تتغير طريقة تعامل الجمهور مع المحتوى الرقمي بوتيرة متسارعة، فلم يعد كثيرون ينتظرون مشاهدة برنامج كامل أو قراءة تقرير مطول، بل أصبح الانتقال بين مقاطع لا تتجاوز ثواني أو دقائق جزءًا من الروتين اليومي، وعلى منصات مثل «تيك توك» و«إنستجرام ريلز» و«يوتيوب شورتس»، يجد المستخدم نفسه أمام تدفق متواصل من الفيديوهات التي تتنافس على جذب انتباهه في وقت قصير، ولم يقتصر تأثير هذا التحول على شكل المحتوى، بل امتد إلى تفضيلات الجمهور وطريقة متابعة الأخبار وتلقي المعلومات، وهو ما رصده تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة، الذي كشف تصاعد الاعتماد العالمي على شبكات التواصل ومنصات الفيديو كمصادر للأخبار.

كيف غيرت مقاطع الفيديو القصيرة عادات المشاهدة؟
لم تعد مقاطع الفيديو القصيرة مجرد وسيلة للترفيه أو قضاء وقت الفراغ، بل أصبحت قالبًا رئيسيًا لتقديم المعلومات والأخبار والتجارب الشخصية والإعلانات، ويعتمد انتشارها على سهولة الوصول إليها، وسرعة عرض الفكرة، وقدرة المنصات على اقتراح محتوى جديد يتوافق مع اهتمامات المستخدم، ويكشف تقرير معهد رويترز عن اتساع هذا التحول؛ إذ يستخدم 54% من المشاركين عالميًا شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو للوصول إلى الأخبار، مقابل 51% يعتمدون على المواقع والتطبيقات الإخبارية، كما أفاد التقرير بأن 77% من الجمهور عالميًا يشاهدون الأخبار عبر الإنترنت أسبوعيًا.
ولا يتوقف التغيير عند اختيار الفيديو بدلًا من النص، بل يمتد إلى توقعات الجمهور نفسه، الذي أصبح يميل إلى الوصول السريع للمعلومة، ومشاهدة أكثر من موضوع خلال دقائق، والانتقال إلى محتوى جديد بمجرد انتهاء المقطع السابق، وتدفع هذه العادة صناع المحتوى والمؤسسات الإعلامية إلى إعادة صياغة رسائلهم، من خلال عناوين أكثر جذبًا، ومقدمات مختصرة، وصور متحركة، ومعلومات مركزة في وقت محدود، ونتيجة لذلك أصبحت القدرة على جذب الانتباه خلال الثواني الأولى عنصرًا مهمًا في المنافسة على المشاهدة.

وفي المقابل، لا يعني انتشار الفيديوهات القصيرة اختفاء المحتوى الطويل، فالجمهور لا يزال يحتاج إلى التقارير المتعمقة والتحليلات والشروحات التي تقدم سياقًا أوسع، لكن التحدي أصبح في كيفية الانتقال من المحتوى السريع إلى المعرفة الأكثر تفصيلًا، وتثير هذه الظاهرة تساؤلات بشأن تأثير التصفح المتواصل في التركيز والقدرة على متابعة الموضوعات الطويلة؛ إذ وجدت دراسة نشرتها جامعة ولاية سان دييغو الأمريكية في أغسطس 2025 أن قضاء خمس دقائق في تصفح تيك توك قبل قراءة محتوى إخباري طويل ارتبط بانخفاض القدرة على التركيز أثناء القراءة لدى الطلاب المشاركين.
كما حللت مراجعة علمية منشورة في دورية Psychological Bulletin عام 2025 نتائج 71 دراسة شملت نحو 98 ألف مشارك، ووجدت ارتباطًا بين زيادة استخدام الفيديوهات القصيرة وتراجع بعض مؤشرات الأداء المعرفي، خصوصًا الانتباه والتحكم في الاندفاع، لكن هذه النتائج تشير إلى ارتباطات إحصائية، ولا تثبت أن مشاهدة الفيديوهات القصيرة وحدها تسبب تراجع القدرات المعرفية لدى جميع المستخدمين.
أصبحت جزءًا من الروتين اليومي للجمهور بدل انتظار البرامج الكاملة أو التقارير المطولة، كما دفعت المستخدمين إلى تفضيل الوصول السريع للمعلومة والتنقل بين موضوعات متعددة خلال دقائق
ذكر التقرير أن 54% من المشاركين عالميًا يستخدمون شبكات التواصل ومنصات الفيديو للوصول إلى الأخبار مقابل 51% يعتمدون على المواقع والتطبيقات الإخبارية، وأن 77% يشاهدون الأخبار عبر الإنترنت أسبوعيًا
الدراسات المذكورة أظهرت ارتباطًا بين الاستخدام المكثف للفيديوهات القصيرة وتراجع بعض مؤشرات الأداء المعرفي مثل الانتباه والتحكم في الاندفاع، لكنها لا تثبت أنها السبب المباشر لدى جميع المستخدمين


