جبران ذلك الصومعة التي نهرب إليها كلما اشتد الواقع المأزوم، جبران فتى الأدب الأول، الذي صب معاناته في كؤوس من أثير، وأجلسنا في حضرته بين جفنات العنب، جبران شفاف الروح، الحر، المتمرد، جبران الذي يجذبنا إلي روحه جذبا دون إذن مسبق، غير أنني كلما تأملت علاقته بمي زيادة، وجدت نفسي أمام سؤال لا تجيب عنه بلاغة رسائله إليها، هل كان جبران عاشقا استثنائيا حقا؟ أم أنه أتقن صناعة الحب بالكلمات أكثر مما أتقن اعتناقه في الواقع؟ وهل يمكن إعلان الحرب على الصورة الرومانسية الكلاسيكية التي صنعتها الذاكرة الثقافية لهذه العلاقة؟ هذه ليست حربًا على أدب جبران، بل مساءلة للرجل الذي توارى خلف النص، وللفجوة التي تفصل بين ما يقوله العاشق على الورق وما يفعله حين يصبح اللقاء ممكنا، أو حين يتطلب الحب قرارًا واعيًا، وتواجد على الأرض.
عشرون عاما من الرسائل ولا لقاء واحد !
“ما أجهل الناس الذين يحسبون أن المحبة تلدها المعاشرة الطويلة والمرافقة المستمرة. إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي، وإن لم يتم هذا التفاهم بلمحة واحدة، لا يتم في عام ولا في جيل كامل” جبران خليل جبران.
بدأت مراسلات جبران ومي في العقد الثاني من القرن العشرين، واستمرت سنوات طويلة قاربت الربع قرن حتى وفاة جبران في نيويورك عام 1931م. وكانت مي تعيش في القاهرة، بينما استقر جبران في الولايات المتحدة، جمعت بينهما الكتابة والاهتمام بالأدب، ثم اتخذت المراسلات منحى عاطفيًا جعلها واحدة من أشهر العلاقات في تاريخ الأدب العربي الحديث، ونشأ بينهما رابطًا روحيًا من نوع خاص، إذ قيل أن مي حين مات جبران في نيويورك تنبأت بوفاته في نفس اللحظة، بينما كانت تجلس في مكتبها بالقاهرة وقبل تداول الخبر، كما قيل أنه أخبرها برغبته في الزواج منها، لذا فإن الحقيقة التي يصعب تجاوزها أن جبران ومي، مهما بلغت درجة التقارب بينهما في الرسائل، لم يلتقيا وجها لوجه قط، ومات كل منها أعزب، و هنا يكمن التساؤل، والذي ربما يستحق نقاشا يتجاوز الانبهار المعتاد بعبارات الحب.
هل كانت شعلة أم رمادا طفئ توا !
في كتاب «الشعلة الزرقاء» جمعت مي رسائل جبران لها، بينما وعلى الضفة الأخرى لم يحتفظ جبران برسائل مي إليه ! ، المتأمل لهذه الرسائل يدرك مليا أن مي كانت ساحة جبران الخضراء للركض والاستلقاء، كانت الروح التي أفضى جبران إليها ما في جعبته من أفكار وكواليس لما وراء الأفكار، فكانا يشبهان عقلان يرقصان التانجو دون خلل في الخطوات، أرسل لها أعماله وأفكاره وجزء من روحه ، فكانت تحيكهم حدثا متفردا وكرنفال، وتكتب عنه في صحف المحروسة، فيقرأ عنه الناس أكثر ويعرفوه بعيون مي، خافت من الحب فطمئنها قائلا “لماذا تخافيه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين من البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟ … لا تخافي الحب يا ماري يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة”، فكان يدفعها نحو حبه بثقة، ناداها ” صغيرتي” وأخبرها كم يقدس رسائلها قائلا ” وأنت تعلمين أن جميع الرسائل تضمحل من أمام عيني عندما أتناول رسالة من محبوبتى الصغيرة” تشاكسا واختصما كحال المحبين فقال لها ” أنت أقرب الناس إلى روحي، أنت أقرب الناس إلى قلبي ونحن لم نتخاصم قط بروحينا أو بقلبينا” وفي كثير من رسائله إليها كان يتخيل مرافقتها نحو تأمل السماء، ويرسل قبلاته على جبينها وكفيها.
كتب عن المسافات ولم يهزمها
هل كان البعد الجغرافي بين مي وجبران دليلا على استثنائية العلاقة أم اختبارا عمليا لحقيقتها ؟ ….
هنا تحديدًا أختلف مع القراءة التي تتعامل مع البعد الجغرافي بين جبران ومي باعتباره دليلا على استثنائية حبهما، فالمسافة ليست فضيلة في ذاتها، وحرمان اللقاء لا يصبح دليلا على صدق العاطفة لمجرد أنه استمر سنوات، فقد تكون الرسائل وسيلة حقيقية للحب، وقد تتحول إلى مساحة آمنة يعبر فيها الإنسان عن أعمق مشاعره، لكن هناك فارقا بين أن يحب المرء شخصا يعرفه ويرى أبعاده ويلمس نواقصه، وبين أن يحب الصورة التي صنعها عنه في خياله، وبين أن يشتاق إلى إنسان، وأن يشتاق إلى الشعور الذي يمنحه إياه وجوده في عالمه الداخلي، فهل أحب جبران مي؟ أم أحب نفسه فيها؟ … هذا الاحتمال مطروح بقوة، فحقيقي أنه بنى معها حميمية لغوية وفكرية استثنائية، لكنه لم يخض اختبار اللقاء الذي كان يمكن أن ينقل العلاقة من عالم التوقعات إلى عالم الواقع، ولذلك فإذا وصفت جبران بالجبن العاطفي، في قراءتي هذه، فإن هذا ليس حكما على شجاعته في مجالات حياته الأخرى، وفي مواجهته للشرق كله بتمرده اللغوي والفكري، وإنما اتهام محدد في جانب محدد، لقد امتلك شجاعة الاعتراف، لكنه لم يقدم _ فيما نعرف من تاريخ العلاقة_ على الخطوة التي كان من شأنها اختبار هذا الاعتراف خارج الرسائل.
مي الاستثنائية
لم تكن مي فتاة خاوية ، مي زيادة كانت قيمة فكرية وأدبية، ولم تكن امرأة تنتظر فارس كلاسيكي على حصان أبيض يمنحها القيمة أو يكتشف لها وجودا، إذ كانت كاتبة ومثقفة وصاحبة صالون أدبي في القاهرة، امرأة واعية ذات طموح، صنعت لنفسها مكانا في الحياة الثقافية العربية، في زمن كانت فيه المرأة تواجه قيودا اجتماعية تحول دون مشاركتها المتكافئة في المجال العام، وامتلكت عالمها الخاص، بل أنها امتلكت عددا لا بأس به من المعجبين، ومن ثم لا يمكن اختزالها في صورة المرأة التي وقعت في حب أديب بعيد، كما أن اختزال علاقتها بجبران في كونها مجرد مصدر إلهام له يسلبها جانبا من استقلالها واختياراتها أيضا، فهي اختارت واعية أن تكون قطبا في هذه العلاقة، ورغم هذا كله تُظهر المراسلات المنشورة أن مي لم تكن دائما راضية عن طبيعة التواصل بينهما، ففي رسالة مؤرخة في 11 مارس 1925م، عبّرت عن خيبة أملها من تأخر رسائله، وتساءلت عما إذا كانت الكلمات القليلة التي تصلها منه تكفي لتعويض صمت طويل، هذه الشكوى تعكس أن العلاقة لم تأت في الإطار الذي انتظرته مي من جبران .
لكني أتساءل أيضا هل امرأة في حجم مي زيادة الفكري، وتملك ما تملكه من شجاعة أدبية هل لم تستطع أن تفرق بين الكلمات _على عذوبتها_ وبين الواقع المادي الملموس؟ أم أن مي فضلت أن تبقي التجربة بين طيات الورق، في صورتها الأفلاطونية بعيدة عن الحقيقة والواقع خوفا عليها من الفشل في الاختبار ؟ أم أنها أدركت أخيرا أنها أحبت رجلا لا يعرف للمبادرة و الإقدام سبيلا، ولا يرى في الحب سوى الكلمات التي قد يصنع منها مشروعًا أدبيًا براقًا.
مشاعر بلا مسؤولية (حب مع إيقاف التنفيذ)
امتلك جبران قدرة فائقة على تحويل التجربة الإنسانية إلى صورة شعرية، وهذه القدرة نفسها قد تجعل صاحبها أسيرا للجمال الكامل الذي يصنعه، فقد تصبح العاطفة في الكتابة أكثر اكتمالا من العاطفة الواقعية في الحياة، لأن النص يسمح لصاحبه بالانتقاء والتجميل والسيطرة على المشهد، ففي الرسالة يستطيع الإنسان أن يقترب بقدر ما يريد، وأن يبتعد حين يشاء، وأن يعيد صياغة ذاته قبل أن يرسلها إلى الآخر، أما اللقاء فيفرض شروطا مختلفة، حضورًا مُتبادلاً، واختلافًا حقيقيًا، ومسؤولية عن أثر الأفعال، واحتمال اكتشاف أن الإنسان الذي أحببناه في الخيال ليس مطابقا تماما للإنسان الذي نلقاه.
ربما وجد جبران في مي عقلاً يثير إعجابه، وروحًا أدبية حالمة تتجاوب مع عالمه، ونافذة تصل بينه وبين الثقافة العربية التي ظل مرتبطا بها، وربما أحبها حبًا مشوهًا، لم يدفعه إلى إعادة ترتيب حياته من أجل لقاء طوال عشرين عاما من التواصل الكتابي.
لا نستطيع الجزم بما كان يدور في داخله، ولا نملك حق تحويل الاحتمالات النفسية إلى حقائق تاريخية، لكننا نستطيع مساءلة العلاقة في ضوء ما نعرفه من سلوك صاحبها، وهنا أميل إلى القول إن جبران أحب مي بالطريقة التي تناسبه هو، حبا يمنحه القرب الروحي من دون أن يفرض عليه الحضور الجسدي، ويتيح له الاعتراف العاطفي من دون أن يضعه بالضرورة أمام استحقاقات العلاقة الواقعية، علاقة افتراضية دون أي التزامات حقيقية ، ومن جانبها كانت مي مسؤولة في هذه الديناميكية أيضا عن اختيارها ولم تكن هامشا في الرواية، بل فاعلا مؤثرا .
وفي محاولة الإجابة على سؤال يفرض نفسه، هل كان جبران جبانا في علاقته بمي؟ ربما نعم أميل إلى هذا الحكم، بشرط أن نفهمه بوصفه توصيفا نقديا لسلوكه العاطفي في هذه العلاقة، لا كحقيقة نفسية مثبتة ولا حكما شاملا على شخصيته فقد لا نملك دليلا يسمح بالقول إن جبران لم يحب مي إطلاقا، ولا يمكن الجزم بأنه تعمد استغلال مشاعرها من أجل تجربته الأدبية كحاجته للإلهام أو الشهرة في الشرق، لكنني لا أجد أيضا في جمال وعذوبة الرسائل وحده ما يكفي لإعلان براءته من مسؤولية الغياب الطويل لعشرون عاما دون لقاء، إذ كتب جبران لها مرارا عن القرب، فيما ظل اللقاء غائبا، فثمة تناقض واضح بين القول والواقع، صحيح أنه منح اللغة قدرة على اختصار المسافة، لكنه لم ينجح في تحويل هذه القدرة إلى حضور واقعي، وربما كانت له أسبابه التي لا نعرفها كاملة، غير أن الأسباب المحتملة لا تجعل النتيجة أقل وضوحا، علاقة استمرت سنوات، واحتلت مساحة كبيرة من المخيلة الأدبية، من دون أن تتحقق في لقاء واحد، لهذا أجد أن الحب المكتوب لا ينبغي أن يُدان لمجرد أنه مكتوب، لكنه لا ينبغي أيضا أن يُمنح حصانة من المساءلة لأنه صادر عن شاعر وأديب قل أن يأتي الزمان بمثله كجبران.
إن الرسائل قد تكون اعترافا صادقا، وقد تكون بديلا مريحا عن القرار، وقد تجمع الأمرين معا، والفارق لا تصنعه البلاغة وحدها، بل ما يستطيع الإنسان أن يقدمه حين تنتهي صلاحية الكلمات ويصبح الفعل مطلوب، أما مي، فلا يمكن ذكرها باعتبارها المرأة التي انتظرت جبران ولم يأت، بل امرأة امتلكت من الجرأة ما يكفي لتقول ما تشعر به، ومن العقل ما يكفي لتصوغ عالمها الفكري، ومن الاستقلال ما يجعلها أكبر من أن تُختزل في رسائل حب، لكن ماذا تفعل الشجاعة الأدبية إن امتلكها طرف في علاقة يقودها طرفان ! ، فربما إن بادرت مي نحو جبران بالسعي للقاء وإخراج هذا الحب من الورق نحو الحياة والواقع، خذلها بتردده أو عدم جاهزيته سوى لجميل الكلمات وعذوبة الأوصاف، وقد تكون هذه المواجهة حربة في صدرها آثرت ألا تتلقاها منه، وأن تظل تراه لوحة براقة في إطار ذهبي معلق على جدار قلبها.
وأخيرًا ربما كان جبران أقرب الأدباء لروحي على الإطلاق، وأكثرهم تعبيرا عن ذاتي في كثير من كتاباته، ولا يمنع هذا من أن نجرد هذه القصة من مثالية لا تتفق والمنطق، وقد آن الوقت لتفكيك بعض السرديات التاريخية الكلاسيكية بحيدة دون انحياز قدر المستطاع.
د.ياسمين السبع
عضو اتحاد المؤرخين العرب
المدير الإعلامي بمركز التاريخ العربي.
د. ياسمين السبع
العلاقة بينهما بدأت بالمراسلات في العقد الثاني من القرن العشرين واستمرت نحو ربع قرن، لكنها لم تتحول إلى لقاء وجها لوجه قط رغم الطابع العاطفي الذي حملته الرسائل
لا، النص يؤكد أنهما لم يلتقيا وجها لوجه قط، رغم طول سنوات المراسلات بين القاهرة ونيويورك حتى وفاة جبران عام 1931م
لأن الرسائل وحدها لا تكفي لإثبات صدق العاطفة أو استثنائية الحب، خاصة مع غياب اللقاء طوال سنوات طويلة وبقاء العلاقة في إطار الكلمات دون اختبار واقعي


