قد تنفق مؤسسة ملايين الجنيهات على تأمين أنظمتها وشبكاتها الداخلية، وتطبق أحدث تقنيات الحماية الإلكترونية، لكنها تظل معرضة للاختراق بسبب ثغرة أمنية لدى شركة أخرى تتعامل معها، وربما تقع هذه الشركة على بعد آلاف الكيلومترات، في واحدة من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسات مع التوسع في الاعتماد على الخدمات الرقمية والحوسبة السحابية.

وحذر المهندس محمد هارون، خبير أمن المعلومات ورئيس شركة «جيت لوك»، من المخاطر المرتبطة باعتماد المؤسسات على خدمات وبرمجيات تقدمها شركات خارجية، مؤكدًا أن تأمين البنية التكنولوجية الداخلية لا يوفر الحماية الكاملة إذا كانت المؤسسة تعتمد على أنظمة تابعة لأطراف أخرى تعاني ثغرات أمنية يمكن للقراصنة استغلالها.

وأوضح هارون، في تصريحات خاصة لـ«بوابة الأهرام»، أن هذا النوع من الهجمات يُعرف في مجال الأمن السيبراني باسم «هجمات سلسلة التوريد الرقمية» (Supply Chain Attacks)، وهي هجمات تستهدف إحدى الشركات أو الخدمات التقنية التي تعتمد عليها مؤسسات أخرى، بهدف استغلال علاقتها بهذه المؤسسات للوصول إلى أنظمتها أو التأثير على الخدمات التي تقدمها.

كيف تتحول شركة واحدة إلى نقطة ضعف لمؤسسات متعددة؟

وأشار رئيس شركة «جيت لوك» إلى أن المؤسسات أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على منصات سحابية لإدارة عملياتها وتشغيل خدماتها الرقمية، نظرًا لما توفره من سهولة التحكم في الأنظمة وتحديث المحتوى وإدارة العمليات من مواقع جغرافية مختلفة.

وأوضح أن هذه المنصات تتيح للشركات إدارة عدد كبير من الأنظمة والأجهزة من خلال لوحة تحكم مركزية، وهو ما يوفر الوقت والجهد ويساعد على تنظيم العمليات التشغيلية.

لكن هذه المزايا قد تتحول إلى مصدر خطر إذا تعرضت المنصة التي تقدم الخدمة للاختراق، خاصة عندما تكون مرتبطة بأنظمة عدد كبير من الشركات والمؤسسات.

وأضاف أن المشكلة تكمن في أن الأنظمة المحلية قد تكون مؤمنة بصورة جيدة، بينما تحتوي خدمة سحابية أو برنامج تابع لطرف ثالث على ثغرة أمنية يستغلها القراصنة، ما يتيح لهم الوصول إلى الأنظمة المرتبطة بهذه الخدمة.

تأمين الموردين الخارجيين أصبح جزءًا من حماية المؤسسات

وأكد هارون أن الدرس الأهم في مواجهة هذا النوع من الهجمات يتمثل في ضرورة توسيع نطاق إجراءات الأمن السيبراني، بحيث لا تقتصر على الأنظمة والأجهزة التي تمتلكها المؤسسة، وإنما تشمل أيضًا تقييم مستوى الحماية لدى الشركات الخارجية التي تعتمد على خدماتها.

وأوضح أن وجود ارتباط تقني بين المؤسسة ومزود خدمة خارجي يعني أن مستوى الأمان لدى هذا المزود قد يؤثر بصورة مباشرة على أمن الأنظمة المرتبطة به.

وشدد على أهمية التأكد من امتلاك الشركات الموردة للخدمات التكنولوجية إجراءات حماية مناسبة، وعدم التعامل مع تأمين الأنظمة الداخلية باعتباره كافيًا لمواجهة جميع المخاطر الإلكترونية.

المصادقة متعددة العوامل وخطط الاستجابة السريعة

ودعا خبير أمن المعلومات إلى تطبيق مستويات متعددة من الحماية، بدلًا من الاعتماد على وسيلة أمنية واحدة، مشيرًا إلى أهمية استخدام المصادقة متعددة العوامل (MFA)، التي تضيف خطوة تحقق أخرى عند محاولة الوصول إلى الحسابات والأنظمة الحساسة.

وأوضح أن المؤسسات تحتاج كذلك إلى امتلاك آليات تسمح بفصل الاتصال أو إيقاف الخدمة المتأثرة فور اكتشاف نشاط غير معتاد، بما يساعد على الحد من استمرار الهجوم وتقليل آثاره.

وأشار إلى أن حماية المنظومات الرقمية تتطلب التعامل مع احتمالات الاختراق باعتبارها مخاطر قائمة، والاستعداد لها بإجراءات تقنية وتنظيمية تتيح التدخل السريع عند الضرورة.

الهجمات الإلكترونية لا تستهدف الأموال فقط

ولفت هارون إلى أن أهداف القراصنة لا تقتصر دائمًا على سرقة الأموال أو تعطيل الخدمات الحيوية، إذ قد تستهدف بعض الهجمات التشويش على الأنظمة أو الإضرار بسمعة الشركات والمؤسسات التي تقدم خدمات رقمية.

وأوضح أن السيطرة غير المصرح بها على منصة لإدارة الخدمات أو المحتوى يمكن أن تؤثر على ثقة العملاء في المؤسسة، حتى وإن لم تتعرض أنظمتها الداخلية للاختراق المباشر.

وتبرز هذه المخاطر أهمية امتلاك المؤسسات رؤية شاملة للعلاقات التقنية التي تربطها بمزودي الخدمات الخارجيين، خاصة مع اتساع الاعتماد على المنصات السحابية والأنظمة التي تتيح الإدارة والتشغيل عن بُعد.

وأكد هارون أن مواجهة التهديدات السيبرانية الحديثة تتطلب بناء منظومة حماية متعددة المستويات، تجمع بين تأمين الأنظمة المحلية، والتحقق من سلامة الخدمات الخارجية، وتطبيق وسائل قوية للتحقق من الهوية، مع القدرة على التدخل الفوري عند رصد أي نشاط مشبوه.

وتعكس هذه التحذيرات تحولًا مهمًا في طبيعة المخاطر الرقمية، فلم يعد السؤال الأمني مقتصرًا على مدى قدرة المؤسسة على حماية أنظمتها، وإنما أصبح يشمل أيضًا مدى أمان جميع الشركات والخدمات التقنية التي تعتمد عليها في تشغيل أعمالها.

الأسئلة الشائعة

هي هجمات تستهدف شركة أو خدمة تقنية تعتمد عليها مؤسسات أخرى، ثم يستغل القراصنة هذا الارتباط للوصول إلى الأنظمة المرتبطة بالخدمة أو التأثير عليها

لأن المؤسسة قد تكون مؤمنة داخليًا بينما تحتوي خدمة سحابية أو برنامج تابع لطرف ثالث على ثغرة أمنية تسمح للقراصنة بالوصول إلى الأنظمة المرتبطة بها

أوصى بتوسيع نطاق الأمن السيبراني ليشمل تقييم الموردين الخارجيين، واستخدام المصادقة متعددة العوامل MFA، وامتلاك آليات لفصل الاتصال أو إيقاف الخدمة المتأثرة سريعًا عند اكتشاف نشاط غير معتاد