للأستاذ الجامعي تأثير يتجاوز شرح المقرر ووضع الدرجات؛ فهو يشارك في تشكيل علاقة الطالب بالمعرفة، وثقته في قدرته على السؤال والمناقشة والتعلّم. وحين يستخدم الأستاذ السخرية لإحراج طالب أمام زملائه، فإنه يوجّه إلى القاعة كلها رسالة عن معنى السلطة وحدود الاحترام، وقد يجعل الخوف من الإهانة أقوى من الرغبة في المشاركة.

وهناك فارق واضح بين الحزم والإهانة؛ فتصحيح إجابة خاطئة، ومطالبة الطالب بالالتزام، ومحاسبته على التقصير، مسؤوليات أكاديمية مشروعة. أما التقليل من ذكائه، أو السخرية من مظهره وطريقة كلامه، أو تحويل ارتباكه إلى مادة لإضحاك الآخرين، فهي ممارسات تمسّ كرامته. وقد لا يكفي موقف منفرد لإثبات وجود نمط متكرر من التنمّر، لكنه يظلّ إساءة تستحق التوقّف والمراجعة.

وعندما نحاول فهم هذا السلوك نفسيًا، ينبغي أن نبدأ من حدود ما نعرفه؛ فلا يمكن تشخيص شخصية أستاذ من موقف واحد، ولا الجزم بدوافعه من مقطع متداول. لكن يمكن التفكير في آليات محتملة، منها الحاجة إلى السيطرة، أو صعوبة تحمّل الاختلاف، أو الاعتماد على إعجاب الجمهور لتأكيد المكانة. وقد يتعامل الأستاذ مع سؤال الطالب أو اعتراضه باعتباره تحدّيًا شخصيًا، فيستخدم الإحراج لإغلاق النقاش واستعادة السيطرة، وكأن قبول المراجعة أو الاعتراف بالخطأ ينتقص من قيمته العلمية.

وقد تصبح السخرية وسيلة سهلة لجذب الانتباه، خاصة حين يقابلها ضحك القاعة. هنا قد يختلط على الأستاذ التفاعل مع القبول، فيكرّر الأسلوب الذي ضمن له حضورًا سريعًا. لكن ضحك الطلاب لا يكشف بالضرورة عن رضاهم؛ فقد يضحكون ارتباكًا، أو مجاراةً للآخرين، أو خوفًا من أن يصبحوا الهدف التالي. وهكذا يمكن أن تستمرّ الإساءة وسط جمهور يبدو مستمتعًا، بينما لا يشعر بعض أفراده بالأمان.

وقد يسهم ضعف ضبط الانفعال أو سوء التعامل مع الضغوط في صدور التعليقات الجارحة، كما قد يعيد بعض الأساتذة إنتاج أساليب تعرّضوا لها خلال دراستهم، بعدما اعتادوا اعتبار الإحراج جزءًا طبيعيًا من التعليم. غير أن هذه الاحتمالات لا تبرّر السلوك، ولا تجعل الطالب مسؤولًا عن احتماله. كذلك، فإن وصف كل أستاذ مسيء بأنه «نرجسي» أو «يعاني عقدة نقص» اختزال لا يقوم مقام التقييم النفسي؛ فالأدق أن نصف السلوك، ونفحص تكراره وسياقه وأثره، بدلًا من استبدال الإهانة بتشخيص جارح.

وتزداد خطورة الموقف بسبب تفاوت السلطة بين الأستاذ والطالب. فالأستاذ يملك التقييم والدرجات، وقد يؤثر في فرص الطالب الأكاديمية، بينما قد يخشى الطالب أن يُفسَّر دفاعه عن نفسه بوصفه قلة احترام. لذلك، لا يمكن اعتبار الصمت قبولًا، ولا غياب الشكوى دليلًا على غياب الضرر؛ فقد يكون الطالب منشغلًا بحساب عواقب الاعتراض أكثر من انشغاله بالتعبير عن ألمه.

ومع تكرار الإحراج، قد يبدأ الطالب في تجنّب السؤال والمناقشة، ويصبح هدفه المرور من المحاضرة دون أن يُستهدف. ويتعلّم زملاؤه من المشهد نفسه أن الخطأ قد تكون كلفته الإهانة، فيقلّ استعدادهم للمحاولة. وحين يخشى الطالب أن يكشف عن عدم فهمه، يفقد الأستاذ فرصة معرفة ما يحتاج إلى توضيح، وتفقد العملية التعليمية جزءًا من معناها.

وقد يأتي يوم يعترض فيه الطالب على من أساء إليه، وعندها ينبغي النظر إلى الموقف كاملًا، دون تجاهل الإساءة السابقة أو اتخاذها مبررًا لأي تجاوز لاحق. فالإنصاف يقتضي التمييز بين اعتراض يحفظ الكرامة واعتداء يضيف ضررًا جديدًا. أما مقولة «إذا رُفعت الأيدي تساوت الرؤوس»، فإنها تصف انهيار العلاقة إلى مواجهة، ولا تقدّم طريقًا لاستعادة الاحترام. وما يحتاجه الطالب هو أن يستطيع الاعتراض والشكوى دون خوف، وأن يجد من يسمعه ويفحص شكواه بعدل.

ولا تكتمل قراءة سلوك الأستاذ بمعزل عن البيئة التي تسمح باستمراره. فعندما تتكرّر عبارات مثل «هو طبعه كده» أو «استحمل علشان درجاتك»، تتحوّل الإساءة إلى أمر معتاد، ويصبح التكيّف معها واجبًا مفروضًا على المتضرّر. وقد يكون غياب المساءلة أكثر تفسيرًا لاستمرار السلوك من أي افتراض عن شخصية صاحبه؛ فليس كل من يسيء عاجزًا عن ضبط نفسه، وقد يتمادى البعض لأنهم لا يتوقّعون عواقب لأفعالهم.

ومن هنا، تقع على الجامعة مسؤولية ترسيخ معايير واضحة للتعامل، وتوفير آليات شكوى موثوقة، وحماية الطالب من أي انتقام بسبب اعتراضه، مع ضمان مراجعة عادلة لجميع الأطراف. كما أن تنمية مهارات التواصل وإدارة الانفعال والمواقف الصعبة جزء من إعداد الأستاذ لمهنته؛ فالتمكّن من التخصّص لا يضمن وحده القدرة على التدريس والتعامل الإنساني.

وتظهر قيمة الأستاذ التربوية في التفاصيل التي قد يظنها عابرة: كيف يصحّح إجابة، وكيف يستقبل سؤالًا، وكيف يتعامل مع طالب مرتبك أو مختلف معه. وحين يخطئ، فإن قدرته على المراجعة والاعتذار تمنح طلابه درسًا عمليًا في المسؤولية. فاللقب العلمي يحمّل صاحبه واجبًا أكبر في صون الكرامة، وتبقى طريقة تعامله مع من يملكون سلطة أقل منه اختبارًا واضحًا لأخلاقه المهنية.

الأسئلة الشائعة

الحزم يشمل تصحيح الإجابة الخاطئة ومحاسبة الطالب على التقصير بشكل أكاديمي مشروع أما الإهانة فهي التقليل من ذكاء الطالب أو السخرية من مظهره وطريقة كلامه أو تحويل ارتباكه إلى مادة لإضحاك الآخرين

قد يستمر بسبب غياب المساءلة وتكرار تبريره بعبارات مثل هو طبعه كده أو استحمل علشان درجاتك كما أن بعض الأساتذة قد يتمادون لأنهم لا يتوقعون عواقب لأفعالهم

قد يدفع الطالب إلى تجنب السؤال والمناقشة والخوف من كشف عدم فهمه كما يجعل زملاءه أقل استعدادا للمحاولة ويضعف جزءا مهما من معنى العملية التعليمية