في ليالي رمضان، قبل أن يشق الفجر سكون الأحياء القديمة، يرتفع صوت يعرفه المصريون منذ ستة عقود: «اصحى يا نايم». يتمايل النداء بين الأزقة، وتتشابه الأجيال في سماعه من دون أن تسأل غالبا عن الرجل الذي كتب كلماته. هو شاعر قضى سنوات من عمره خلف القضبان، وخرج منها بلغة شعرية جعلت من «المسحراتي» عنوانا للوعي الشعبي وليس مجرد طقس رمضاني. يصادف اليوم الأول من نوفمبر الذكرى الحادية والأربعين لرحيل فؤاد حداد، وهي مناسبة تفرض سؤالا أكبر من الحنين: كيف استطاع شاعر عامية أن يتحول إلى أحد أعمدة الذاكرة الوطنية، وما الذي بقي من مشروعه في زمن اختلطت فيه الأصوات؟

ولد حداد في حي الظاهر بالقاهرة في 30 أكتوبر 1927، لأب لبناني بروتستانتي وأم سورية كاثوليكية. وتذكر مصادر أخرى أن والده كان أكاديميا لبنانيا حصل لاحقا على الجنسية المصرية. وتلقى تعليمه في المدارس الفرنسية بالقاهرة، فتفتح مبكرا على ثقافات متعددة، لكنه اختار أن يكتب بلسان الشارع المصري. وفي شبابه انخرط في العمل السياسي، فانضم إلى الحزب الشيوعي المصري، وسجن من 1953 إلى 1956 ثم من 1959 إلى 1964. وتتباين الروايات في تحديد سنوات الاعتقال، إذ تشير بعض المصادر إلى اعتقال أول عام 1950، لكن الثابت أن السجن كان مصنع تجربته الشعرية. فقد كتبت قصائده الأولى في معتقلات العزب بالفيوم وأبو زعبل والواحات، وأنشدت بعض قصائده على المعتقلين السياسيين في سجن الواحات الخارجة في أول مايو 1963. وصدر ديوانه الأول «حر ورا القضبان» في العام الذي خرج فيه من سجنه الأول، بحسب ما أوردته «أهرام أونلاين». وتذكر روايات متداولة أنه اعتنق الإسلام في المعتقل، وهي مسألة تظل من التفاصيل التي لا تتوافر لها وثائق مستقلة في المصادر المفتوحة.

وفي ربيع الستينيات انعطف مساره حين التقى الموسيقار سيد مكاوي. ففي عام 1964 كتب حداد «المسحراتي» ولحنه مكاوي، فتحولت الشخصية التراثية التي توقظ الناس للسحور إلى نص شعري ينبه إلى ما هو أبعد من الطعام والصلاة. تقول قراءة نقدية نشرتها «المصري اليوم»، إن حداد وظف هذه الشخصية الراسخة في الوعي الجمعي ليوقظ في المتلقي مشاعر اللامبالاة والاغتراب. وبعد خمس سنوات، في 1969، قدم الثنائي البرنامج الإذاعي «من نور الخيال وصنع الأجيال» في ثلاثين حلقة، ومنه خرجت أغنية «الأرض بتتكلم عربي» التي أصبحت من أشهر الأناشيد العربية. ومع الوقت صار اسم حداد مقرونا باسم سيد مكاوي، حتى وصف الاثنان بأنهما أعادا الحياة إلى مسحراتي رمضان.

أما فكر حداد فيقوم على قناعة جريئة في زمنه: أن العامية المصرية قادرة على حمل الملحمة، وأن لغة العمال والفلاحين تصلح لسرد التاريخ والأسطورة والسياسة كما تصلح لها الفصحى. وقد استلهم من التراث الشعبي ملاحم، منها «أدهم الشرقاوي». ويلاحظ في أعماله مزاوجة بين الوعي الطبقي واللغة الدينية والصوفية، وبين النبرة الوطنية والحس الإنساني، وهو ما يفسر انتقاله من ديوان «حنبني السد» احتفاء بالمشروع القومي إلى دواوين تتأمل الموت والعجب والعزلة. وقد ترك حداد 33 ديوانا، صدر منها 17 في حياته والباقي بعد رحيله. وهذا الإرث الضخم يضعه في مصاف المؤسسين لقصيدة العامية الحديثة، إلى جانب صديقه صلاح جاهين، الذي يشاركه في الأدبيات النقدية فضل تطوير الأدب العامي المصري. ويرى كثيرون أن تأثيره امتد إلى أجيال لاحقة من شعراء العامية الذين تعلموا منه أن الصورة الشعبية لا تنقص من الشعر بل تمنحه جذوره.

على الصعيد الإنساني، تكشف المصادر عن شخصية واثقة بنفسها إلى حد الطرافة. فقد اعتاد أن يقدم نفسه بلقب «والد الشعراء»، وهو لقب كان يفتتح به بعض دواوينه كما ينقل عن قرائه. لكن هذه الثقة لم تعزله عن الناس، إذ ظلت قصائده تنشد أمام السجناء ثم أمام الجمهور العام. وتشير المصادر إلى أن ابنه الأكبر، الشاعر أمين حداد، خرج من عباءة والده الشعرية، وأن له ابنا آخر هو أيمن، يعمل في المسرح. وبهذا امتدت الموهبة داخل البيت نفسه. وتبقى تفاصيل حياته الخاصة شحيحة في المصادر المفتوحة، مثل عاداته اليومية وعلاقاته الشخصية، وهو ما يجعل صورة الإنسان تتشكل في الأساس من شعره ومن شهادات مجايليه.

وتكشف احتفالات إحياء ذكراه عن حجم الحضور الذي ما زال يتمتع به. ففي نوفمبر 2013، شهدت أمسية شعرية لإحياء الذكرى السادسة والعشرين لرحيله، بحسب «أهرام أونلاين»، حضورا غير مسبوق من شخصيات ثقافية وسياسية. وتقام في ذكرى ميلاده أنشطة يشارك فيها أبناؤه وقراؤه، وتعاد إصدارات أعماله الكاملة وتتداول قصائده على منصات القراءة والتواصل. وهذا الاستمرار يثير تساؤلا عن سر بقاء شاعر لم يسع إلى الجوائز الرسمية ولا إلى لقب النخبة، لكنه استطاع أن يحفر اسمه في وجدان الناس.

يرحل الشعراء عادة بموت أجسادهم، لكن حداد رحل في الأول من نوفمبر 1985 تاركا نداء لا يزال يتجدد كل عام. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتبدل فيه المواقف، تبدو شخصية «المسحراتي» استعارة صالحة لدور الشاعر عموما: أن يبقى يقظا حين ينام الآخرون، وأن يوقظهم بلغتهم هم لا بلغة تفرض عليهم. ولعل هذا ما يستحق الوقوف عنده الآن، فمشروع حداد يذكرنا بأن اللغة اليومية البسيطة قادرة على حمل أثقل المعاني، وأن الشعر، حين يصدر من تجربة صادقة، لا يحتاج إلى مؤسسة ليبقى حيا.

الأسئلة الشائعة

تحل الذكرى الحادية والأربعون لرحيل فؤاد حداد في الأول من نوفمبر

ارتبط اسمه بقصيدة «المسحراتي» التي كتبها عام 1964 ولحنها سيد مكاوي، ثم أصبحت من أبرز أعماله وأكثرها حضورًا

ترك فؤاد حداد 33 ديوانا، صدر منها 17 في حياته والباقي بعد رحيله