رحاب عبد العال: قطعة الحلي ليست مجرد زينة بل كيان فني يحمل روحًا وحكاية

اخترت «سجايا» للبحث عن البصمة الإنسانية الأولى والتحرر من القوالب التقليدية

التراث ليس مجرد رموز نعيد تكرارها بل ذاكرة نحولها لرؤية تناسب عصرنا

تصطحبنا مصممة الحُلى الدكتورة رحاب عبد العال، الأستاذ بكلية التربية الفنية، جامعة العاصمة في معرضها “سجايا” المنعقد حاليًا بمركز الجزيرة للفنون إلى عوالم تتقاطع فيها الفطرة الإنسانية مع الحركة والانسيابية التشكيلية. لم تكن قطع الحلي في معرضها مجرد صياغات معدنية متقنة أو أدوات للتجميل، بل حولتها إلى منحوتات صغرى قائمة بذاتها، تتفاعل مع جسد المرأة ونبضها، وتنسج حوارًا وجدانيًا بين الفضة والنحاس والأحجار الطبيعية من جهة، وذاكرة الطفولة والتراث الحضاري المعاصر من جهة أخرى.

عبر هذا الحوار، تفتح لنا د. رحاب عبد العال أسرار تجربتها التشكيلية، وكيف تطوع الخامات القاسية لتعبر عن «سجايا» النفس البشرية والتنوع البيئي.

حمل معرضك عنوان «سجايا»، وهو لفظ يحمل في طياته الكثير من الدلالات النفسية والإنسانية.. كيف انعكست هذه المفردات على تشكيل قطع الحلي في هذا المعرض؟

جاء اختيار عنوان «سجايا» انطلاقًا من اهتمامي بالعالم الداخلي للإنسان، بما يحمله من فطرة وعفوية وطباع أصيلة تسبق محاولات التشكيل والتجميل التي تفرضها الحياة. فالسجايا بالنسبة لي هي تلك البصمة الإنسانية الأولى التي تمنح كل شخص تفرده واختلافه.

وقد انعكست هذه الفكرة على صياغة الأعمال من خلال التحرر من القوالب التقليدية للحلي، والبحث عن أشكال أكثر تلقائية وانسيابية، تستلهم الطبيعة والخيال وذاكرة الطفولة ، حاولت أن أترجم المشاعر والطباع الداخلية إلى مفردات تشكيلية، بحيث لا تكون القطعة مجرد حُلي للزينة، وإنما كيانًا فنيًا يحمل روحًا وحكاية، ويحتفظ بشيء من البراءة والدهشة الأولى.

أعمال رحاب عبد العال

يلاحظ المتلقي في «سجايا» تنوعًا وبحثًا في معالجة الخامات. ما هي الخامات الجديدة التي اعتمدتِ عليها في هذا المعرض، وكيف استطعتِ تطويعها لتعبر عن فكرة «السجايا»؟

اعتمدت في المعرض على تنوع في الخامات والمعالجات، في مقدمتها الفضة والنحاس والأحجار الطبيعية ، مع الاهتمام بإبراز الخصائص التعبيرية لكل خامة، سواء من حيث الملمس أو اللون أو طبيعة التكوين.

ولم يكن اهتمامي بالخامة مقتصرًا على قيمتها المادية أو الجمالية، بل تعاملت معها باعتبارها لغة تشكيلية لها شخصيتها الخاصة. فاستلهمت بعض الملامس من جذوع الأشجار، والأزهار، وأسطح الكائنات البرية والبحرية، إلى جانب القصص والحكايات المرتبطة بذاكرتنا في الطفولة وحاولت إعادة صياغتها في تكوينات تحمل طابعًا عضويًا وتلقائيًا.

كما سعيت إلى تحقيق حوار بين صلابة المعدن ونعومة التكوين، وبين انتظام بعض الأشكال وعفوية الأشكال الأخرى، ليصبح تنوع الخامات والمعالجات وسيلة للتعبير عن تنوع السجايا الإنسانية والطبيعية.

كيف تقرأين التوازن بين إرثنا الثقافي والحضاري وبين لغة التصميم المعاصرة في قطع معرض «سجايا»؟ وإلى أي مدى تحرصين على أن تحمل كل قطعة «بصمة روحية» خاصة بصاحبتها؟

أؤمن بأن التراث ليس مجرد مجموعة من الرموز والزخارف التي نعيد استخدامها، وإنما هو ذاكرة حضارية ممتدة، يمكن استلهام روحها وإعادة قراءتها بلغة معاصرة.

وفي أعمالي أحاول تحقيق هذا التوازن من خلال الانطلاق من الوعي بالهوية الثقافية والجمالية، دون الوقوع في أسر المحاكاة المباشرة للموروث. فالتصميم المعاصر بالنسبة لي هو القدرة على تحويل الذاكرة البصرية إلى رؤية جديدة تحمل ملامح عصرها.

أما البصمة الروحية للقطعة، فأراها في قدرتها على تجاوز حدود الزينة لتصبح جزءًا من شخصية المرأة التي ترتديها. فالحُلي في النهاية علاقة وجدانية بين الإنسان والموضوع ؛ وكلما امتلكت القطعة شخصية تشكيلية مستقلة، أصبحت أكثر قدرة على التعبير عن شخصية صاحبتها وذوقها وخصوصيتها.

هل تنظرين إلى تصميم الحلي باعتباره تطبيقًا لفنون زخرفية، أم ترين فيه عملاً فنيًا مستقلاً بذاته يحمل رسالة تشكيلية وفلسفية لا تقل عن اللوحة أو التمثال؟

أرى أن فن الحلي يتجاوز كثيرًا مفهوم الفنون الزخرفية أو الوظيفة التجميلية، فهو مجال إبداعي مستقل تتكامل فيه الرؤية التشكيلية مع الفكر والفلسفة والمهارة التقنية.

فالقطعة الفنية في مجال الحلي يمكن أن تحمل من التعبير والدلالات ما تحمله اللوحة أو المنحوتة، بل إنها تمتلك خصوصية إضافية؛ لأنها لا تظل معلقة على جدار أو موضوعة فوق قاعدة، وإنما تنتقل إلى الجسد وتصبح جزءًا من حركة الإنسان وحضوره.

ومن هنا أتعامل مع تصميم الحلي باعتباره ممارسة فنية متكاملة، تبدأ بالفكرة وتنتهي بعمل له كيانه الجمالي والتعبيري، وتلتقي فيه الفنون التشكيلية مع التصميم والتكنولوجيا والحرفية الدقيقة. وأؤمن بأن قيمة الحلي الفنية لا تُقاس فقط بالخامات أو التقنيات المستخدمة، وإنما بعمق الفكرة وخصوصية المعالجة والقدرة على خلق لغة بصرية متفردة.

الحلي فن فريد لأنه يُرتدى ويتفاعل مع حركة الجسد ونبض الإنسان. كيف تدرسين هذه العلاقة بين القطعة الفنية والمرأة التي ترتديها أثناء عملية التصميم؟

هذه العلاقة من أكثر الجوانب التي تمنح فن الحلي خصوصيته وتميزه. فالقطعة لا تكتمل بالنسبة لي بمجرد اكتمال تشكيلها، وإنما تكتسب حياة جديدة عندما تتفاعل مع الجسد.

أراعي أثناء التصميم التناسب بين الكتلة والفراغ، وبين حجم القطعة وحركة الجسم، وكذلك طبيعة الاستخدام والراحة، دون أن يكون ذلك على حساب القيمة الفنية أو الجرأة التشكيلية.

وأهتم بأن تكون هناك حالة من الحوار بين الحُلي والمرأة التي ترتديها ؛ فلا تفرض القطعة حضورها عليها، ولا تفقد شخصيتها أمامها، وإنما ينشأ بينهما نوع من الانسجام، تصبح فيه المرأة امتدادًا للعمل الفني، ويصبح العمل جزءًا من تعبيرها عن ذاتها. فالحُلي في تصوري ليست مجرد ما ترتديه المرأة، بل هي ما تختاره ليعبر عنها.

أعمال رحاب عبد العال

ما هي الملاذات البصرية أو التراثية أو الطبيعية التي تمدكِ دائمًا بشرارة الإلهام وتغذي خيالكِ الفني؟

تظل الطبيعة بالنسبة لي أحد أهم منابع الإلهام، بما تمتلكه من تنوع لا نهائي في الأشكال والملامس والتكوينات. أجد في جذوع الأشجار، وتعرجات الأغصان، وتفاصيل الأزهار، وحركة الطيور، وملامس الكائنات البرية والبحرية مفردات تشكيلية شديدة الثراء.

كما تحتل الذاكرة والخيال والطفولة مساحة خاصة في تجربتي الفنية؛ فالحكايات الموروثة والعوالم الخيالية والشخصيات التي ارتبطنا بها في سنوات الطفولة تحمل طاقة بصرية وإنسانية قادرة على إعادة اكتشاف العالم من منظور مختلف.

وأعتقد أن الفنان لا يستمد إلهامه من الأشياء في صورتها الظاهرة فقط، وإنما من قدرته على رؤية ما وراءها، واكتشاف التفاصيل التي قد تبدو عادية للآخرين، ثم إعادة صياغتها في صورة فنية تحمل رؤيته الخاصة.

تتطلب صياغة الحلي المعاصرة صبرًا ومثابرة ومهارة يدوية عالية. ما هي أكبر التحديات التي تواجه الفنان المصمم اليوم، وكيف ترين مكانة فن الحلي المصري على الخريطة العربية والعالمية؟

يواجه فنان الحلي المعاصر في مصر مجموعة من التحديات، يأتي في مقدمتها تحقيق التوازن بين الابتكار الفني والإمكانات التقنية والإنتاجية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الخامات، والحاجة المستمرة إلى تطوير أدوات التنفيذ وأساليب المعالجة، وضرورة مواكبة التطور التكنولوجي دون فقدان قيمة المهارة اليدوية والخبرة الحرفية.

وهناك أيضًا تحدٍ مهم يتمثل في تعزيز الوعي المجتمعي بأن الحلي يمكن أن يكون عملًا فنيًا معاصرًا يحمل قيمة فكرية وجمالية، وليس مجرد منتج يرتبط بقيمة المعدن أو الأحجار الطبيعية المستخدمة فيه.

أما عن مكانة فن الحلي المصري، فأرى أنه يمتلك مقومات حقيقية تؤهله لحضور قوي على المستويين العربي والعالمي؛ فنحن نمتلك رصيدًا حضاريًا وفنيًا هائلًا في مجال صياغة المعادن والحُلي، إلى جانب طاقات إبداعية شابة وخبرات أكاديمية وفنية متميزة.

لكننا نحتاج إلى مزيد من الاهتمام بالتسويق الثقافي، والمشاركة في المعارض الدولية، ودعم التجارب الفنية المستقلة، وربط التعليم الأكاديمي بمتطلبات الصناعة والتطورات العالمية.

وأؤمن بأن مستقبل الحلي المصري لا ينبغي أن يقوم على استعادة أمجاد الماضي فقط، وإنما على القدرة على تقديم رؤية معاصرة تنطلق من هويتنا الحضارية، وتخاطب العالم بلغة فنية مبتكرة ومتفردة.

أعمال رحاب عبد العال
أعمال رحاب عبد العال

الأسئلة الشائعة

المعرض يقوم على ترجمة الفطرة الإنسانية إلى كائنات تشكيلية تُرتدى، بحيث تصبح قطعة الحلي كيانًا فنيًا يحمل روحًا وحكاية وليس مجرد زينة

اعتمدت على الفضة والنحاس والأحجار الطبيعية، مع إبراز خصائص كل خامة من حيث الملمس واللون وطبيعة التكوين

ترى أن القطعة يجب أن تنسجم مع الجسد وحركته وأن تصبح امتدادًا لشخصية المرأة، لا أن تفرض حضورها عليها أو تفقد شخصيتها أمامها