أكدت الدكتورة منى الحديدي أستاذ علم الاجتماع بجامعة العاصمة والفائزة بجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، أن مواجهة “خطاب الكراهية الرقمي” تتطلب بناء وعي نقدي ومناعة معرفية لدى الأجيال الجديدة في ظل تنامي تأثير خوارزميات المنصات الرقمية في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك، موضحة أن خطاب الكراهية الرقمي لم يعد مجرد انفعالات فردية معزولة، بل تحول إلى “صناعة ممنهجة” تتغذى عليها خوارزميات المنصات لتحقيق أعلى معدلات التفاعل والإثارة، وهذا الخطاب يمارس عنفاً رمزياً خفياً ضد الأجيال الناشئة؛ إذ يدربهم على النبذ، واستسهال التخوين والتنمر، وتجريد المختلف من إنسانيته، وتدمير ثقتهم في رموزهم ومؤسساتهم الوطنية عبر تقنيات الاغتيال المعنوي.
وقالت الدكتورة منى الحديدي، في حوارها مع وكالة أنباء الشرق الأوسط، اليوم / الخميس /، إن تفكيك خطاب الكراهية يبدأ بكشف آلياته للشباب؛ بأن نوضح لهم أن المحتوى الصاخب غالباً ما ينطلق من “سيكولوجيا الضغينة” والتسول الرقمي، وتجريده من هالته المزيفة عبر التحليل العلمي الذي يميز بين النقد الموضوعي البنّاء وبين محاولات الهدم وتصفية الحسابات.. مشيرة إلى أن سبل التحصين: تكمن في بناء ما تسميه “المناعة الرقمية” لدى الأجيال الناشئة، وأن التحصين لا يكون بالحجب في عالم مفتوح، بل بتنمية الحس النقدي، وتعزيز الذكاء العاطفي، وتدريب الأبناء على التمحيص المعرفي؛ بحيث يمتلك الشاب فلترة ذاتية ترفض الانجراف وراء القطيع الإلكتروني ومحاكم التفتيش الافتراضية.
وأوضحت منى الحديدي، أن الخطوة الأولى والجوهرية لزيادة وعي الشباب والنشء بخطورة السوشيال ميديا هي التوقف عن لغة الوعظ والوصاية والترهيب التقليدي؛ فالشباب يرفض بطبعه النبرة التلقينية.. مشيرة إلى أن زيادة الوعي الحقيقي تتحقق عبر: إدماج مفاهيم”محو الأمية الخوارزمية” في المناهج والأنشطة؛ ليدرك الشاب كيف يتم توجيه انتباهه وتوظيف بياناته واختطاف وقته لأغراض ربحية واستقطابية، وخلق مساحات تفاعل حقيقية ومغرية للنشء في مجالات الفنون، والرياضة، والبحث العلمي، والعمل التطوعي الميداني، وأن الفراغ الواقعي هو الذي يدفع الشباب للغرق الكامل في العالم الافتراضي، كما تتحقق زيادة الوعي عن طريق فتح مساحات حوار مع الشباب يستعرضون فيها تجاربهم ومخاوفهم، وتدريبهم على أن يكونوا “صنّاع محتوى واع” وليسوا مجرد مستهلكين سلبيين لما يُضخ إليهم.
وبسؤالها عن آليات مراقبة الشباب والنشء على السوشيال ميديا، قالت يجب التمييز بصرامة بين مفهومين (المراقبة، والتشاركية)؛ فالمراقبة الأبوية الفعالة في العصر الرقمي لا تعني التفتيش القهري الذي يولد الاغتراب والتحايل، بل تعني ” التشاركية والمرافقة الرقمية الذكية” القائمة على الثقة، والاتفاق المسبق على ضوابط الاستخدام، وبناء جسور مصارحة تسمح للأبناء باللجوء للأهل عند التعرض لأي ابتزاز أو انحراف رقمي دون خوف من العقاب.
وأضافت، أما على المستوى المؤسسي والمجتمعي؛ فيجب تفعيل آليات الرقابة التشريعية والقانونية الصارمة؛ من خلال قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات وحماية البيانات الشخصية، ومساءلة المنابر والمنصات غير المسؤولة التي تبث السموم، إلى جانب رصد الظواهر الاجتماعية الرقمية المستحدثة ووضع استراتيجيات وقائية للتعامل معها.
وبسؤالها عن خطورة الذكاء الاصطناعي على العملية الإبداعية وخاصة توثيق المراجع والكتب العلمية، قالت إن الذكاء الاصطناعي في جوهره تقنية محايدة؛ فهو أداة مضاعفة للقدرات البشرية، لكنه يمثل خطرا حقيقيا إذا تُرك دون حوكمة نقدية وأخلاقية صارمة، فعلى مستوى العملية الإبداعية؛ الذكاء الاصطناعي قادر على توليد نصوص وصور مبهرة شكليا عبر إعادة تركيب ملايين الأنماط المخزنة لديه، لكنه عاجز بنيويا عن إنتاج “المعنى”؛ لأنه يفتقر إلى التجربة الإنسانية المعيشة، والوجدان، والألم، والشعور الوجودي، وهي المنابع الأصيلة للإبداع، فالخطر الحقيقي ليس في الآلة، بل في استقالة الإنسان من وظيفته النقدية والإبداعية واكتفائه بدور المستهلك الكسول.
وأضافت، أما على مستوى التوثيق العلمي والبحثي؛ فالخطر هنا مضاعف وجسيم؛ فالنماذج التوليدية تعاني من ظاهرة “الهلوسة الرقمية”، وغالباً ما تصطنع مراجع وعناوين ودراسات وهمية تبدو مقنعة للعين غير المدربة، فالاعتماد الأعمى عليها يضرب جوهر الأمانة والنزاهة العلمية والرصانة الأكاديمية ويفكك سلاسل الإسناد العلمي؛ فلا بديل على الإطلاق عن الفحص الببليوجرافي الدقيق، والرجوع إلى المصادر الأولية، واحتكام الباحث لمنهجه النقدي ومسؤوليته الأخلاقية.
وعن كيفية استقبالها لخبر الفوز بجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، قالت الدكتورة منى، استقبلتُ الخبر بمزيج عميق من الامتنان لله سبحانه وتعالى، والاعتزاز بوطني العظيم ومؤسساته العريقة، وشعور مضاعف بثقل المسؤولية الأكاديمية والمجتمعية، فالباحث المخلص لا يكتب ولا يجري بحوثه الميدانية متطلعاً للجوائز في المقام الأول؛ بل يكون دافعه الدائم هو خدمة العلم والمجتمع والإنسان، لكن عندما يقترن هذا العمل الدؤوب بتقدير الدولة الرسمي عبر لجان علمية رفيعة واقتراع سري نزيه يضم قامات الفكر في مصر، فإن المشاعر تغمرها السكينة وتثبت أن الجهد الصادق لا يضيع.
وعن عملية توقع الجائزة،أشارت إلى أن الأكاديمي الحقيقي لا يعمل وعينه على الجوائز؛ فبوصلتنا الأساسية هي العمل الجاد في الميدان، وقاعات المحاضرات، واشتباك البحث العلمي مع قضايا الناس والوطن، ومع ذلك فالأكاديمي عندما يدخل مثل هذه المحافل الوطنية الكبرى لابد أن يكون واثقا في رصيده العلمي والبحثي وخاصة عندما يكون هذا الرصيد ممتددا لأكثر من ثلاثين عاما، وأن يكون مؤمناً في الوقت ذاته بنزاهة التنافس الشريف وأحقية كل زميل مجتهد؛ لذا كان التمني والتفاؤل يحدوني مع التسليم الكامل بقيمة ومكانة التحكيم المؤسسي عبر المجلس الأعلى للثقافة بنخبته وقاماته الفكرية، فإن ذلك يمنح الأمر وزنا خاصا.
وأشارت إلى أن جائزة الدولة للتفوق ليست مجرد تتويج فردي؛ بل اعترافا رسميا ومجتمعيا رفيعا بأن علم الاجتماع ليس ترفاً نظرياً أو كلاماً معلقاً في الفضاء، بل هو سندا أساسيا في بناء السياسات الاجتماعية ودعم تماسك المجتمع فالجائزة في جوهرها تكريم لكل باحث ميداني يجوب القرى والمناطق المختلفة ليرصد نبض الإنسان المصري ويعيد صياغته في رؤى علمية تخدم التنمية.
وقالت إن هذا التكريم يمثل في جوهره تأكيدا على الفلسفة التي آمنت بها طيلة مسيرتي العلمية بأكملها؛ وهي أن علم الاجتماع والبحث العلمي الرصين لم يُخلقا ليكونا أسرى قاعات الدرس المغلقة، ولا أوراقاً تتكدس فوق الأرفف ويعلوها الغبار، أو نصوصاً للاستهلاك الأكاديمي المنعزل فهذا التكريم لا يمثل نقطة وصول أقف عندها للاستراحة، بل نقطة ارتكاز ومسؤولية مضاعفة في مسيرتي العلمية؛ التي حاولت طوالها أن أكون جسراً بين النظرية الأكاديمية والواقع التطبيقي؛ سواء في قضايا الأسرة والمجتمع وقضايا الطفولة، والشباب، أو ملفات تمكين المرأة، وقضايا الاتجار بالبشر وملفات مواجهة العنف وخطاب الكراهية، ألخ.
وقالت، هذا التكريم يرسخ قناعتي بأن القيمة النهائية لأي معرفة سوسيولوجية تُقاس بمدى قدرتها على خدمة الفرد، وصون كرامته، وحماية تماسك المجتمع، وإحداث «أثر إيجابي ملموس» يُحدث فارقا حقيقيا في حياة الناس والوطن، فالتكريم ليس تتويجا لما مضى بقدر ما هو تفويض ومسؤولية لمواصلة المسار.
ترى أنه يجب بناء وعي نقدي ومناعة معرفية لدى الشباب، مع كشف آليات الخطاب وتوضيح الفرق بين النقد البنّاء ومحاولات الهدم
اقترحت تنمية الحس النقدي والذكاء العاطفي، وإدماج محو الأمية الخوارزمية في المناهج، وفتح مساحات حوار وتفاعل حقيقية للشباب
اعتبرته أداة محايدة قد تفيد إذا خضعت لحوكمة نقدية وأخلاقية، لكنه خطر على التوثيق العلمي لأنه قد يصنع مراجع ودراسات وهمية تستلزم فحصًا ببليوجرافيًا دقيقًا


