قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أنه في عصرنا الحاضر خلط كثير من الناس بين التصوف وبين تصرفات بعض المنتسبين إليه، كما خلط آخرون بين الإسلام وبين أفعال بعض المسلمين.
واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنه لا يصح أن تُجعل أخطاء المسلمين حجةً على الإسلام، كما لا يصح أن تُجعل أخطاء بعض المنتسبين إلى التصوف حجةً على حقيقة التصوف؛ فالأصل الذي تُوزن به الأقوال والأفعال هو الكتاب والسنة، لا تصرفات الأشخاص مهما كانت أسماؤهم أو مكانتهم.
واشار إلى ان سيدنا رسول الله ﷺ أخبرنا أن الناس ستمر بهم أزمنة تظهر فيها الفتن والمخالفات والاختلافات، وأن العبرة تكون بالتمسك بالحق والرجوع إلى هديه ﷺ.
وفي حديث سيدنا حذيفة رضي الله عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فسأله عما يكون بعد الخير من شر، وعما يكون بعد الشر من خير، فقال ﷺ إن في ذلك الخير دخنًا، ووصفه بقوله: «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ».
فالميزان إذن هو هدي سيدنا رسول الله ﷺ؛ فما وافقه قُبل، وما خالفه رُدّ، بصرف النظر عمن صدر عنه.
ولهذا أدرك العلماء أن اجتهادهم فهم بشري لنصوص الوحي، وليس هو الوحي نفسه.
فالمجتهد يطلب حكم الله، لكنه لا يجعل اجتهاده البشري معصومًا، ولا يجعله مساويًا للوحي؛ فالإنسان يجتهد، وقد يصيب وقد يخطئ.
ومن هنا اجتهد المحققون من علماء التصوف، وكان ميزانهم الكتاب والسنة، وغايتهم تزكية النفس، وتطهير القلب، وتحقيق مقام الإحسان.
وقد ظهر في عصرنا اتجاه ينكر التصوف كله بسبب ما رآه من أخطاء أو بدع عند بعض المنتسبين إليه، وهذا مخالف لمنهج الإنصاف والعدل؛ لأن الخطأ يُزال، والبدعة تُنكر، أما الأصل الصحيح فلا يُهدم بسبب ما علق به من انحراف.
وهذا المعنى، في التمييز بين الأصل الصحيح وما يطرأ عليه من انحراف، له نظائر واضحة في المنهج النبوي.
فقد وجد سيدنا رسول الله ﷺ الأصنام حول الكعبة، فأزال الأصنام ولم يهدم الكعبة؛ لأن الكعبة أصل ثابت، وأما الأصنام فأمر طارئ يجب تطهيرها منه.
وكذلك لما تحرج بعض الصحابة من السعي بين الصفا والمروة لما ارتبط به في الجاهلية، بيَّن الله تعالى أن الصفا والمروة من شعائره، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
فلم يُلغ الإسلام السعي بسبب ما أدخله المشركون عليه، بل خلَّص شريعة سيدنا إبراهيم عليه السلام مما خالطها من الوثنية، وأبقى ما شرعه الله من شعائر الحج.
وهذا هو المنهج: إذا اختلط الحق بالباطل، فلا نرمي الجميع، وإنما نميِّز بينهما؛ فنثبت الحق، ونزيل الباطل، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، وننكر البدع والانحرافات.
لقد تاه التصوف في عصرنا بين أعدائه وأدعيائه؛ فقوم ينكرونه بسبب أخطاء بعض المنتسبين إليه، وقوم يتمسكون بمجموعة من البدع والانحرافات، ثم يزعمون أنها هي التصوف، والتصوف من ذلك براء.
فالتصوف ليس خرافةً، ولا بدعةً، ولا خروجًا عن الشريعة؛ وإنما هو حفظ مقام الإحسان، وتزكية النفوس، وإصلاح القلوب، والتزام الأدب مع الله ومع الخلق، في إطار الكتاب والسنة.
وقد كتب علماء الإسلام عبر العصور في الزهد والورع والتقوى وأعمال القلوب، وألَّف في ذلك أئمة كبار؛ لأن إصلاح الباطن جزء أصيل من هذا الدين، كما أن إصلاح الظاهر جزء منه.
غير أننا ابتُلينا في عصرنا بمن يكتفي بمظاهر الصلاح، ثم يخالف في فكره وسلوكه مقاصد المنهج النبوي القائم على العلم والرحمة والعدل والإنصاف.
فليس الشأن في الزي والهيئة وحدهما، وإنما الشأن في صدق الاتباع، وسلامة الفهم، وحسن الخلق، ورحمة الناس، والتزام حدود الشرع.
فالدين علم وعمل، وشريعة وحقيقة، وظاهر وباطن، ولا يستقيم أحدهما من غير الآخر.
والمنهج الحق أن نردَّ التصوف إلى أصله الصافي: كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وتزكية النفس، وإصلاح القلب، والتحلي بمكارم الأخلاق.
فلا ننكر الأصل بسبب انحراف بعض المنتسبين إليه، ولا نقبل الانحراف بحجة المحافظة على الأصل.
يرى أن التصوف ليس خرافة ولا بدعة ولا خروجًا عن الشريعة، بل هو حفظ لمقام الإحسان وتزكية النفوس وإصلاح القلوب في إطار الكتاب والسنة
يؤكد أن الخطأ يُزال والبدعة تُنكر، لكن الأصل الصحيح لا يُهدم بسبب ما علق به من انحراف عند بعض المنتسبين إليه
الميزان هو الكتاب والسنة وهدي سيدنا رسول الله ﷺ؛ فما وافقه قُبل وما خالفه رُدّ بصرف النظر عمن صدر عنه


