في خطوة تستهدف توسيع دائرة الاهتمام بالمواهب المصرية، والانتقال من مجرد الاحتفاء بالمتفوقين إلى اكتشاف قدراتهم ورعايتها وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في صناعة المستقبل، جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن التوسع في برامج إعداد النشء، وإبراز النماذج المتميزة من النوابغ والعباقرة في الشوارع والميادين والأماكن العامة، لتفتح ملف الاستثمار في عقول الأجيال الجديدة، وتطرح تساؤلات حول كيفية تحويل طاقات الأطفال والشباب إلى إنجازات حقيقية في مختلف المجالات.
التوجيهات الجديدة التي أعلنها الرئيس السيسي في منشور عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، اليوم الأحد، جاءت في إطار متابعته لمخرجات منتدى مصر 2026، واعتماد المخطط السنوي المقترح من مجلس الوزراء لمتابعة مختلف القطاعات والقضايا التي تشغل الرأي العام وتمس حياة المواطنين.
وأكد الرئيس أن متابعة توصيات المنتدى لن تقتصر على إعلان القرارات، وإنما ستصاحبها خطة زمنية محددة للتنفيذ ومؤشرات واضحة لقياس الأداء، بما يسمح للمواطنين ومؤسسات الدولة بمتابعة ما تحقق على أرض الواقع.
إعداد النشء.. البداية من اكتشاف الموهبة
كان من أبرز ما تضمنته توجيهات الرئيس التوسع في برامج إعداد النشء بالأكاديمية الوطنية للتدريب، وإتاحة الفرصة للأطفال والشباب عبر منصة «شباب مصر»، إلى جانب تنظيم لقاءات مع المسؤولين للاستماع إلى أفكارهم وتطلعاتهم.
وتعكس هذه التوجهات أهمية الانتقال من التعامل مع الأطفال والشباب باعتبارهم مجرد متلقين للمعرفة والتوجيه، إلى منحهم مساحة للمشاركة والتعبير عن آرائهم، واكتشاف قدراتهم مبكرًا، ومساعدتهم على تطوير أفكارهم وتحويلها إلى مبادرات يمكن أن تخدم المجتمع.
وتأتي هذه الخطوة امتدادًا لجهود الأكاديمية الوطنية للتدريب في إعداد الأجيال الجديدة، حيث أطلقت في سبتمبر الماضي البرنامج الرئاسي لتأهيل النشء المصري للقيادة، الذي يستهدف الفئة العمرية من 13 إلى 18 عامًا، ويعمل على اكتشاف ورعاية وتأهيل المتفوقين، وتنمية مهاراتهم الشخصية والاجتماعية والقيادية، من خلال مسار متكامل يمتد من المرحلة المدرسية إلى التعليم الجامعي وسوق العمل وريادة الأعمال والدراسات العليا.
وتكتسب منصة «شباب مصر» أهمية خاصة باعتبارها مساحة تفاعلية تتيح للشباب عرض أفكارهم ومبادراتهم والتعبير عن تطلعاتهم، إلى جانب فتح قنوات مباشرة للتواصل مع المسؤولين، بما يساعد على الاستفادة من رؤاهم في مناقشة القضايا التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
من الشوارع والميادين إلى «دولة الابتكار»
ومن أبرز النقاط التي حملتها توجيهات الرئيس السيسي دعوته إلى إبراز النماذج المتميزة من أبناء مصر النابغين والمتفوقين والعباقرة، والتعريف بإنجازاتهم في الشوارع والميادين والأماكن العامة.
وتحمل هذه الفكرة بعدًا يتجاوز مجرد تكريم أصحاب الإنجازات، إذ تستهدف تحويل قصص النجاح إلى نماذج مرئية أمام المجتمع والأجيال الجديدة، حتى يصبح التفوق العلمي والثقافي والابتكار مصدرًا للإلهام، ويحصل أصحاب المواهب على التقدير الذي يستحقونه.
فبدلًا من أن تظل إنجازات النوابغ حبيسة شهادات التكريم أو الأخبار العابرة، يصبح التعريف بهم في الأماكن العامة وسيلة لتقديم نماذج مصرية ناجحة للأطفال والشباب، وإبراز أن الطريق إلى التميز يبدأ بالاجتهاد والمعرفة والإصرار على تحقيق الحلم.
وفي السياق نفسه، أشار الرئيس إلى برنامج «دولة الابتكار» الذي تم إقراره للاهتمام بالبحث العلمي ورعاية النابغين، وهو ما يفتح المجال أمام ربط اكتشاف المواهب بالمنظومة العلمية والبحثية، والاستفادة من العقول المتميزة في إنتاج المعرفة وتطوير الحلول المبتكرة.
وكان الدكتور ممدوح معوض، رئيس المركز القومي للبحوث والقائم بأعمال رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، قد كشف عن امتلاك المركز أكثر من 200 منتج بحثي جاهز للاستثمار، وما يزيد على 125 براءة اختراع مسجلة خلال السنوات الخمس الأخيرة، في إطار الحديث عن دور المؤسسات البحثية في مبادرة «دولة الابتكار».
وتبرز هذه الأرقام حجم الإمكانات البحثية التي يمكن البناء عليها، وأهمية توفير مسارات تحول الأفكار والأبحاث إلى تطبيقات ومنتجات قابلة للاستفادة منها اقتصاديًا ومجتمعيًا.
ميار عثمان.. نموذج مصري يستحق الاحتفاء
ولعل أبرز النماذج التي استحضرها الرئيس السيسي في منشوره الطالبة المصرية ميار عثمان، التي حققت إنجازًا عربيًا بفوزها بالمركز الأول في الدورة العاشرة من مبادرة «تحدي القراءة العربي 2026»، بعد منافسة شارك فيها أكثر من 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة حول العالم.
وحرص الرئيس على تهنئة ميار بكلمات تحمل تقديرًا لإنجازها، قائلًا: «أهنئ ابنتي ميار عثمان بفوزها بجائزة تحدي القراءة العربي 2026، وأتمنى لها مزيدًا من التقدم والتفوق على الدوام».
وتبلغ ميار من العمر 11 عامًا، وبدأت رحلتها مع القراءة من مدرسة الشهيد حمدي شرابي الابتدائية بمحافظة كفر الشيخ، قبل أن تتمكن من تصدر المنافسة على مستوى الجمهورية، ثم تحقيق المركز الأول عربيًا، وتحصل على جائزة قيمتها 500 ألف درهم إماراتي.
وتكتسب قصة ميار أهمية خاصة لأنها تقدم نموذجًا لطفلة استطاعت أن تجعل من القراءة طريقًا للتميز، وأن تمثل مصر في واحدة من أكبر المبادرات الثقافية العربية، لتؤكد أن الاستثمار في المعرفة يبدأ من سنوات الدراسة الأولى، وأن الموهبة تحتاج إلى بيئة تشجعها وتمنحها الفرصة للنمو.
كما أن إبراز اسم ميار في توجيهات الرئيس يضع إنجازها في سياق أوسع، باعتبارها واحدة من النماذج التي يمكن أن تلهم ملايين الأطفال، وتعيد تسليط الضوء على أهمية القراءة والثقافة في بناء شخصية الأجيال الجديدة.
الرهان على الإنسان وصناعة المستقبل
ولا تنفصل هذه التوجيهات عن بقية مخرجات المنتدى، التي شملت أيضًا بناء منظومة وطنية مستدامة ومتكاملة لإتاحة الخدمات والتواصل الرقمي باستخدام الذكاء الاصطناعي للأشخاص الصم وضعاف السمع، وتوفير برامج التأهيل المهني وفرص العمل المناسبة لهم، إلى جانب إتاحة خدمات التثقيف الديني بلغة الإشارة.
وفي المحصلة، تضع التوجيهات الجديدة قضية اكتشاف النابغين ورعاية المتفوقين في صدارة الاهتمام، من خلال ثلاثة مسارات متكاملة: إعداد النشء وتأهيلهم، وإتاحة منصات للمشاركة والتواصل، وإبراز النماذج الناجحة وربط المواهب بالبحث العلمي والابتكار.
ويبقى التحدي الأهم في ترجمة هذه التوجهات إلى برامج مستمرة وفرص حقيقية تصل إلى الموهوبين في مختلف المحافظات، دون أن تقتصر على أصحاب الفرص المتاحة أو من تسلط عليهم الأضواء، حتى يجد كل طفل موهوب المساحة التي تساعده على اكتشاف قدراته وتنميتها.
وهو ما يتسق مع تأكيد الرئيس السيسي أن المواطن سيظل محور الاهتمام والغاية الأساسية من إقامة المنتدى بشكل دوري كل عام، وأن الهدف هو تحويل مخرجاته إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة يشعر بها المواطنون.
وجه بالتوسع في برامج إعداد النشء وإبراز النماذج المتميزة من النوابغ والعباقرة في الشوارع والميادين والأماكن العامة
إتاحة الفرصة للأطفال والشباب لعرض أفكارهم ومبادراتهم والتعبير عن تطلعاتهم مع فتح قنوات مباشرة للتواصل مع المسؤولين
هي طالبة مصرية عمرها 11 عامًا فازت بالمركز الأول في الدورة العاشرة من مبادرة تحدي القراءة العربي 2026 وحصلت على جائزة قيمتها 500 ألف درهم إماراتي


