منذ ثلاثة أعوام، وفي نفس التوقيت، كتبت عن عامي الثلاثين عندما أتممته، وتحدثت عن مرحلة جديدة تبدأ في حياتي مع بداية عقد جديد من عمري.. وبعد مرور ثلاثة أعوام، أكتب اليوم بعد إتمامي ثلاثة وثلاثين عامًا، مستعرضًا بعض النقاط المهمة التي كشفت لي عنها تجارب الحياة، وأضافت إلى فكري مزيدًا من النضج، وإلى رؤيتي للأمور مزيدًا من العمق والوعي.
الأعوام لا تمر من أعمارنا فحسب، بل تترك في نفوسنا وعقولنا دروسًا وتجارب تشكل شخصياتنا وتغير نظرتنا إلى الحياة من حولنا.. بعد مرور ثلاثة أعوام، أدركت قيمة الوقت أكثر؛ لأن السنين تجري في لمح البصر وبسرعة لا نتخيلها.. قيمة الوقت التي يجب أن نستخدمها في صناعة أجمل اللحظات التي تبقى كذكريات خالدة في المستقبل، يجب أن نستغلها أيضًا في زرع ما نريد حصاده في المستقبل.. ما نضع له اليوم حجر أساس ونؤسسه سنتحمل نتائجه في المستقبل، لذلك زادني هذا مزيدًا من التروي والتأني والحكمة.
في مقال الثلاثين تحدثت عن العلاقات العميقة والمستمرة بدلًا من العلاقات العابرة.. في الثالثة والثلاثين، جعلني النضج أدرك جيدًا أن ليس كل من يقترب منك يستحق أن يبقى، وليس كل من يبتعد عنك يمثل خسارة.. فالعلاقات العميقة ليست كلها مستمرة ومثمرة، بل هناك من يعمق علاقاته لمصلحة ما، وهناك من يبتعد ليعود أفضل من السابق، وقد يكون البعد مكسبًا مع بعض الحالات والأشخاص.
ومن الدروس التي خرجت بها خلال هذه السنوات أن الحماس وحده لا يكفي لإنجاح أي مشروع، سواء كان مهنيًا أو اجتماعيًا.. فقد رأيت كيف أن بعض من تسرعوا في إنشاء مشروعاتهم واندفعوا بحماس كبير نحو تنفيذ أفكارهم انتهت تجاربهم بالفشل، ليس بالضرورة لضعف أفكارهم أو نقص إمكانياتهم، وإنما لعدم استقرائهم للواقع ومتغيراته بشكل جيد، ولعدم دراسة الظروف المحيطة بصورة كافية قبل اتخاذ خطواتهم.
تعلمت أن فترات الركود والهدوء التي قد يظنها البعض سنوات ضائعة أو أوقاتًا بلا إنجاز، يمكن أن تكون من أكثر الفترات قيمة إذا أحسن الإنسان استغلالها.. فقد وجدت في هدوء بعض مراحل حياتي فرصة للدراسة والبحث والتحليل وإعادة تقييم الأفكار والخطط، والنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة قبل الإقدام على أي خطوة جديدة.. وأدركت أن ساعات الفراغ ليست دائمًا وقتًا مهدورًا، بل قد تكون نعمة تمنح عقولنا المساحة الكافية للتفكير والتعلم والتخطيط، بعيدًا عن ضجيج الانشغال المستمر.
ومن الأمور التي أدركت أهميتها أيضًا ألا ننشغل بالتخطيط للمستقبل إلى الحد الذي يجعلنا نغفل عن الاستمتاع بالحاضر.. فكما أن علينا أن نزرع اليوم لنحصد غدًا، علينا أيضًا أن نستمتع بما نملكه الآن، وأن نقدر النعم والأشخاص واللحظات الجميلة في حياتنافلا نؤجل سعادتنا إلى حين تحقيق أهدافنا، ولا نربط شعورنا بالرضا بالوصول إلى محطة معينة، فالحياة ليست مجرد أهداف نسعى لتحقيقها، وإنما رحلة تستحق أن نعيش تفاصيلها ونستمتع بمحطاتها.
وفي النهاية، أشعر أن مرحلة التهيؤ والإعداد التي استغرقت وقتًا من حياتي، بما حملته من دراسة وبحث وتحليل ومراجعة للأفكار والخطط، قد أوشكت على الانتهاء، وأن عهد التنفيذ والانطلاق نحو تحقيق ما تم الإعداد له سيبدأ قريبًا بإذن الله.. فلكل مرحلة توقيتها، وليس المهم أن نسرع في الوصول، وإنما أن نصل ونحن أكثر استعدادًا ووعيًا بوجهتنا.. فلا أحد يتأخر عن موعده، وإنما لكل إنسان توقيته الخاص الذي يبرز فيه، ويحقق أحلامه، ويصل فيه إلى ما يسعى إليه.. أما العمر والوقت، فهما وإن كانا أرقامًا تُحسب بالسنوات، فإن قيمتهما الحقيقية فيما نملكه من شغف وطموح وروح متجددة لا تعرف الاستسلام.
يستعرض ما تعلمه بعد إتمامه 33 عامًا من دروس التجارب والنضج وقيمة الوقت والعلاقات والعمل الهادئ قبل الانطلاق
قال إنه أدرك قيمة الوقت أكثر لأن السنين تمر بسرعة كبيرة وأنه يجب استغلالها في صنع لحظات جميلة وزرع ما يريد حصاده مستقبلًا
ذكر أن مرحلة التهيؤ والإعداد أوشكت على الانتهاء وأن عهد التنفيذ والانطلاق نحو ما تم الإعداد له سيبدأ قريبًا بإذن الله


