لم تعد المنافسة العلمية بين الولايات المتحدة والصين مقتصرة على حجم الاستثمارات أو عدد براءات الاختراع، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها استقطاب العقول، في وقت تواجه فيه المنظومة البحثية الأميركية واحدة من أصعب فتراتها، مع تراجع التمويل وخروج أعداد كبيرة من العلماء والباحثين من المؤسسات الفيدرالية، وسط تغييرات واسعة فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على سياسات البحث العلمي.
وبينما تسعى واشنطن إلى تعزيز تفوقها في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة النووية والدفاع، تثير الإجراءات التي طالت المؤسسات البحثية مخاوف متزايدة من إضعاف القاعدة العلمية التي قامت عليها القوة التكنولوجية الأميركية لعقود، وفتح المجال أمام منافسين دوليين، وفي مقدمتهم الصين، للاستفادة من هذا التراجع.
فاتورة سياسية يدفعها البحث العلمي
كشفت الأرقام الواردة في تحقيق وفقا الي صحيفة «نيويورك تايمز» عن حجم الضغوط التي تعرضت لها المؤسسات العلمية الأميركية؛ إذ فقدت وزارة الطاقة أكثر من ألف عالم وفني، فيما حجبت المؤسسة الوطنية للعلوم تمويلات تتجاوز مليار دولار، وتأجلت أو ألغيت أكثر من ألفي منحة بحثية في معاهد الصحة الوطنية، شملت مشروعات تتعلق بأمراض خطيرة مثل السرطان والزهايمر.
ولم تتوقف التداعيات عند تقليص التمويل، بل امتدت إلى مختبرات الأبحاث الدفاعية، التي فقدت نسبة كبيرة من موظفيها، بحسب تقرير للبنتاجون صدر خلال الصيف، محذرًا من عواقب محتملة وخطيرة على مستقبل الأمن القومي الأميركي.
وتشير هذه التطورات إلى أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف بشأن أولويات الإنفاق الحكومي، وإنما باتت تمس قدرة المؤسسات الأميركية على الاحتفاظ بالخبرات العلمية وتطوير مشروعات طويلة الأجل.
3 مسارات تعيد تشكيل المشهد العلمي الأميركي
ترتبط الضغوط التي تواجه البحث العلمي بثلاثة مسارات رئيسية في سياسات إدارة ترامب؛ أولها تقليص الوظائف والمنح الحكومية، وهي إجراءات ارتبطت بحملة خفض الإنفاق التي قادتها هيئة الكفاءة الحكومية بقيادة إيلون ماسك.
أما المسار الثاني، فيتمثل في الضغط على الجامعات والمؤسسات البحثية من خلال خفض التمويل، في إطار خلافات تتعلق بالسياسات التي تتبناها تلك المؤسسات.
ويأتي المسار الثالث عبر توجهات مكتب الإدارة والميزانية، بقيادة راسل فوت، لتعزيز الرقابة السياسية على أوجه إنفاق الأموال الفيدرالية، بما يثير تساؤلات حول حدود استقلالية المؤسسات العلمية في تحديد أولوياتها البحثية.
ويرى منتقدو هذه السياسات أن تداخل الاعتبارات السياسية مع التمويل العلمي قد يضعف قدرة الباحثين على العمل بحرية واستقرار، خصوصًا في المجالات التي تحتاج إلى سنوات طويلة من التجارب والتطوير.
الجامعات الأميركية تفقد جاذبيتها للباحثين الشباب
لم تقتصر آثار الأزمة على المختبرات والوكالات الحكومية، بل وصلت إلى الجامعات، التي بدأت تواجه صعوبات في التخطيط لبرامجها البحثية والأكاديمية في ظل حالة عدم اليقين بشأن التمويل الفيدرالي.
ووفق بيانات رابطة الجامعات الأميركية، تراجعت طلبات التقدم لبرامج الدكتوراه المقدمة من الطلاب الأجانب بنسبة 21% هذا العام في الجامعات الرائدة، بالتزامن مع انخفاض إجمالي أعداد المقبولين في هذه البرامج.
ويمثل هذا التراجع تحديًا إضافيًا للولايات المتحدة، التي اعتمدت لسنوات على استقطاب الباحثين والطلاب الدوليين لتغذية مختبراتها ومراكزها البحثية بالخبرات والمواهب الجديدة.
وتزداد خطورة المشهد مع امتداد تقليص الموارد إلى قطاعات تعدها الإدارة الأميركية نفسها من أولوياتها الاستراتيجية، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة النووية والدفاع.
الصين تقترب.. والمنافسون يستغلون الفرصة
وفي المقابل، تتقدم الصين بخطوات متسارعة في مجال البحث العلمي، بعدما أصبحت جامعاتها تنافس المؤسسات الأميركية الكبرى في بعض التصنيفات الدولية، فيما تشير تحليلات شركة «كلاريفيت» إلى وصول تأثير الأبحاث الصينية، وفق مقياس الاستشهادات العلمية، إلى مستوى مماثل لنظيره الأميركي.
ولا تقتصر الاستفادة من التراجع الأميركي على بكين، إذ تحاول دول أخرى تحويل الأزمة إلى فرصة لاستقطاب الكفاءات التي قد تغادر الولايات المتحدة.
فقد أطلقت أستراليا برنامجًا لجذب المواهب العالمية، مقدمة إياه باعتباره فرصة لاستقطاب العقول العلمية التي تغادر المؤسسات الأميركية.
كما خصصت كندا أكثر من مليار دولار لاستقطاب ألف باحث دولي، ونجحت في جذب أسماء علمية أميركية بارزة في تخصصات من بينها الكيمياء الحيوية وعلم الأعصاب.
أما الصين، فرغم الانتقادات المرتبطة بمستوى الحريات الأكاديمية فيها، فقد دخلت هي الأخرى سباق استقطاب الباحثين، مستفيدة من الفرص التي أتاحتها التغيرات في البيئة البحثية الأميركية.
ومن أبرز المؤشرات على ذلك انتقال أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الكيمياء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي إلى إدارة معهد في بكين، يعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف مواد جديدة، في مجالين يمثلان جزءًا من طموحات إدارة ترامب التكنولوجية.
العلم استثمار طويل الأجل.. والخسائر قد تظهر متأخرة
تكمن خطورة تقليص الإنفاق البحثي في أن نتائجه لا تظهر بالضرورة بصورة فورية، فالأبحاث الأساسية التي تمولها الحكومات قد تستغرق عقودًا قبل أن تتحول إلى ابتكارات تكنولوجية أو علاجات طبية تغير حياة البشر.
وتقدم التجربة الأميركية نماذج واضحة على ذلك؛ فقد أسهمت أبحاث الساعات الذرية التي بدأت في أواخر أربعينيات القرن الماضي في تمهيد الطريق لتطوير نظام تحديد المواقع العالمي «GPS»، كما قادت أبحاث ممولة فيدراليًا عام 1976 بشأن أصول الجينات المسببة للسرطان إلى اكتشافات علمية مهمة، أسهمت لاحقًا في تطوير أدوية منقذة للحياة.
كذلك تعود الجذور المبكرة لتطور الذكاء الاصطناعي إلى أبحاث أميركية في ثمانينيات القرن الماضي، ساعدت الشبكات العصبية على التعلم من الأخطاء، لتصبح هذه التقنيات لاحقًا من أبرز محركات الاقتصاد العالمي.
وحذرت مارسيا ماكنوت، الرئيسة السابقة للأكاديمية الوطنية للعلوم، من أن العلم يحتاج إلى استمرارية طويلة الأمد، معتبرة أن فقدان الولايات المتحدة قدرتها على تحقيق إنجازات علمية كبرى، مثل جوائز نوبل، قد يعني تراجع قدرتها على استعادة مكانتها مستقبلًا.
البيت الأبيض: إصلاح المؤسسات وليس إضعاف العلم
في المقابل، رفض البيت الأبيض والبنتاجون وعدد من الوكالات العلمية الاتهامات بأن سياسات الإدارة تعرقل التقدم العلمي، مؤكدين أن الهدف هو إعادة هيكلة المؤسسات البحثية وتوجيه التمويل نحو الأولويات الوطنية.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هيوستن، إن الرئيس ترامب يسعى إلى تدشين عصر جديد للعلوم الأميركية من خلال تحديث المؤسسات البحثية، والتركيز على المهام الوطنية الطموحة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تسريع الاكتشافات العلمية.
كما دافعت الإدارة عن سياساتها المتعلقة بالتمويل والوظائف، مشيرة إلى توسيع بعض البرامج المخصصة لدعم الباحثين الشباب، وأن معظم العلماء الذين غادروا الوظائف الفيدرالية لم يُفصلوا، وإنما تركوا مواقعهم طواعية.
وفيما يتعلق بتراجع أعداد المقبولين في برامج الدكتوراه، قال البيت الأبيض إن قرارات تقليص القبول اتخذتها الجامعات نفسها، بينما ربطت رابطة الجامعات الأميركية هذه الخطوات بحالة عدم اليقين بشأن التمويل الحكومي.
معركة العقول.. الرهان الحقيقي على المستقبل
تكشف التطورات أن التنافس العلمي لم يعد يدور فقط حول حجم الموازنات أو عدد المؤسسات البحثية، وإنما حول قدرة الدول على توفير بيئة مستقرة تجذب العلماء وتحافظ على استقلالية البحث وتمنح المشروعات العلمية الوقت اللازم للنضج.
وبينما تراهن إدارة ترامب على إعادة توجيه المنظومة العلمية الأميركية وفق أولوياتها، تتحرك دول أخرى لاقتناص الكفاءات والخبرات التي قد تغادر الولايات المتحدة.
وتبقى المفارقة أن واشنطن قد تجد نفسها أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على ريادتها في المجالات التكنولوجية التي تسعى إلى الهيمنة عليها، وفي الوقت نفسه منع انتقال العقول التي صنعت هذه الريادة إلى مراكز علمية منافسة، بما قد يجعل معركة استعادة التفوق أكثر صعوبة وتكلفة في السنوات المقبلة.
القلق مرتبط بتراجع التمويل وخروج عدد كبير من العلماء والباحثين من المؤسسات الفيدرالية وتأجيل أو إلغاء منح بحثية مهمة ما قد يضعف القاعدة العلمية الأمريكية
التأثير جاء عبر تقليص الوظائف والمنح الحكومية وخفض التمويل للجامعات والمؤسسات البحثية وزيادة الرقابة السياسية على إنفاق الأموال الفيدرالية
الصين تتقدم علميًا وتستقطب الباحثين مستفيدة من التغيرات داخل الولايات المتحدة كما تحاول أستراليا وكندا جذب الكفاءات العلمية الأمريكية ببرامج وتمويل مخصص


