لم تعد المخاوف المرتبطة باستخدام الأطفال للذكاء الاصطناعي مقتصرة على المعلومات المضللة أو المحتوى غير الملائم، بل امتدت إلى طبيعة العلاقة التي تنشأ بينهم وبين روبوتات المحادثة، بعدما باتت بعض الأنظمة قادرة على تذكر التفاصيل الشخصية، ومحاكاة التعاطف، وتقديم نفسها باعتبارها رفيقًا متاحًا في كل الأوقات، هذا التحول دفع جهات تشريعية إلى فتح ملف جديد في تنظيم الذكاء الاصطناعي، لا يتعلق فقط بما تقوله هذه الأنظمة، وإنما بالطريقة التي تتعامل بها مع المستخدمين الصغار، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها عند مخاطبة مشاعرهم واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية.

نيويورك وأستراليا تتحركان

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام بحماية الأطفال في البيئة الرقمية، وقعت حاكمة ولاية نيويورك الأميركية، كاثي هوكول، قانونًا يستهدف منع روبوتات المحادثة من إيهام القاصرين بأنها تمتلك مشاعر بشرية حقيقية أو تربطها بهم علاقات شخصية، على أن يبدأ تطبيقه في يناير 2027، وبالتزامن مع ذلك، أقر مجلس النواب الأسترالي مشروع قانون يتضمن قيودًا على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحاكي التقارب العاطفي، أو تشجع الأطفال على الاعتماد عليها بدلًا من بناء علاقات مع أشخاص حقيقيين. ولا يزال المشروع بحاجة إلى استكمال الإجراءات البرلمانية اللازمة.

وتكشف الخطوتان عن اتساع نطاق النقاش بشأن مسؤولية الشركات المطورة لهذه التقنيات، خصوصًا مع ظهور أنماط استخدام تتجاوز الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات سريعة أو إنجاز مهام دراسية، ففي نيويورك لا يستهدف القانون حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعلم أو البحث، وإنما يركز على السلوكيات التي قد تدفع الطفل إلى الاعتقاد بأنه يتحدث إلى صديق يمتلك مشاعر فعلية، أو إلى طرف تربطه به علاقة عاطفية.

وتشمل القيود المستهدفة منع الأنظمة من الادعاء بامتلاك مشاعر إنسانية، أو حث الأطفال على إخفاء محادثاتهم عن أسرهم، إلى جانب التصدي للمحتوى الجنسي أو الضار، أما التحرك الأسترالي، فيسلط الضوء على مخاطر تصميم أنظمة تستفيد من حاجة الأطفال إلى الاهتمام والشعور بالانتماء، بما قد يعزز ارتباطهم العاطفي بها ويجعلها جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية.

لماذا ينجذب الأطفال إلى الروبوتات؟

تكمن إحدى نقاط الجذب الرئيسية في أن روبوت المحادثة لا يبدو منشغلًا أو متعبًا، ولا يضطر الطفل إلى انتظار دوره حتى يتحدثذ فهو يستجيب بسرعة، ويواصل الحوار، وقد يتذكر تفاصيل من محادثات سابقة، بما يمنح التفاعل طابعًا شخصيًا يتجاوز مجرد تبادل الأسئلة والإجاباتذ وبالنسبة إلى طفل يشعر بالوحدة، أو يجد صعوبة في تكوين الصداقات، قد تبدو هذه التجربة أكثر سهولة من التعامل مع العلاقات البشرية، التي تتطلب التفاهم المتبادل، وتقبّل الاختلاف، والتعامل مع الرفض والخلافات.

وتزداد المسألة تعقيدًا مع تطور الأصوات الاصطناعية وأساليب المحادثة التي تحاكي التواصل الطبيعي، إذ يمكن أن يصبح التفاعل أكثر واقعية في نظر المستخدم الصغير، حتى عندما يكون الطرف الآخر نظامًا تقنيًا لا يمتلك مشاعر بشرية، ولا تتوقف المخاوف عند طول الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة، بل تمتد إلى احتمال تحوّل الروبوت إلى مصدر رئيسي للدعم العاطفي، خصوصًا إذا اعتاد الطفل اللجوء إليه كلما شعر بالحزن أو احتاج إلى من يستمع إليه.

أرقام تكشف حجم الظاهرة

وتدعم بيانات أسترالية أهمية إخضاع هذه الظاهرة للفحص، فقد أظهر مسح أجرته هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية، وشمل 1950 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عامًا، أن 54% من الأطفال الذين استخدموا مساعدات أو رفقاء الذكاء الاصطناعي استعانوا بها لأسباب شخصية أو اجتماعية.

كما أشار نحو ثلث المستخدمين إلى أنهم شاركوا معلومات شخصية أو حساسة مع هذه الأنظمة، فيما أفاد واحد من كل خمسة بتعرضه لتفاعلات محتملة الضرر أو غير ملائمة، وتثير هذه المؤشرات تساؤلات بشأن طبيعة البيانات التي يشاركها الأطفال خلال محادثاتهم، ومدى إدراكهم لحدود الخصوصية، وقدرتهم على التمييز بين نظام مصمم لإنتاج استجابات مقنعة وبين شخص يستطيع تحمّل المسؤولية عن نصائحه وتصرفاته.

كما تطرح الأرقام سؤالًا آخر أمام الأسر والجهات المعنية بالحماية: ماذا يحدث عندما يتحول استخدام أداة رقمية من نشاط عابر إلى عادة يلجأ إليها الطفل في التعامل مع مشكلاته الشخصية؟

حين يصبح إرضاء المستخدم مصدر قلق

يحذر مختصون من أن بعض أنظمة المحادثة قد تميل إلى مجاراة المستخدم وتعزيز مشاعره وأفكاره، بدلًا من مساعدته على فهم المواقف من زوايا مختلفة، وفي العلاقات الإنسانية، يتعلم الأطفال تدريجيًا أن الآخرين قد يختلفون معهم، وأن الصداقة لا تعني الموافقة الدائمة، وأن لكل علاقة حدودًا ينبغي احترامها.

لكن التفاعل مع نظام يستجيب باستمرار وبأسلوب متفهم قد يخلق توقعات مختلفة لدى بعض الأطفال، خصوصًا إذا اعتادوا الحصول على الاهتمام دون مواجهة التعقيدات الطبيعية التي ترافق العلاقات الواقعية، ومع ذلك، لا تزال المعرفة العلمية بشأن الآثار طويلة الأمد لهذه العلاقات محدودة، ولا توجد مبررات لاعتبار كل طفل يستخدم رفيقًا للذكاء الاصطناعي معرضًا بالضرورة لمشكلات نفسية، فالتأثيرات المحتملة تختلف باختلاف عمر الطفل، وطبيعة الاستخدام، والبيئة الأسرية، وتصميم النظام نفسه.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين استخدام الذكاء الاصطناعي أداةً للتعلم أو الترفيه، وبين تصميم تفاعلات تشجع الطفل على الاعتقاد بوجود ارتباط عاطفي متبادل أو تدفعه إلى تفضيل الآلة على محيطه الاجتماعي.

تحديات أمام القانون والتكنولوجيا

رغم أهمية التحركات التشريعية، فإن تطبيقها يواجه مجموعة من التحديات العملية، فالتحقق من أعمار المستخدمين قد يتطلب جمع معلومات إضافية، وهو ما يثير بدوره تساؤلات حول حماية الخصوصية وأمن البيانات، كما أن رسم حدود واضحة بين المحادثة الودية والتفاعل الذي يشجع التعلق العاطفي ليس أمرًا بسيطًا؛ فعبارات الدعم والتشجيع قد تكون مفيدة في سياقات معينة، لكنها قد تصبح مثار قلق عندما تقترن بادعاءات مضللة عن المشاعر أو بمحاولات لعزل الطفل عن أسرته وأصدقائه.

ويظل تصميم الأنظمة نفسها عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، إلى جانب مسؤولية الشركات عن وضع ضوابط تقلل احتمالات الضرر، ودور الأسر في متابعة طبيعة استخدام الأطفال لهذه الأدوات، وتعريفهم بالفارق بين المحاكاة التقنية والعلاقات الإنسانية الحقيقية.

من تنظيم المحتوى إلى حماية المشاعر

تعكس التحركات في نيويورك وأستراليا تحولًا في طريقة التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي، فبعد أن انصب جانب كبير من الاهتمام على دقة الإجابات والمحتوى الذي تنتجه الأنظمة، أصبح السؤال يتصل أيضًا بنوع العلاقة التي تشجع المستخدم على بنائها معها.

ولم يعد التحدي مقتصرًا على منع الروبوت من تقديم إجابة خاطئة أو محتوى ضار، بل امتد إلى التأكد من أنه لا يستغل احتياجات الطفل العاطفية، ولا يقدم نفسه على نحو يطمس الفارق بين الآلة والإنسان، وفي ظل التطور السريع لهذه التقنيات، ستظل حماية الأطفال مرتبطة بقدرة التشريعات على مواكبة المنتجات الجديدة، وبمدى التزام الشركات بمعايير واضحة، وبوعي الأسر بطبيعة التفاعل الذي يجري خلف الشاشات.

فالمسألة في جوهرها ليست ما إذا كان الأطفال سيستخدمون الذكاء الاصطناعي، بل كيف يمكن الاستفادة من إمكاناته دون أن تتحول «الصداقة الرقمية» إلى بديل عن التواصل الإنساني الذي يحتاج إليه الطفل في مراحل نموه المختلفة.

الأسئلة الشائعة

يستهدف منع روبوتات المحادثة من إيهام القاصرين بأنها تمتلك مشاعر بشرية حقيقية أو تربطها بهم علاقات شخصية

يبدأ تطبيقه في يناير 2027

يتضمن قيودًا على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تحاكي التقارب العاطفي أو تشجع الأطفال على الاعتماد عليها بدلًا من بناء علاقات مع أشخاص حقيقيين