الذين لا يثقون بالحكومة الحالية، لكنهم في الوقت ذاته لا يزالون ينظرون بريبة إلى النهج التقليدي لليسار فيما يتعلق بالقضايا الأمنية.
نتنياهو مقابل آيزنكوت: نموذجان سياسيان مختلفان
ينتمي كلا الرجلين إلى التيار السياسي الرئيسي في إسرائيل، الذي يركز في جوهره على القضايا الأمنية. ولا يعني انتقاد آيزنكوت لنتنياهو بالضرورة تأييدًا لسيادة فلسطينية، أو تغييرًا جذريًا في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية. وبناءً عليه، فإن الحجة الأكثر وجاهة لدعم ترشح آيزنكوت تتعلق بأسلوب الإدارة السياسية والمساءلة القيادية، وليس بحدوث تحول أيديولوجي شامل.
يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة بالنسبة للجمهور العربي؛ إذ قد يُنظر -بشكل مفهوم- إلى هزيمة نتنياهو كأمر مرغوب فيه من قِبل أولئك الذين يعارضون سياسات حكومته. أما ما إذا كانت إدارة يقودها آيزنكوت ستفضي إلى نتائج مختلفة جوهريًا بالنسبة للفلسطينيين، فهذه مسألة أخرى.
هل يستطيع آيزنكوت فعلًا هزيمة نتنياهو؟
تشير استطلاعات الرأي إلى أن آيزنكوت قادر على التفوق على حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو، وربما قيادة الكتلة البرلمانية الأكبر. ومع ذلك، تظل معركة تشكيل الحكومة أكثر تعقيدًا بكثير.
تعتمد إسرائيل نظام التمثيل النسبي على مستوى البلاد، حيث يتعين على الأحزاب الحصول على ما لا يقل عن 3.25% من الأصوات لدخول الكنيست. وعادةً ما تعتمد الحكومات على ائتلافات قادرة على تأمين ما لا يقل عن 61 مقعدًا برلمانيًا.
تسلط استطلاعات الرأي التلفزيونية الأخيرة، التي نُشرت في 23 أكتوبر -وفقًا لما أوردته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”- الضوء على حالة عدم اليقين هذه. يتطلب الحصول على أغلبية برلمانية 61 مقعدًا، ولا يصل أي من التكتلين الرئيسيين إلى هذا الحد بمفرده. وتُظهر هذه التوقعات أن ليلة الانتخابات قد تكون مجرد بداية لمعركة سياسية.
وحتى لو جاء حزب آيزنكوت في المرتبة الأولى، فإنه سيحتاج إلى تعاون بين أحزاب تتبنى مواقف متباينة بشأن الدين، والخدمة العسكرية، والسياسة الاقتصادية، والقضية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، قد يظل نتنياهو يتمتع بنفوذ إذا لم يتمكن خصومه من الاتفاق على تشكيل حكومة بديلة.
هناك عدة سيناريوهات محتملة: تشكيل ائتلاف بقيادة آيزنكوت يحظى بدعم برلماني كافٍ؛ أو نجاح نتنياهو في حشد أغلبية غير متوقعة؛ أو تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم خارجي؛ أو استمرار الجمود السياسي لفترة طويلة، مما قد يؤدي في النهاية إلى إجراء انتخابات أخرى.
إن السؤال الجوهري لا يقتصر على من يحصل على أكبر عدد من الأصوات، بل يكمن في أي من القادة يستطيع إقناع عدد كافٍ من الممثلين المنتخبين بدعم تشكيل حكومة.
تقود هذه الحسابات مباشرة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية من الناحية السياسية في هذه الحملة الانتخابية: دور المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل: هل يمكن لأصواتهم حسم الانتخابات؟
قد يلعب المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل -الذين يشكلون نحو 21% من سكان البلاد- دورًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان نتنياهو سيحتفظ بالسلطة أم لا.
لا تقتصر أهميتهم على الجانب الديموغرافي فحسب؛ ففي ظل النظام الانتخابي الإسرائيلي، يمكن أن تؤدي التغيرات في نسب المشاركة في التصويت إلى تغيير في عدد المقاعد البرلمانية، مما قد يغير بشكل جوهري موازين القوى بين التكتلات السياسية المتنافسة.
ذكرت وكالة “رويترز” أن القادة السياسيين العرب يعملون على حشد الناخبين بهدف الإطاحة بحكومة نتنياهو، وكبح التوسع الاستيطاني، ومعالجة عنف المستوطنين، والسعي نحو تحقيق قدر أكبر من الأمن والمساواة.
وقد جادل منصور عباس، زعيم حزب “القائمة العربية الموحدة” (رعَم) -ذو الغالبية العربية- بأن المشاركة السياسية قد تسهم في تشكيل حكومة مختلفة. ومع ذلك، فقد رفض آيزنكوت علنًا تشكيل ائتلاف يضم أحزابًا عربية، وهو ما يكشف عن تناقض جوهري في الاستراتيجية الانتخابية لقوى المعارضة.
فهي قد تحتاج إلى أصوات المواطنين الفلسطينيين لهزيمة نتنياهو، لكنها في الوقت ذاته لا تبدي استعدادًا لمنح ممثليهم المنتخبين دورًا رسميًا في الحكومة. وتكمن هذه المعضلة في صلب النقاش الذي تناولته مقالة رأي في صحيفة “نيويورك تايمز”، حول التأثير المحتمل للمواطنين الفلسطينيين على المستقبل السياسي لإسرائيل.
كما توجد خلافات جوهرية داخل التمثيل السياسي العربي نفسه؛ إذ تعطي بعض الأحزاب الأولوية للانخراط العملي مع المؤسسات الإسرائيلية، بهدف تأمين الميزانيات وتطوير البنية التحتية وتحسين ظروف الحياة اليومية. يركز آخرون على الهوية الوطنية، ومعارضة الاحتلال، والمطالبة بمساواة سياسية أوسع. وقد تؤدي نسبة المشاركة العالية إلى تعزيز قدرتهم التفاوضية، لكنها لا تضمن لهم المشاركة في الحكومة المقبلة.
لماذا يأمل الفلسطينيون في هزيمة نتنياهو؟ ولماذا تظل التوقعات محدودة؟
بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، تفتح الانتخابات بابًا لاحتمالية الإطاحة برئيس وزراء ارتبط اسمه بتوسيع المستوطنات، ومعارضة قيام دولة فلسطينية، وانتهاج سياسات عسكرية تسببت في معاناة هائلة.
وقد أدت التبعات الإنسانية لحرب غزة، والعنف في الضفة الغربية، والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين وسبل عيشهم، إلى تعميق انعدام الثقة في القيادة الإسرائيلية.
ربما تتيح هزيمة نتنياهو فرصًا لتبني نهج مختلف فيما يتعلق بتنفيذ وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية، وسلوك القوات الإسرائيلية.
مع ذلك، فإن مجيء رئيس وزراء جديد لا يعني بالضرورة نشوء توافق إسرائيلي جديد حول الحقوق الفلسطينية.
كما يشير “مجلس العلاقات الخارجية”، فإن قيام دولة فلسطينية لا يمثل أولوية انتخابية رئيسية لدى معظم الناخبين الإسرائيليين، في حين تعارض جميع الأحزاب الكبرى -التي يقودها يهود- تأسيس هذه الدولة في ظل الظروف الراهنة.
هذه هي الرؤية الجوهرية التي طرحها ألوف بن في تحليله المنشور في مجلة “فورين أفيرز” تحت عنوان: “ما الذي لن تغيره الانتخابات الإسرائيلية؟”.
يرى ألوف بن أن حكومة بقيادة آيزنكوت قد تنفذ إصلاحات مؤسسية داخلية مهمة، دون أن تحيد بشكل جوهري عن الإجماع الأمني السائد في إسرائيل. ويؤكد تحليله وجود دعم سياسي واسع داخل الأحزاب الإسرائيلية اليهودية للعمل العسكري ضد التهديدات المتصورة، ومعارضة قيام دولة فلسطينية.
مع ذلك، قد تظهر بعض الاختلافات؛ إذ إن استعداد آيزنكوت المعلن للتصدي لعنف المستوطنين المتطرفين، وإعادة النظر في جوانب من علاقة إسرائيل بالسلطة الفلسطينية، قد يحمل دلالات عملية مهمة.
لكن التحسينات في السياسة الإدارية أو التنسيق الأمني لن تؤدي بالضرورة إلى إنهاء الاحتلال، أو وقف جميع الأنشطة الاستيطانية، أو رسم مسارٍ ذي مصداقية نحو استقلال الفلسطينيين.
بالنسبة للفلسطينيين، فإن المعيار الأكثر أهمية للحكم على أي حكومة جديدة لن يكون خطابها حول “الاعتدال”، بل قراراتها على أرض الواقع.
هل سيتحسن وصول المساعدات الإنسانية؟ هل سيتوقف توسع المستوطنات؟ هل سيتم التحقيق في أعمال العنف ضد المدنيين الفلسطينيين ومنع وقوعها؟ وهل ستقبل إسرائيل إجراء مفاوضات سياسية جادة حول حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد استبدال زعيم سياسي بآخر.
تصويت المغتربين: إسرائيليون يعودون إلى الوطن لتحدي نتنياهو
من السمات غير المعتادة لانتخابات عام 2026، حراك الإسرائيليين المقيمين في الخارج. فقد ذكرت صحيفة “تليجراف” أن عشرات الآلاف عادوا جوًا إلى إسرائيل، مدفوعين في كثير من الحالات برغبة صريحة في التصويت لإزاحة نتنياهو من منصبه.
تعكس هذه الظاهرة كلًا من الأهمية الاستثنائية لهذه المنافسة الانتخابية، والقيود التي تفرضها الترتيبات الانتخابية في إسرائيل؛ إذ لا يمكن لمعظم المواطنين الإسرائيليين المقيمين في الخارج التصويت عبر البريد أو من خلال السفارات، بل يتعين عليهم العودة شخصيًا إلى إسرائيل للإدلاء بأصواتهم.
كما وثقت وكالة “فرانس برس” وصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” جهودًا يبذلها المغتربون للعودة إلى الوطن، بمن فيهم أشخاص يشعرون بالقلق إزاء السياسات القضائية للحكومة، وتداعيات الحرب، ومكانة إسرائيل على الساحة الدولية.
تشير تقديرات صادرة عن “تحالف المساعدة” -وهو منظمة تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها- إلى أن أكثر من 50 ألف شخص قد يقومون بهذه الرحلة.
تسلط عودة المغتربين الضوء على قضية أوسع: هل لا يزال الإسرائيليون الذين بنوا مساراتهم المهنية وأسسوا عائلاتهم في الخارج ينظرون إلى بلادهم على أنها مستقرة سياسيًا واقتصاديًا بما يكفي للعودة إليها بشكل دائم؟
هذا السؤال يربط الانتخابات بشكل مباشر بالمستقبل الاقتصادي لإسرائيل.
الاقتصاد الإسرائيلي: ماذا يعني فوز نتنياهو أو هزيمته؟
أظهر الاقتصاد الإسرائيلي مرونة كبيرة خلال سنوات من الصراع الإقليمي، مدعومًا بقطاعه التكنولوجي، وصناعاته المتنوعة، وقدرته على الوصول إلى رأس المال الدولي. ومع ذلك، تظل التكاليف طويلة الأمد للحرب، والدين العام، ونقص العمالة، وحالة عدم اليقين السياسي، تحديات جسيمة.
في تحليل نشره موقع “المونيتور”، أشار صامويل ويندل إلى أن الاعتبارات الأمنية تهيمن بشكل طاغٍ على أولويات الناخبين؛ إذ وجد استطلاع أجرته مؤسسة “غالوب” أن 56% من المشاركين اعتبروا المخاوف الأمنية المشكلة الأهم التي تواجه إسرائيل، في حين رأى 10% فقط أن الاقتصاد هو المشكلة الأبرز.
كما أشار التقرير ذاته إلى توقعات صندوق النقد الدولي بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5% في عام 2026، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى استمرار نقاط ضعف تتمثل في الضغوط المالية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وهجرة العمالة الماهرة.
غير أن النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة سلامة المالية العامة أو تحسن مستويات المعيشة.
ففي ظل “اقتصاد الحرب”، قد يشهد النشاط الاقتصادي ارتفاعًا مدفوعًا بالإنتاج الدفاعي والإنفاق الحكومي، بينما تواجه الأسر والشركات في الوقت ذاته تكاليف أعلى وحالة من عدم اليقين.
في حال فوز نتنياهو
قد يؤدي فوز نتنياهو إلى استمرارية قصيرة الأمد في إدارة الاقتصاد والحفاظ على العلاقات السياسية القائمة. لكن التبعات ستعتمد على طبيعة الائتلاف الذي سيشكله والسياسات التي سيتبناها.
فقد تؤدي تجدد المواجهات حول استقلال القضاء، وتوسيع العمليات الأمنية، والخلافات السياسية المتعلقة بالخدمة العسكرية وتخصيصات الميزانية، إلى تعقيد قرارات الاستثمار.
كما تواجه الشركات مخاطر تتعلق بسمعتها وعملياتها عندما تؤثر التوترات السياسية الدولية على الشراكات الأكاديمية، وحركة الصادرات، والسفر، والعلاقات التجارية.
في حال فوز آيزنكوت
قد تؤدي حكومة يقودها آيزنكوت إلى تحسين التصورات حول الاستقرار المؤسسي، وذلك في حال التزمت بتعزيز المؤسسات المستقلة واستعادة الثقة في الإدارة العامة.
من شأن تراجع حدة المواجهات السياسية الداخلية أن يعزز ثقة المستثمرين ويساعد في الحفاظ على العمالة الماهرة.
لكن تغيير الحكومة لن يلغي الالتزامات المتعلقة بالإنفاق العسكري، أو التهديدات الأمنية الإقليمية، أو الضغوط الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد الإسرائيلي.
كما أن الأسواق المالية لن ترحب بالضرورة بفوز المعارضة إذا أدى ذلك إلى تشكيل ائتلاف غير مستقر يعجز عن إقرار الميزانيات أو تنفيذ الإصلاحات.
وبالتالي، فإن المسألة الاقتصادية الحاسمة لا تقتصر ببساطة على المفاضلة بين نتنياهو وآيزنكوت؛ بل تكمن في مدى قدرة الحكومة المقبلة على الجمع بين الانضباط المالي، والمصداقية المؤسسية، وإصلاحات سوق العمل، وتوفير بيئة أمنية أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ.
لماذا تكتسب الانتخابات الإسرائيلية أهمية خاصة بالنسبة لمصر؟
بالنسبة لمصر، لا تعد الانتخابات الإسرائيلية مجرد صراع سياسي داخلي في دولة مجاورة. فنتائج هذه الانتخابات قد تؤثر على جملة من المصالح الوطنية المصرية المترابطة، بما في ذلك: الأمن على طول الحدود بين سيناء وقطاع غزة، والعمليات الإنسانية، وجهود الوساطة، والدبلوماسية الإقليمية، والتعاون في مجال الطاقة.
غزة ورفح ومخاطر التهجير
لعبت مصر دورًا دبلوماسيًا محوريًا في المفاوضات المتعلقة بقطاع غزة، بما في ذلك الترتيبات الخاصة بوقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. وقد عارضت القاهرة باستمرار أي تهجير قسري للفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، معتبرةً سيناريوهات كهذه تهديدًا للحقوق الوطنية الفلسطينية وللأمن القومي المصري في آنٍ واحد.
عليه، ستخضع مقاربة الحكومة الإسرائيلية المقبلة تجاه إدارة قطاع غزة، والترتيبات الحدودية، وعمليات إعادة الإعمار، لتدقيقٍ وثيق.
فوجود إدارة إسرائيلية أكثر مرونة من الناحية الدبلوماسية قد يسهل المفاوضات حول إدارة الحدود والمساعدات الإنسانية؛ بينما قد يؤدي استمرار التصعيد العسكري أو اتخاذ قرارات أحادية الجانب تؤثر على الحدود إلى تصاعد التوترات.
ومع ذلك، لا يمكن للقاهرة أن تفترض مسبقًا أن آيزنكوت سيتبنى مواقف مختلفة جذريًا في كل القضايا الأمنية. ويكمن الاختبار الحقيقي في مدى استعداد إسرائيل لمعالجة هذه المخاوف من خلال ترتيبات أمنية متفاوض عليها والتزامات سياسية ذات مصداقية.
معاهدة السلام وأمن الحدود
تظل معاهدة السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل عام 1979 حجر الزاوية في منظومة الأمن الإقليمي. إلا أن الحرب في غزة أدت إلى ظهور خلافات حول أمن الحدود والانتشار العسكري.
وقد ناقش تحليلٌ صادر عن “مؤسسة كارنيجي”، بعنوان “الغاز والسلام: هل يمكن لتجارة الطاقة احتواء الصراع المصري-الإسرائيلي؟”، التوترات المتعلقة بـ “محور فيلادلفيا” على الحدود بين مصر وقطاع غزة، وتضارب التفسيرات حول الالتزامات الأمنية.
تسلط هذه النزاعات الضوء على أهمية وجود تنسيق عسكري ودبلوماسي ثنائي فعال، بغض النظر عن هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي. وبالنسبة لمصر، فإن مدى موثوقية الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ الاتفاقيات القائمة قد يكون أكثر أهمية من توجهاتها الأيديولوجية.
بالنسبة لصنّاع السياسات في مصر، فإن النهج الأكثر حكمة يتمثل في تقييم الإدارة الإسرائيلية القادمة بناءً على قراراتها الفعلية بشأن قطاع غزة، والتنسيق الحدودي، والالتزامات النابعة من المعاهدات؛ بدلًا من افتراض أن مجرد قدوم شخصية جديدة سيؤدي تلقائيًا إلى تغيير جذري في العلاقات الثنائية.
الشرق الأوسط الأوسع: إيران، والتطبيع العربي، وواشنطن
ستؤثر الانتخابات الإسرائيلية أيضًا على الحسابات الاستراتيجية في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بإيران ولبنان وسوريا والعلاقات مع الحكومات العربية.
لقد جعل نتنياهو من المواجهة مع إيران محورًا لإرثه السياسي والأمني. ويرى مؤيدوه أن الضغط العسكري ضروري لمنع طهران من تهديد إسرائيل، بينما يتساءل منتقدوه عما إذا كانت المواجهات المتكررة قد حققت أمنًا مستدامًا أم أنها أدت إلى مزيد من عدم الاستقرار.
أما آيزنكوت، وبحكم خلفيته العسكرية، فمن المرجح أن يحافظ على موقف دفاعي قوي يعتمد على الردع؛ غير أن تركيزه على التنسيق الدبلوماسي قد يؤدي إلى تباينات في كيفية إدارة إسرائيل لعلاقاتها الإقليمية.
بالنسبة لحكومات دول الخليج التي تنظر في مستقبل مسار التطبيع، تظل الأسئلة الأكثر أهمية هي تلك المتعلقة بالاستقرار، والضمانات الأمنية الأمريكية، والقضية الفلسطينية.
أرست “اتفاقيات إبراهيم” علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، لكن استمرار الصراع مع الفلسطينيين يظل عائقًا أمام تعميق التكامل الإقليمي.
وقد تؤدي حكومة إسرائيلية -يُنظر إليها على أنها أكثر استعدادًا للانخراط في المسار الدبلوماسي- إلى تحسين المناخ الملائم للمبادرات الإقليمية. ومع ذلك، فإن تحقيق اختراقات جوهرية يتطلب تغييرات فعلية في السياسات، وليس مجرد تبني نهج سياسي أقل صدامية.
وتظل واشنطن عاملًا جوهريًا آخر؛ إذ تمنح المساعدات العسكرية الأمريكية، والحماية الدبلوماسية، والنفوذ الإقليمي للإدارات الأمريكية المتعاقبة، قدرةً كبيرة على التأثير في الخيارات الاستراتيجية لإسرائيل.
وبناءً عليه، سيتعين على رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم الموازنة بين مطالب الائتلاف الحاكم داخليًا، وبين العلاقات مع الولايات المتحدة، وتداعيات أي تصعيد عسكري على المستوى الإقليمي.
أما بالنسبة للعواصم العربية، فإن السؤال الجوهري هو: هل تستطيع حكومة إسرائيلية جديدة تحويل التغيير السياسي إلى نظام إقليمي أكثر استقرارًا وتعاونًا؟
ما الذي ستغيره الانتخابات – وما الذي لن تغيره؟
تطرح الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر ثلاثة مستويات محتملة للتغيير:
يتعلق المستوى الأول بالقيادة السياسية؛ إذ قد يفقد نتنياهو السلطة، مما ينهي حقبة اتسمت بهيمنته على المشهد السياسي الإسرائيلي، وبخلافات متكررة حول استقلالية المؤسسات الديمقراطية.
يتعلق المستوى الثاني بالحكم الداخلي؛ حيث يمكن لإدارة جديدة مراجعة السياسات القضائية، ومعالجة ملف التجنيد العسكري، والتحقيق في الإخفاقات الأمنية، والسعي لاستعادة ثقة الجمهور.
أما المستوى الثالث فيتعلق بالسياسة الإقليمية والملف الفلسطيني؛ وهنا ينبغي أن تكون التوقعات أكثر تحفظًا.
فمن غير المرجح أن تختفي مؤسسة الأمن القومي الإسرائيلي، أو المعارضة السياسية لإقامة دولة فلسطينية، أو طبيعة العلاقة الاستراتيجية الراسخة مع واشنطن، لمجرد إجراء انتخابات واحدة.
يشير استطلاع للرأي أجراه “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” في 23 أكتوبر إلى تعقيد إضافي؛ فعند سؤال المشاركين عن سيناريو تعجز فيه أي جهة عن تشكيل ائتلاف حاكم، فضّل الجزء الأكبر من المستطلعين -سواء من اليهود أو العرب- إجراء انتخابات جديدة، بدلًا من الخيارات الأخرى المطروحة، مثل تشكيل حكومة وحدة قائمة على التناوب أو حكومة أقلية.
بالتالي، فإن الجمود السياسي يظل احتمالًا واقعيًا، وليس مجرد فرضية نظرية.
بالنسبة لنتنياهو، قد يكمن السبيل للبقاء في السلطة عبر تحقيق فوز انتخابي، أو من خلال مفاوضات تشكيل الائتلاف، أو نتيجةً لعجز خصومه عن الاتفاق على بديل له.
أما بالنسبة لآيزنكوت، فإن النجاح الانتخابي لن يمثل سوى المرحلة الأولى من مهمة أكثر تعقيدًا؛ وهي تشكيل حكومة قادرة على الحفاظ على تماسكها رغم الانقسامات الحادة حول قضايا الدين، والهوية الوطنية، والأولويات الاقتصادية، والملف الفلسطيني.
جرت يوم 27 أكتوبر بوصفها أول انتخابات برلمانية منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من حروب ومواجهات إقليمية
تشير استطلاعات الرأي إلى أن آيزنكوت قادر على التفوق على الليكود وربما قيادة الكتلة الأكبر لكن تشكيل الحكومة يبقى الأصعب لأن أي طرف لا يضمن أغلبية منفردة
يشكل المواطنون الفلسطينيون نحو 21% من السكان وقد تؤثر نسبة مشاركتهم بشكل مباشر في عدد المقاعد وموازين القوى بين التكتلات السياسية المتنافسة


