كان بلياتشو متخصص
يموت قدامها تضحكله
وكان عارف بيبني إزاي
ملامح ضحكة على شكله.

كنت أبحث عن وصفة لدحر الخوف القديم المقيم في العظام. ففي أحد تعريفات العبث، قيل إن الضحك هو خط الدفاع الأخير للروح حين تتفاجأ بعبثية العالم. ولأننا نعيش منذ سنواتٍ طويلة في غرفة مغلقة مع القلق، صارت وصفة النجاة عندي هي الإيغال في السخرية.

كنت أغالي في استدعاء بهجة البلهاء القدامى: شارلي شابلن وهو يواجه تروس المصنع، وإسماعيل يس وهو يرتجف أمام الأشباح، وقصص جحا وحماره التي لا تفرط في الجدية أبدا.

استوقفني سؤال: هل الضحك ابن السعادة أم ابن الحزن؟.. كنت أؤمن بقول نيتشة على لسان زرادشت: «علينا أن نتعلم الضحك.. حتى نتمكن من تحمل ثقل الأرض».. كنت أدرك أن الضحك ليس نقيضًا للحزن، بل هو درع الحزن؛ ووسيلة الفيلسوف لكي ينظر إلى الهاوية فلا تبتلعه، بل يبتلعها هو.

تعلمت من كانط أساسا نفسيا فلسفيا عميقا للضحك إنه: “نتيجة تحول فجائي لتوقع محتدم إلى لا شيء”. بمعنى أنك تنتظر شيئًا مهمًا وجادًا، وفجأة تكتشف تفاهته أو عبثيته، فتتفرغ الطاقة العصبية المتراكمة في صورة ضحك.

هذا المعنى الذي طوره شوبنهاور حين قال إن الضحك ينشأ دائما من إدراك التناقض بين المفهوم المجرد والواقع المحسوس.

كنت أنفجر ضحكا، حينما كان الضحك يتسكع في الشوارع كالبلياتشو العجوز، حرا طليقا، يوزع طاقته بلا ثمن على الوجوه العابرة.

لكن، أين اختفى الضحك القديم؟
سؤال تتكسر إجابته على عتبات أسئلة أثقل؛ ربما غادر جحا المدينة حين وجد حماره مذبوحا على عتبة الواقع، أو ربما دفن مع تلك النهاية التراجيدية لملك الكوميديا إسماعيل يس. حتى كتب النكات توقفت عن الصدور، وكبر المهرجون وشابوا، وانكفأ الأراجوز في زوايا مهملة بعد أن تحولت “البهجة” إلى مهنة رسمية يمارسها الجميع باحتراف ثقيل.

في غمرة هذا التفتيش عن أصل الغياب، قلبت صفحات الكتب باحثا عن “شماعة” أعلق عليها موت الضحكة الكبرى. لم يكن السبب غلاء عيش، ولا تلك الدوامة للركض نحو الهاوية فحسب، بل وجدته هناك.. في سيرة الفيلسوف الإغريقي خريسيبوس، الذي حقق بمعناه الحرفي مقولة: “مات من الضحك”.

كنت أحسبها مبالغة بلاغية حتى أيقنت أنها ذروة المفارقة الوجودية.. خريسيبوس لم يكن جاهلا؛ بل كان أحد أقطاب الرواقية في العصر الهيلينيستي، ومؤلف مئات الكتب التي تؤسس للعقل والمنطقيات.. لكنه في إحدى الأمسيات، وبعد أن أمعن في شرب الخمر، رأى حمارا يلتهم حبات من التين. لم تتحمل ذائقة الفيلسوف المشهد، فانفجر في نوبة ضحك هستيرية لم تنته إلا بموته وسط ذهول الحاضرين.

ما الذي أضحك فيلسوفا حتى الموت؟
لم يكن منظر الحمار هو المضحك في ذاته، بل إدراك المفارقة المطلقة: أن يقضي هذا الفيلسوف عمره في تفكيك لغز الوجود، لينتهي به المطاف متأملا حمارا يأكل تينا بكل رضا، بينما العالم كله يترنح.. لقد رأى خريسيبوس عبثية العالم عارية، فمات مخنوقا بضحكته.

وهنا يتقاطع خريسيبوس مع “دياب” في فيلم الأرض، حين ترك الأخير معلقا على جدار الأيام بعبارته القاسية: “افهم بقى يا دياب، مشاكلك عمرها ما تنتهي طول ما أنت مصدق إنك محسود مش غبي”.

فما الرابط بين الفيلسوف والحمار ودياب؟
إنه الإدراك المؤلم؛ الأغبياء وحدهم من ينجون من طاحونة الوعي. إنهم يعبرون الحياة خفافا، لا يثقلهم تساؤل، ولا ترهقهم حراسة المعنى. أما المفكرون، فيقتاتهم التفكير حتى تميتهم المفارقات.

وهكذا، يبقى الإنسان عالقا بين خيارين مرين: إما أن يمعن في العقل حتى تقتله المفارقة، أو أن يستسلم لبلادة التين والغباء المريح ليحيا بأمان.

لكن الحقيقة التي ربما نخفيها خلف سخريتنا، هي أننا لا نستطيع حقا أن نرتدي مسوح البلادة كاملة، تماما كما لا نستطيع أن نتحمل ثقل التفلسف الأبدي إلى حد الموت. فنحن نكتب لنقاوم، ونضحك لنتنفس، ونعيد اختراع الحكايات علنا نخدع العبث ولو لحين.

فيا صديقي.. في زمن السقوط، لا تكن فيلسوفا.. كن غبيا قدر المستطاع، لعلك تنقذ قلبك من موت مجاني على شرفة نكتة.

أما أنا مازلت أبحث عن ذلك البلياتشو الضائع في داخلي؛ لعله يخرج علينا من أزقة الذاكرة المنسية، بملابسه المبرقعة وابتسامته البسيطة، ليعيد ترتيب هذه الفوضى العارمة، ويذكرنا بأن الحياة مهما اشتدت قسوتها وعبثيتها، تستحق أن نبتسم في وجهها، ولو على سبيل العناد الجميل.

ده كان لما يشوف دمعة
يروح ويشيلها في المونتاج
وكان لو يوم يعوز ضحكة
يقوم يرسمها بالمكياج
وقف قدامها عالكرسي
وشد المشنقة بإيديه
فجه واحد وقال وقف
وضحكوا الناس علي الإفيه
فضل يضحك علي نفسه
ومش عارف بيضحك ليه
بيضحك ليه؟ ليه؟..

الأسئلة الشائعة

المقال يبحث عن معنى الضحك ودوره بوصفه درعًا للحزن ووسيلة لمواجهة عبثية العالم والخوف القديم المقيم في العظام

لأنه مثال على المفارقة الوجودية عند الكاتب، إذ انتهى به الأمر إلى الموت بعد نوبة ضحك هستيرية حين رأى حمارا يأكل التين

يدعو إلى ألا يكون الإنسان فيلسوفا أكثر مما يحتمل وأن يحتفظ ببعض البساطة والضحكة لأنها قد تنقذ القلب من ثقل العبث