في يوم نصر السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن الهزيمة خيارًا، بل كانت شرارة الوعي التي أعادت صياغة التاريخ العربي والشرق أوسطي. خرج الأبطال من قلب العزيمة ليحطموا أوهام الجيش الذي لا يُقهر، ويسقطوا خط بارليف الخرافي، ويرسموا بدمائهم وأرواحهم لوحة خالدة عن إرادة لا تنكسر وعزيمة تجيد صُنع المستحيل.

إن نصر أكتوبر لم يكن مجرد معركة عسكرية ناجحة على خريطة المواجهات، بل كان عبورًا حضاريًا وإنسانيًا شيدته عقول رتبت، وأيدٍ خططت، وقلوبٌ آمنت بحقها المطلق في الأرض والكرامة. لقد أثبت المقاتل المصري أن القدرة على الفعل لا تُوهب، بل تُنتزع بالتعلم من العثرات، واستعادة الثقة بالنفس، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس علمية واستراتيجية صلبة.

كيف استعادت مصر قدرتها على الفعل بنصر السادس من أكتوبر المجيد؟

واليوم، نفتح ملفات هذا الإنجاز من منظور أكثر عمقًا، لنقرأ تفاصيل الملحمة بعيون التخطيط والرؤية الاستراتيجية.

اللواء دكتور محمد الدسوقى الخبير الاستراتيجى والمحلل السياسى
اللواء دكتور محمد الدسوقى الخبير الاستراتيجى والمحلل السياسى

ننتقل إلى رؤية وتحليل اللواء دكتور محمد الدسوقي الخبير الاستراتيجي والعسكري والأمني وأحد أهم خبراء العلوم العسكرية، ليجيبنا عن السؤال الأهم في تاريخنا الحديث، كيف استعادت مصر قدرتها على الفعل بنصر السادس من أكتوبر المجيد قائلا لـ” البوابة نيوز”:

بعد أكثر من نصف قرن على نصر السادس من أكتوبر 1973، تظل قيمة هذا الحدث أكبر من مجرد استعادة أرض احتلت أو تحقيق انتصار عسكري في ميدان القتال؛ فالمعنى الأعمق لأكتوبر يتمثل في قدرة الدولة المصرية على الانتقال من صدمة الهزيمة إلى بناء القوة، ومن رد الفعل إلى امتلاك المبادرة والمفاجأة، ومن فقدان الثقة إلى استعادة القدرة على الفعل.

وأوضح.. فالحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما بمنظومة متكاملة تبدأ بوضوح الهدف السياسي، وتمر ببناء القوة العسكرية، وإدارة الموارد، وتأمين الجبهة الداخلية، وتنتهي بقدرة القيادة على اختيار التوقيت والوسيلة المناسبين لتحقيق الهدف الوطني.

وتابع.. ومن هنا، فإن نصر أكتوبر لم يبدأ في الساعة الثانية من ظهر السادس من أكتوبر، بل بدأ قبل ذلك بكثير؛ بدأ باللحظة التي رفض فيها المصريون اعتبار هزيمة يونيو نهاية للصراع، فقد أعقبها بناء طويل وشاق للقوات المسلحة، وحرب استنزاف، وتطوير التخطيط والتدريب، ودراسة دقيقة للعدو، وصولًا إلى خطة نجحت في تحويل عناصر القوة المتاحة إلى قدرة حقيقية على تحقيق الهدف.

دروس أكتوبر

وأضاف.. ولعل أهم دروس أكتوبر أن استعادة الأرض بدأت باستعادة المصري لثقته في قدرته على الفعل، فالإنسان كان جوهر المعركة؛ المقاتل الذي اقتحم المانع المائي، والمهندس الذي ابتكر الحلول، والمواطن الذي تحمل أعباء المواجهة، والدولة التي أدارت مواردها في ظروف بالغة الصعوبة.

وأردف.. واليوم تختلف طبيعة التحديات والتهديدات على كافة الاتجاهات الاستراتيجية، لكن منطق المواجهة لم يتغير. فالأمن القومي لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بالسياسة والاقتصاد بما يشمله: المياه والغذاء والطاقة، والوعي المجتمعي، والتكنولوجيا والمعلومات، في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.

واستطرد.. ومن ثم، فإن الاحتفال الحقيقي بأكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على استدعاء أمجاد الماضي، وإنما على استدعاء منهج أكتوبر، تشخيص دقيق للتحدي أو التهديد، هدف واضح، تخطيط علمي، بناء للقدرات، تماسك للجبهة الداخلية، ثم إرادة لا تتراجع أمام صعوبة الطريق.

تحرير الإرادة

وأكد.. لقد كان أكتوبر معركة لتحرير الأرض، أما رسالته الممتدة فهي تحرير الإرادة من فكرة المستحيل؛ فالدول التي تعرف أهدافها، وتبني قوتها، وتثق في شعبها، تستطيع دائمًا أن تعبر، وقد عبرت مصر العديد من المرات التي لحقت عبور أكتوبر، وحققت العديد من الانتصارات.

وأختتم.. وفي هذه الذكرى المجيدة، نُحيّي أبطال أكتوبر الذين صنعوا النصر بإرادتهم وشجاعتهم، وننحني إجلالًا لشهدائها الأبرار الذين بذلوا أرواحهم لتستعيد مصر أرضها وكرامتها، ونُحيّي أسرهم التي قدمت للوطن أغلى ما تملك، ونتقدم بالتهنئة إلى مصر، قيادةً وجيشًا وشعبًا، مؤكدين أن الوفاء الحقيقي لهؤلاء الأبطال يكون بصون ما حققوه، والحفاظ على تماسك الدولة، ومواصلة العمل لبناء قوتها ومستقبلها. وستظل روح أكتوبر حاضرة في كل عبور مصري نحو الأمن والتنمية والتقدم؛ إرادة لا تنكسر، ووطنًا يعرف قدره ويملك القدرة على الفعل.

تحية إجلال وتقدير لرجال القوات المسلحة

ختامًا، تقتضي منا الذكرى المجيدة ألا نكتفي بالتغني بصفحات الماضي الخالدة، بل أن نستلهم من ملحمة السادس من أكتوبر منهجًا حيًا يُستضاء به في حاضرنا ومستقبلنا.

لقد كان عبور أكتوبر برهانًا قاطعًا على أن الأمة التي تمتلك الإرادة، وتعتمد التخطيط العلمي، وتثق في أبنائها، قادرة على تجاوز أعتى الأزمات وتحويل الصعاب إلى إنجازات تشهد عليها العصور.

إن رسالة هذا النصر العظيم تظل ممتدة ومتجددة؛ فكما تخطت مصر تحديات الأمس العسكرية ببراعة وحكمة، فإنها تخوض اليوم معارك بناء التنمية، وحماية الأمن القومي بمعناه الشامل، وترسيخ الاستقرار في عالم يعج بالتغيرات.

إن الوفاء الحقيقي لأبطال أكتوبر وشهدائه الأبرار لا يكون إلا بالعمل الدؤوب، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، والاستمرار في تعزيز قدرات الوطن ليظل شامخًا عزيزًا.

تحية إجلال وتقدير لرجال القوات المسلحة الذين يواصلون الليل بالنهار لحماية مقدرات الوطن، وكل التحية والاعتزاز لشعب مصر العظيم الذي يثبت دومًا أنه سند الدولة ودرعها المتين.

ستظل روح أكتوبر المضيئة هي المحرك والدافع نحو كل عبور جديد نحو التنمية والرخاء، ليظل اسم مصر عاليًا، وليبقى هذا الوطن دائمًا قادرًا على صنع مصيره بيده وامتلاك القدرة على الفعل.

الأسئلة الشائعة

المعنى الأعمق يتمثل في انتقال الدولة المصرية من صدمة الهزيمة إلى بناء القوة ومن رد الفعل إلى امتلاك المبادرة والمفاجأة واستعادة القدرة على الفعل

يرى أن النصر بدأ قبل يوم العبور نفسه عبر بناء طويل وشاق للقوات المسلحة وحرب الاستنزاف وتطوير التخطيط والتدريب ودراسة العدو حتى تحولت عناصر القوة المتاحة إلى قدرة حقيقية على تحقيق الهدف

أبرز الدروس هي استعادة الثقة في القدرة على الفعل واعتبار الإنسان جوهر المعركة مع ضرورة التخطيط العلمي وبناء القدرات وتماسك الجبهة الداخلية والإرادة التي لا تتراجع