تتقاطع خيوط الصراعات العسكرية الدولية فوق جغرافية الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق، حيث تجد المنطقة نفسها محاصرة بين نارين عسكريتين متزامنتين تعيدان رسم موازين القوة والتجارة الدولية: حرب إيران وأمريكا من جهة، والحرب الروسية الأوكرانية تداعياتها.

وتقف حرب إيران وأمريكا على شفا تفجير إقليمي شامل أدت جولته الأولى إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وقفزة أسعار خام برنت إلى 117 دولارا للبرميل، بالتوازي مع دخول حرب أوكرانيا شتاءها الخامس لتستنزف القدرات الصناعية الدفاعية للغرب وتلقي باضطراباتها على أمن الغذاء وأسواق الحبوب الحيوية للدول العربية غير النفطية.

ويفرض هذا التزامن الميداني تساؤلا مصيريا حول المصلحة الأكثر حسما واستعجالا لإنقاذ الشرق الأوسط، والمفاضلة بين الوقف الفوري لحرب إيران المشتعلة على بوابات الطاقة، أو إخماد حرب أوكرانيا التي تقود سباق التسلح التقني وتتحكم في سلاسل الإمداد العالمية.

استنزاف الباتريوت والتنسيق الاستخباري

أثبت “معهد دراسات الحرب” في تقييمه، أن موسكو باتت توظف ساحة الشرق الأوسط كتابع عملياتي يخدم حربها في أوكرانيا، كاشفا عن تزويد الكرملين للحرس الثوري الإيراني وحلفائه ببيانات استخباراتية وتغطية أقمار اصطناعية متقدمة لرصد القواعد الأمريكية ومواقع الملاحة البحرية، بهدف إبقاء الشريان البحري مضطربا ودفع أسعار النفط نحو الارتفاع لإنعاش الخزينة الروسية.

وأوضح المعهد في تقييم لاحق، أن هذا التداخل العسكري استنزف المظلة الجوية الغربية إلى مستويات حرجة، إذ وافقت وزارة الخارجية الأمريكية رسميا على تزويد أوكرانيا بـ500 صاروخ اعتراضي متطور من طراز” باتريوت”، غير أن تسليمها تأجل إلى ما بعد عام 2030 لعدم توفر مخزونات فورية واستنفاد الترسانة الأمريكية المتاحة في اعتراض الصواريخ الباليستية والمسيرات الموجهة ضد القواعد والمنشآت الحيوية في الشرق الأوسط.

وحذر المعهد من الأوامر المباشرة الصادرة عن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بشن عمليات ردع بدون قيود جغرافية، ما يرفع احتمالات التصادم الإقليمي الشامل إلى ذروتها ما لم تحقق الوساطة القطرية المكثفة اختراقا يوقف التصعيد.

استهداف سحابة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

كشفت دراسة لـ”مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، عن تحول عملياتي خطير يتمثل في إعلان طهران للبنية التحتية السحابية والتكنولوجية التجارية في الشرق الأوسط كأهداف عسكرية مشروعة.

وقد وثق التقرير استهداف مركزي بيانات تابعين لشركة “أمازون” في الإمارات ومركز ثالث في البحرين مطلع مارس الماضي بمسيرات إيرانية، متسببة في أضرار مادية وشلل واسع في القطاعات المصرفية ومنصات الاتصال الإقليمية، قبل أن تنشر وسائل إعلام إيرانية قائمة تضم 29 منشأة تكنولوجية غربية في الإمارات والبحرين وقطر وإسرائيل ضمن بنك الأهداف، شملت خوادم شركات تكنولوجية كبرى.

وفي هذا الإطار، قارن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” بين المسرح الأوكراني الذي دعمت فيه الشركات التقنية الدفاع عن كييف عبر خوادم سحابية آمنة خارج حدود المعركة، وبين جغرافية الشرق الأوسط التي تواجه فيها مراكز البيانات العملاقة خطر الصواريخ والمسيرات المباشرة دون قدرة على النزوح أو امتلاك دفاعات جوية خاصة، محذرا من أن استمرار حرب إيران يهدد بهروب استثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من الخليج.

اشتعال مضيق هرمز وانهيار أمن الطاقة

تؤكد الباحثة العسكرية دانا سترول، في دراسة نشرها “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” أن حرب إيران انتقلت إلى مرحلة الإغلاق الناري الفعلي، حيث سجل أكتوبر الماضي الهجمات البحرية الأعنف في مضيق هرمز وباب المندب منذ فبراير، بإطلاق ما يزيد عن 100 صاروخ ومسيرة.

وأفادت الدراسة بنجاح هذه الهجمات في إغراق سفينة حاويات وسفينة بضائع في مضيق هرمز خلال أكتوبر وحده، مع تزايد تحركات جماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن لتوسيع السيطرة على الممرات الساحلية للبحر الأحمر.

واستنتجت سترول، أن الأولوية العاجلة لحماية الشرق الأوسط تفرض وقف حرب إيران فورا وتشكيل ائتلاف بحري صارم، محذرة من أن استمرار استهداف حركة الشحن التجاري ينذر بعزل موانئ الخليج اللوجستية وتكبيد الاقتصاد الإقليمي خسائر تفوق طاقة الاحتمال.

وكشفت صحيفة “فايننشال تايمز”، عن وصول الحرب البحرية إلى أقصى درجات التهديد بعد قفزة خام برنت إلى 117 دولارا للبرميل نتيجة استهداف الملاحة، وتضرر أكثر من 24 ناقلة نفط بفعل الألغام اللاصقة والزوارق السريعة الإيرانية، وتدفق بقع التلوث النفطي لتضرب شواطئ الإمارات، ما اضطر الوفود القطرية لعقد جلسات تفاوض مكثفة امتدت لأكثر من 12 ساعة في طهران والدوحة لمنع اندلاع جولة جديدة من القصف الصاروخي هددت طهران بتنفيذها دون خطوط حمراء.

اختناق التجارة الدولية وانتصار الحرب “اللاتماثلية”

أوضح تقرير موسع لـ”مجلس العلاقات الخارجية”، أن الصراع الأمريكي الإيراني أصاب عصب التجارة الدولية بالشلل، بعدما عطل الممرات التي تضخ 25% من تجارة النفط البحرية و19% من إمدادات الغاز المسال، متزامنا مع أضرار مباشرة طالت مصافي التكرير في الخليج، وفي ظل تحول داخلي لافت في واشنطن مع تأكيد استطلاع أجرته وكالة “رويترز” أن 54% من الأمريكيين باتوا يعتبرون الحرب على إيران غير مجدية.

وفي ورقة تقدير موقف، اعتبر رئيس “مجلس العلاقات الخارجية” مايكل فرومان، أن هذا الصدام دشن رسميا انتصار الحرب “اللاتماثلية”، بعدما تمكنت طهران وشبكاتها الصاروخية ومسيراتها منخفضة التكلفة من هزيمة استراتيجيات دفاعية تقليدية تكلف تريليونات الدولارات وشلت حركة الملاحة العالمية، ما يجعل خفض التصعيد مع إيران المطلب الحاسم لمنع دخول أسواق الشرق الأوسط والعالم في ركود تضخمي مدمر.

ووفقا لوكالة “رويترز”، فقد أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بوضوح بترابط جبهتي حرب إيران وأوكرانيا، موضحا أن قرار الرئيس دونالد ترامب بإسقاط عقوبات “قانون ليندسي جراهام” عن النفط الروسي لمدة 60 يوما فرضته حقيقة أن صراعات العالم بدأت تصطدم ببعضها البعض، وكان لزاما فتح منافذ الوقود لمنع انهيار مالي.

ولفتت الوكالة، إلى أن تقلبات الطاقة والشحن تضع الاقتصادات العربية المعتمدة على استيراد الحبوب والوقود في مواجهة تضخم معيشي خطير يهدد استقرارها الداخلي.

استنساخ المسيرات ومخاطر السلاح النووي

كشفت دراسة لـ”مركز كارنيجي للسلام”، عن انتقال مباشر للخبرات العسكرية التكتيكية من الجبهة الأوكرانية إلى الشرق الأوسط، حيث وثقت إخلاء سلاح الجو الأمريكي لأسطول قاذفات “بي 1 لانسر” الاستراتيجية من قاعدة فيرفورد البريطانية مطلع أكتوبر، إثر اكتشاف مخطط اتُهمت إيران فيه لشن هجمات بمسيرات متطورة مستنسخة من عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية.

ونبه باحثو كارنيجي، إلى أن أمن الشرق الأوسط لن يستقر دون إنهاء حرب أوكرانيا؛ لأن استمرار القتال هناك يشكل معمل تجارب حي لتطوير مسيرات موجهة بالألياف الضوئية وأنظمة ذكاء اصطناعي رخيصة تنتقل بسرعة إلى الفصائل الموالية لإيران في الخليج، ما يعرض القواعد ومنشآت النفط للاستهداف المستمر ويفضح عجز أنظمة الدفاع باهظة الثمن عن مواجهتها.

وأكد الخبير العسكري الدكتور كينيث بولوك، في دراسة نشرها “معهد الشرق الأوسط” أن المواجهة مع إيران أسقطت المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط وأحدثت شرخا تاريخيا في استقرار المنطقة.

وبيّن بولوك في تقييم آخر، أن تسليم قيادة وزارة الدفاع الإيرانية لجنرالات سلاح الصواريخ يترجم استراتيجية استنزاف بعيدة المدى تستهدف مرافق الطاقة الإقليمية، محذرا من أن الإخفاق في إنهاء حرب إيران يترك للقيادة في طهران خيارا وجوديا وحيدا لحماية بقائها عبر كسر العتبة النووية وتجميع السلاح الذري، وهو ما سيشعل سباق تسلح نووي غير مسبوق يقضي على فرص الاستقرار لعقود.

وذكر الباحث تيموثي آش، في دراسة نشرها معهد “تشاتام هاوس”، أن اشتعال أزمة الطاقة في الشرق الأوسط قاد الإدارة الأمريكية لتوقيع اتفاقية استيراد الديزل الروسي لتهدئة الأسواق متسببة في صدمة لكييف.

وأوضح آش، أن مسارح الشرق الأوسط استنزفت مخزونات الدفاع الجوي للتحالف الغربي تاركة المدن الأوكرانية عرضة لضربات الشتاء دون غطاء كاف، مشددا على أن إنهاء الصراع في أوكرانيا هو السبيل لتجريد موسكو من ورقة الابتزاز النفطي ووقف مقايضتها السياسية والعسكرية عبر المنطقة.

الموقف التكتيكي والبنيوي في حسم الأولوية

تتلخص الإجابة الاستراتيجية المستخلصة في مستويين متكاملين لحسم أولوية الإخماد لإنقاذ الشرق الأوسط:

يمثل إنهاء حرب إيران الأولوية التكتيكية والإنقاذ العاجل؛ لكونه يوقف الاستنزاف المادي المباشر لمنشآت ومصافي النفط في الخليج، ويعيد فتح مضيق هرمز لخفض أسعار النفط من مستويات قياسية، ويحمي البنية التحتية لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في الإمارات والبحرين وقطر من صواريخ الحرس الثوري، ويوقف الاندفاع الإيراني الإجباري نحو تصنيع القنبلة النووية.

بينما يشكل إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية الضمانة الهيكلية والأمن طويل المدى؛ لأنه يقطع خطوط الإمداد الاستخباراتي الفضائي والتقني بين موسكو وطهران، ويوقف انتشار تكنولوجيا الطائرات المسيرة الرخيصة والذكية من شرق أوروبا إلى الفصائل الإقليمية، ويضمن أمن الغذاء وسلاسل توريد القمح للشعوب العربية، ويحرر منظومات صواريخ الباتريوت الدفاعية الغربية لتأمين أجواء المنطقة واستقرارها المستدام.

الأسئلة الشائعة

يرجح التقرير أن وقف حرب إيران هو الأولوية التكتيكية والعاجلة لأنه يوقف الاستنزاف المباشر لمنشآت ومصافي النفط ويعيد فتح مضيق هرمز ويحمي البنية التحتية الحيوية

لأنه يمثل الضمانة الهيكلية طويلة المدى عبر قطع خطوط الإمداد الاستخباراتي والتقني بين موسكو وطهران ووقف انتشار تكنولوجيا المسيرات الرخيصة وحماية أمن الغذاء وسلاسل توريد القمح

أدت إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع خام برنت إلى 117 دولارا للبرميل وتضرر أكثر من 24 ناقلة نفط مع تهديد مباشر لحركة الشحن التجاري