“هل أنا أبالغ حقًا؟ أم أنني فقدت صوابي بالفعل”، هكذا بدأت إحدى السيدات حديثها وهي تروي كيف تحولت حياتها داخل منزل الزوجية إلى معركة صامتة لا يعرف أحد تفاصيلها، فمنذ سنوات طويلة وهي تربي أبناءها وتدير شئون بيتها، ولا تجد سبيلًا للبوح بمعاناتها اليومية، فتخشى الشكوى حتى لا تُتهم بالمبالغة، وتتردد في الاعتراض كي لا تُوصف بالأنانية والابتزاز العاطفي، ومع الوقت لم يعد الأذى وحده مصدر معاناتها بل امتد الأمر إلى التشكيك في ذاكرتها ومشاعرها.
وهنا تكمن مأساة العيش مع شريك يمارس التلاعب والسيطرة، فالمشكلة لا تتعلق بخلاف عابر، بل قد تمتد لتضرب ثقة المرأة بنفسها حتى تُصبح أسيرة مراجعة مستمرة لكل تصرفاتها، وأمام هذا الواقع يبرز السؤال الأكثر تعقيدًا، ماذا لو لم يكن الرحيل متاحًا بسبب الأطفال، أو التبعية الاقتصادية، أو الضغوط الاجتماعية؟ هل يصبح الاستنزاف قدرًا لا مفر منه، أم تستطيع المرأة بناء جدران تحمي بها نفسها حتى تستعيد قدرتها على الاختيار؟
من الحب إلى الاستنزاف.. كيف تبدأ الحكاية؟
بعض العلاقات لا يظهر بها الخلل منذ البداية، بل قد يتخفى وراء إعجاب مفرط واهتمام مكثف يوهم المرأة بأنها تعيش علاقة استثنائية لم تعرف مثلها من قبل.
ويوضح خبير الاستشارات والتطوير الحياتي الدكتور أحمد عبد الرحمن محمد، أن الأزمة لا تكشف عن وجهها الحقيقي في بدايتها، بل قد تتجلى في صورة اهتمام غامر ووعود براقة تجعل المرأة تشعر بأنها استثناء لا يتكرر، غير أن هذا المشهد قد يتبدل تدريجيًا، فيتحول الاهتمام إلى مراقبة، والإعجاب إلى انتقادات متكررة، وتصبح الاختلافات الطبيعية بين الطرفين اختبارات لمدى الولاء والطاعة.
وأشار الدكتور أحمد عبد الرحمن إلى أن الأنانية أو الرغبة في فرض الرأي لا تعنيان بالضرورة الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، موضحًا أن هذا الاضطراب له معايير نفسية محددة ولا يمكن تشخيصه استنادًا إلى خلاف زوجي أو سلوك منفرد، فالتقييم العلمي يتطلب النظر إلى نمط ممتد ومتكرر من تضخم الإحساس بالأهمية والاستحقاق والحاجة إلى الإعجاب المستمر وصعوبة التعاطف مع الآخرين، مع فحص ما إذا كانت هذه السمات تظهر في أكثر من علاقة وموقف أم ترتبط بسياق معين.
العلامة الأخطر.. حين تفقد المرأة ثقتها بنفسها
وفي الخلافات الزوجية الطبيعية، يملك الطرفان حق الاختلاف والمراجعة والاعتذار دون أن يؤدي ذلك إلى الانتقاص من كرامة أحدهما، أما في العلاقات الاستنزافية فتجد المرأة نفسها تحسب كلماتها قبل نطقها وتتوقع ردود الفعل قبل التعبير عن رأيها، وقد تعتذر عن أخطاء لم ترتكبها لمجرد إزالة التوتر واستعادة الهدوء للبيت.
ومع تكرار هذا النمط تصبح الزوجة أكثر انشغالًا بإرضاء الزوج، وهنا يكمن أحد أخطر آثار التلاعب النفسي، إذ لا يقتصر الأمر على تصعيد الخلافات بل يمتد إلى إضعاف ثقتها بنفسها وقدرتها على التمييز بين التنازل الذي تفرضه الظروف والاستسلام الذي يسحق كرامتها ووجودها.
قلب الطاولة.. حين تصبح الضحية متهمة
ومن أبرز أساليب الزوج المتلاعب قلب الحقائق، بحيث يُحول النقاش من الإساءة التي ارتكبها هو إلى رد فعل زوجته، فيقوم بإهانتها وحين تغضب يُصبح غضبها هو المشكلة بينما تختفي الإهانة الأصلية من المشهد.
وقد يستخدم أسلوب الصمت العقابي ضدها مع التقليل من شأنها، ويحملها مسئولية كل خلاف، بل قد يشكك في ذاكرتها وإدراكها، وإذا حاولت الاستعانة بالآخرين يقدم لهم صورة مختلفة عن العلاقة، فيبدو أمامهم هادئًا ومتزنًا، بينما تعجز هي عن شرح ما يحدث.
لماذا يصعب الرحيل؟
قد يبدو السؤال سهلًا من الخارج “لماذا لا تتركينه؟”، لكنه يغفل شبكة معقدة من الظروف التي قد تجعل الانفصال قرارًا بالغ الصعوبة، فقد تخشى المرأة على أطفالها، أو لا تملك دخلًا مستقلًا أو مسكنًا بديلًا، أو تجد نفسها تواجه ضغوطًا أسرية واجتماعية، وربما تخشى أن يؤدي إعلان رغبتها في الانفصال إلى تصاعد العنف ضدها.
وقد يزيد الأمر تعقيدًا تعلقها بذكريات البدايات، وأملها في أن يستعيد الزوج صورته الأولى التي عرفتها وأحبتها، فالبقاء في علاقة مؤذية لا يعني بالضرورة ضعف الإرادة، كما أن الرحيل ليس قرارًا متاحًا بالسهولة نفسها أمام جميع النساء، فلكل امرأة ظروفها وإمكاناتها ومخاطرها، ولا يصح أن نُحمل الزوجة وحدها مسئولية إصلاح علاقة يُشارك الطرف الآخر في إلحاق الضرر بها.
عندما يصبح الأمان أولوية
وعند تصاعد حدة النقاش، ليس على المرأة أن تدخل في جدال مستمر لإثبات صحة روايتها أو الدفاع عن نفسها في كل مرة، بل يمكنها الاكتفاء بردود واضحة ومقتضبة، مثل “لن أواصل الحديث بهذه الطريقة”، أو “يمكننا مناقشة الأمر عندما يهدأ الموقف”.
وفي هذا السياق، يُشدد الدكتور أحمد عبد الرحمن، على أهمية وضع خطة أمان لحماية الزوجة وأطفالها، تبدأ بتحديد مكان آمن يمكن للزوجة أن تلجأ إليه مؤقتًا عند تصاعد الخطر، على أن يكون مناسبًا وآمنًا من الناحيتين القانونية والاجتماعية، مع إبلاغ شخص موثوق بطبيعة الخطر الذي تتعرض له، كما ينصح بالاحتفاظ بنسخ من الأوراق المهمة والمفاتيح ومبلغ من المال لدى شخص قريب، كالأم أو الأخت أو الصديقة، إلى جانب الاحتفاظ بأرقام الطوارئ لتكون متاحة وقت الحاجة.
ويرى عبد الرحمن، أن خطة الحماية يجب أن تمتد إلى تعليم الأطفال كيفية طلب المساعدة عند الضرورة، وإبعادهم عن المشاجرات العنيفة، مع تجنب إعلان نية الانفصال أو التلويح بالمغادرة إذا كان ذلك قد يدفع الشريك إلى تصعيد الخطر، لحين استكمال شبكة الحماية اللازمة.
قد يتأخر الرحيل .. لكن لا يجب أن تتأخر النجاة
ربما لا تستطيع المرأة تغيير زوجها، وربما لا تستطيع مغادرة المنزل اليوم أو غدًا، لكنها تستطيع أن تبدأ في التوقف عن اعتبار نفسها مسئولة عن كل ما يحدث وتستعيد ثقتها في مشاعرها، وأن تطلب المساندة وأن ترى حياتها خارج حدود العلاقة وتبني خياراتها خطوة بخطوة، ولا يعني ذلك أن تتحول إلى شخص بارد أو أن تتخلى عن إنسانيتها، بل عليها أن تدرك أن التعاطف لا يقتضي قبول الإهانة، وأن التضحية التي لا تترك لصاحبها مساحة للتنفس ليست دليلًا كافيًا على الحب.
وفي النهاية، ليست النجاة دائمًا بابًا تُغلقه المرأة خلفها في لحظة واحدة، ولكن ربما تكون سلسلة من الخطوات الهادئة التي تعيد إليها قدرتها على الرؤية والاختيار، وقد يكون القرار الأنسب هو محاولة الإصلاح بشروط واضحة، أو البقاء مؤقتًا مع حماية النفس، أو الانفصال عندما يصبح ذلك ممكنًا وآمنًا.
قد يبدأ بإعجاب مفرط واهتمام مكثف ثم يتحول تدريجيًا إلى مراقبة وانتقادات متكررة واختبار دائم للولاء والطاعة
من أبرز العلامات قلب الحقائق وتحويل الخطأ من الإساءة الأصلية إلى رد فعل الزوجة مع الصمت العقابي والتقليل من شأنها والتشكيك في ذاكرتها وإدراكها
يمكنها وضع خطة أمان تشمل مكانًا آمنًا مؤقتًا وشخصًا موثوقًا وأوراقًا مهمة ومبلغًا ماليًا وأرقام طوارئ مع حماية الأطفال وتجنب التصعيد


