ليس القرآن حكاية تُروى، بل هو “سرٌّ يُطوى”، ومقامات في العشق المطلق والفناء الباقي. وحين يغيب السالك عن حظوظ نفسه ويغرق في شهود الحق، تتكشف له أسرار الآيات بلا واسطة. وبالأمس، وفي خلوة الفكر والصفاء، استوقفني في مِشكاة التفسير موقفان، كأنما ينطقان بلسان أهل الوجد والصدق.. وكأن خيطا خفيا من النور يربط بينهما في معراج العزة والتمكين:

قف بالوجوه وناد الحي في شغف
فالعشق نار تبيد الشك والريب
من عاش بالله لا تخفى معالمه
الكون طوع لمن بالحق قد قرب.

أولُهما؛ مجلس سليمان الملك، حين استدعى عرش بلقيس، وما كان سليمان بحاجة لعرش من خشب وذهب، بل أراد أن يُشهِد خلقه كيف ينطوي الكون تحت أقدام العارفين. ولما تناهى إلى السمع صوت العفريت، ثم أتاه اليقين على لسان من قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، تجلت كرامات الأولياء؛ أولئك الذين انخلعوا عن رسوم البشرية، فصاروا في حضرة القدس أطهارًا، تطوى لهم المسافات في طرفة عين، لأنهم أخذوا العلم من منبعه الأصيل.. من سر الكتاب، فصاروا ربانيين يجرون الكون بأمر “كن فيكون”.

تطوى المسافات شوقا حين يبلغهم
سر الكتاب فتمم سير من طلبا
هذي العوالم جند في قبضتهم
إن صاح قلب بـ “كن” كوني فما كذبا.

والثاني؛ ذاك السجين في عتمة الجب والظلمات، يوسف الصديق، حين جاءه رسول الفرعون يحمل مفتاح باب النسيان والحرية الأرضية، فمما جبلت عليه النفوس الهرولة نحو الخلاص، لكن قلب يوسف كان يطوف في عالم أطهر وأعلى. أبى يوسف أن تلوث حريته شبهة، ورفض أن يخرج بعفوٍ يترك في سماء طهره غبارًا، فأعاد رسول الملك صائحًا بنبض العارف: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. لم يكن يطمع في دنيا تُعطى ولا في عرش يُمنح، بل كان طالبه “الصدق الخالص” وطهارة السطوة الروحيّة، فحين انقشعت الغمامة وأقر الجميع بالبراءة، لم يخرج طليقًا فحسب، بل خرج عزيزًا يُدير القلوب والأكوان، لأنه ما استعبد لغير الحق قط.

أبى السجون وعز النفس يرفعه
ما ضره الظلم إن لاقى الذي طلبا
رد الرسول بقلب طاهر نقل
حتى جلا الصدق نورا ساطعا غلبا.

وبين تجليات العرش العلوية وعزة الجب الأبدية، يتقاطع طريق أهل الله عند محطة “التجرد المطلق”؛ فمن طهّر قلبه من التعلق بالأسباب، وأنكر ذاته في هيبة المحبوب، هانت في عينه قصور الدنيا ومشانقها على حد سواء. فالعبد العارف لا يطلب ملكًا يُعطى ولا خلاصًا يُمن، بل يطلب عين الحقيقة وصدق الحال، وحين يَصدق العبد في خلوته ونجواه، يسخّر له الحق لغته وكونه، فتخضع له قلوب الخلق قبل أن تنقاد له مقاليد الملك، وكأن العشق الإلهي إذا استوطن صدرًا، أضاء ظلمات السجون، وجعل أصحاب العروش يتهافتون عند أعتاب طهره.

وهنا يكمن سر أسرار السالكين وغايتهم الكبرى: ألا تبحث عن مكسبٍ من الله، بل أن تبحث عن الله وحده. فالعبد العارف لا يعبد ربه طمعًا في عرضٍ زائل ولا طلبًا لجزاءٍ يُعطى، بل يخلع عن قلبه رداء الحسابات وقيد المنافع؛ إذ إن طلب غير الله حجاب، والنظر إلى “المكسب” وقوفٌ مع النفس لا مع المنعم. فحين تتسامى الروح عن صفقات العطاء والأخذ، ويتجاوز البصر كل نعيمٍ سوى وجه المحبوب، يتلاشى الخوف والرجاء أمام غلبة الشوق ويقين الفناء، فتصير الحرية حقيقة، ويغدو العبد حرًا من الدنيا وحظوظها، غنيًا بالله عما سواه.

ما عبدك الطامع الملهوف في عطش
بل عابد وجه من في العرش قد جلسا
إن جئت تطلب أجرا فاحجبن به
وإن وجدت الهوى فامح الذي غرسا.

فيأيها الإنسان السائر في درب التيه، يا من أنهكته مساومات الأيام وركض الأسباب؛ انتبه من غفلتك، واسمع نداء العارفين لك: لا تهرول نحو عروض الدنيا الملوثة، ولا تقبل بالحرية المنقوصة التي تترك على روحك غبار المذلة. تخلّع عن رسوم هواك، وافنى عن حظوظ نفسك، وكن بالله واكتفِ به؛ فعندما يصدق قلبك في التجرد، ويبلغ في العشق مبلغ الاستغناء، ستنطوي لك مسافات المستحيل، وتخضع لروحك أسرار الوجود، ويهيم بك الكون طوعًا، لتدرك حينها أن العزة الحقيقية ليست فيما يُعطى، بل فيما يُؤخذ بصدق الوصل وطهارة اليقين.

تخلع عن الرسوم وعش فقيرًا
إلى المولى لتصبح فيه ملكا
فمن ملك الإله بصدق روح
تساقطت العوالم دون شكا.

وهكذا، يلتئم العرش بالسجن في دائرة التوحيد والوجد الأبدي؛ فعرش بلقيس هو مدد القرب لمن فني عن سواه فاستحق أن يطوع المادة وتنقاد له الأجسام، وسجن يوسف هو مقام الصدق والفناء لمن استغنى بجمال المحبوب عن عروض الدنيا وفضلات الموائد. إنها وصية الوجد لكل سالك: أن يتجرد من كل علائق السوى، فمن كان بالله واكتفى به، هانت عليه الأكوان بأسرها، وصار قلبه مِشكاةً مقدسة يتردد فيها صدى السر الأبدي، لا يلتفت لزخرف، ولا يخضع لسلطان، ولا يقبل من الحرية إلا أطهرها وأعلاها.

مدد يارب مدد.

الأسئلة الشائعة

الفكرة الأساسية أن العزة الحقيقية تكون بالتجرد من حظوظ النفس وطلب الله وحده لا طلب المكسب أو الجزاء

ربط بينهما بوصف عرش بلقيس مثالًا على مدد القرب والتسخير لمن فني عن سواه، وسجن يوسف مثالًا على الصدق والفناء والاستغناء بجمال المحبوب عن الدنيا

يؤكد أن طلب غير الله حجاب، وأن البحث عن المكسب أو الجزاء يوقف الإنسان مع نفسه لا مع المنعم، بينما البحث عن الله وحده هو غاية السالكين