تخضع الصفقات التجارية لعائلة ترامب لتدقيق متزايد، في ظل توسع أقارب الرئيس دونالد ترامب وشركائه السياسيين في استثمارات تشمل العملات المشفرة، والذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الدفاع، وغيرها من القطاعات التي تتأثر بالسياسات الفيدرالية.
وأثار هذا التداخل المتزايد بين النفوذ السياسي والمصالح المالية الخاصة تساؤلات حول أخلاقيات العمل الحكومي، والشفافية، وطبيعة العلاقة بين الثروة والسلطة في واشنطن.
في مقال رأي نُشر في صحيفة “نيويورك تايمز”، سلط الصحفي نوح شاختمان الضوء على توسع المشاريع التجارية المرتبطة بعائلة الرئيس خلال فترة ولايته الثانية، مستعرضاً في الوقت ذاته المخاوف التي أبداها مشرعون ومستثمرون وباحثون سياسيون.
ثروة عائلة ترامب تتوسع في قطاعات ناشئة
تتجاوز الصفقات التجارية لعائلة ترامب -كما ورد في المقال- نطاق اهتماماتها التقليدية في قطاع العقارات.
وفقاً لتقديرات أشار إليها شاختمان، بلغت ثروة ترامب الشخصية نحو 7 مليارات دولار، مدعومة جزئياً بمشاريع في مجال العملات المشفرة. كما قدرت مجلة “فوربس” أن صافي ثروة إريك ترامب قد تضاعف عشر مرات في مرحلة ما.
من جانبه، توسع دونالد ترامب الابن في مجال رأس المال الاستثماري، لا سيما من خلال شركة “1789 كابيتال” (1789 Capital)، وهي شركة استثمارية لها مصالح في تكنولوجيا الدفاع، وعلوم الطيران والفضاء، وغيرها من القطاعات الناشئة.
وتشير التقارير إلى أن حجم الأصول التي تديرها الشركة ارتفع من 150 مليون دولار إلى أكثر من 1.7 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025.
وقد شملت محفظة استثمارات الشركة شركات مثل “أندوريل” (Anduril)، و”سبيس إكس” (SpaceX)، و”أكسيوم سبيس” (Axiom Space)، وإن كانت هذه الاستثمارات تمثل حصصاً أقلية لا تمنح سيطرة تشغيلية مباشرة.
وقد أثار هذا التوسع السريع تساؤلات حول ما إذا كانت العلاقات السياسية توفر مزايا تجارية لا تتاح للمنافسين الآخرين في السوق.
عقود البنتاجون تثير تساؤلات حول النفوذ السياسي
سعت عدة شركات مرتبطة بأفراد من عائلة ترامب للحصول على تمويل حكومي فيدرالي ضخم، أو نجحت بالفعل في الحصول عليه.
فقد أفادت تقارير بأن شركة “فاونديشن فيوتشر إندستريز” (Foundation Future Industries) -وهي شركة متخصصة في الروبوتات ويحظى إريك ترامب فيها بدور داعم- قد حصلت على عقد من البنتاجون بقيمة 24 مليون دولار لتطوير تكنولوجيا عسكرية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت ذاته، دخلت شركة “أنوال ماشينز” (Unusual Machines) -وهي شركة مصنعة لمكونات الطائرات المسيرة (الدرونز) ويعمل دونالد ترامب الابن مستشاراً لها- في مفاوضات للحصول على قرض من البنتاغون.
وفقاً للمقال، ارتفعت أسهم الشركة بنسبة 65% عقب أنباء عن تلك المناقشات، ثم صعدت بنسبة 26% إضافية بعد أن أعلنت الإدارة عن فرض تعريفات جمركية على المكونات المستوردة للطائرات المسيرة.
وتُظهر هذه التطورات كيف يمكن لقرارات المشتريات الفيدرالية والسياسات التجارية أن تؤثر على الشركات التي تربطها صلات بقادة سياسيين.
ومع ذلك، فإن وجود علاقات مالية وتحقيق نتائج سياسية مواتية لا يعني، بحد ذاته، ممارسة تأثير غير مشروع أو ارتكاب سلوك مخالف للقانون.
وقد نفى ممثلو عائلة ترامب تلقي أي معاملة تفضيلية، مؤكدين أن استثماراتهم تعكس فرصاً تجارية مشروعة.
شركة “دوميناري القابضة” وعمليات الاندماج العكسي تثير الاهتمام
من بين الصفقات التجارية لعائلة ترامب التي خضعت لتدقيق مكثف، تلك المتعلقة بشركة “دوميناري القابضة” (Dominari Holdings) -وهي شركة خدمات مالية يمتلك فيها دونالد ترامب الابن وإريك ترامب حصة إجمالية تبلغ حوالي 11%، وفقاً للتقارير.
ويشغل كلا الأخوين عضوية المجلس الاستشاري للشركة.
وقد ساعدت شركة “دوميناري للأوراق المالية” (Dominari Securities) في ترتيب عدة عمليات اندماج شركات غير تقليدية، شملت صفقات تتعلق بمصنعي طائرات مسيرة، وشركات تعمل في مجال العملات المشفرة، وأخرى تنشط في قطاعات غير مترابطة.
ومن الأمثلة على ذلك، اندماج شركة تدير ملاعب جولف في فلوريدا مع شركة متخصصة في الطائرات المسيرة العسكرية، لتشكيل كيان جديد يحمل اسم “باوروس” (Powerus).
وعقب هذا الإعلان، ارتفعت أسهم شركة ملاعب الجولف بنسبة 24% خلال التداولات، بينما قفز حجم التداول اليومي للأسهم من نحو 24 ألف سهم إلى أكثر من 28 مليون سهم.
وفي وقت لاحق، حصلت شركة “باوروس” على التزام تمويلي محتمل يصل إلى 90 مليون دولار من القوات الجوية الأمريكية، وذلك عبر إحدى الشركات التابعة لها.
ورغم الحماس الأولي في السوق، شهد سعر سهم الشركة لاحقاً تراجعاً كبيراً.
كما أشار مقال “شاختمان” إلى استثمار مرتبط بشركة “دوميناري” تضاعفت قيمته نحو عشر مرات، مما يبرز التباين في النتائج المالية التي حققها مستثمرون مختلفون.
ومن جانبهم، رفض مسؤولو “دوميناري” أي تلميحات بوجود تلاعب غير مشروع في السوق، وعزوا تحركات أسعار الأسهم إلى ظروف السوق الطبيعية.
مشاريع العملات المشفرة توسع الشبكة التجارية لعائلة ترامب خارج الحدود
كما أثارت الاهتمامات المتزايدة لعائلة ترامب في مجال العملات المشفرة الانتباه، نظراً لارتباطاتها بمستثمرين وحكومات أجنبية.
فقد طورت شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال” (World Liberty Financial) -وهي مشروع للعملات المشفرة يضم أفراداً من عائلة ترامب وأبناء المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف- علاقات تجارية على المستوى الدولي.
في عام 2025، زار ممثلون عن الشركة باكستان، حيث حظوا باستقبال رسمي وشاركوا في مناقشات تتعلق بالتكنولوجيا المالية.
وفي وقت لاحق، عاد ممثلو الشركة إلى إسلام أباد لإبرام اتفاقية تشمل الحكومة الباكستانية.
وقد نفت شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال” (World Liberty Financial) قيامها بأي دور في السياسة الخارجية الأمريكية أو في عملية صنع القرار الحكومي.
وتشير التقارير إلى علاقات بارزة أخرى، منها المعاملات الاستثمارية التي أجراها جاريد كوشنر مع صندوق الثروة السيادي للمملكة العربية السعودية، وترتيبات تجارية شملت أفراداً على صلة بمسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية.
وقد أدت هذه الأنشطة إلى تصاعد الجدل حول ما إذا كان القرب من القيادة الحكومية يخلق انطباعاً بوجود تضارب في المصالح.
البيت الأبيض يرفض مزاعم الحصول على منافع مالية غير مشروعة
رفضت إدارة ترامب وممثلون عن العائلة بشدة المزاعم القائلة بأن النفوذ السياسي قد وفّر منافع غير مشروعة لأعمالهم التجارية.
وأكد آلان غارتن، نائب الرئيس التنفيذي لمنظمة ترامب، أن العائلة كانت تسعى وراء استثمارات وعلاقات تجارية قبل فترة طويلة من تولي ترامب الرئاسة.
وبالمثل، نفت آنا كيلي، نائبة السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، مزاعم تضارب المصالح، مؤكدة أن الرئيس يعمل وفقاً للمصلحة العامة.
ويصف مؤيدو الاستراتيجية الاستثمارية للعائلة -التي تركز على التصنيع، وتكنولوجيا الأمن القومي، والصناعات الناشئة- هذا النهج بأنه شكل من أشكال “الرأسمالية الوطنية”.
في المقابل، يتساءل المنتقدون عما إذا كانت العلاقات الوثيقة بين المستثمرين وصنّاع السياسات تقوّض ثقة الجمهور في نزاهة المنافسة واستقلالية اتخاذ القرارات الحكومية.
تحقيقات في الكونجرس تستهدف شركات مرتبطة بترامب
أثارت الصفقات التجارية لعائلة ترامب اهتمام المشرعين من كلا الحزبين السياسيين الرئيسيين.
وقد طرح النائبان الديمقراطيان رو خانا وجيمي راسكين تساؤلات حول المعاملات المالية والتوسع السريع للشركات الاستثمارية المرتبطة بترامب.
كما دعا السيناتور الجمهوري جون كيرتس إلى تدقيق الأنشطة التجارية لدونالد ترامب الابن، معرباً عن مخاوفه بشأن تحقيق ثروات شخصية من خلال أفراد مقربين من الرئاسة.
وفي سياق منفصل، انضم النائب الجمهوري جون مولينار إلى خانا في المطالبة بمعلومات حول معاملات مرتبطة بشركة “دوميناري” (Dominari) شملت شركات صينية.
وتضمنت مخاوفهم مزاعم بأن بعض الشركات شهدت انخفاضاً حاداً في أسعار أسهمها بعد طرحها للاكتتاب العام، مما كبّد المستثمرين خسائر فادحة.
ومن جانبها، نفت “دوميناري” ما تنطوي عليه هذه المزاعم، موضحة أن المعاملات الصينية المعنية لا تمثل سوى جزء صغير من أعمالها. لا يعني التدقيق البرلماني بالضرورة وجود مخالفات، لكنه يعكس اهتماماً متزايداً بالشفافية المالية وتضارب المصالح المحتمل في الاستثمارات المرتبطة بشخصيات سياسية.
أشار المقال إلى أن ثروة ترامب الشخصية بلغت نحو 7 مليارات دولار، مدعومة جزئياً بمشاريع في مجال العملات المشفرة
امتدت استثمارات العائلة إلى العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الدفاع ورأس المال الاستثماري، إلى جانب صفقات مرتبطة بشركات ناشئة ومشاريع عسكرية
الجدل نابع من تداخل النفوذ السياسي مع المصالح المالية الخاصة، ومن تساؤلات حول الشفافية واحتمال استفادة الشركات المرتبطة بالعائلة من علاقاتها السياسية


