يشهد الواقع المعاصر مفارقة تاريخية مذهلة تتمثل في التزامن العجيب بين الانفجار الهائل للمعلومات والتراكم غير المسبوق للألقاب والشهادات الأكاديمية العليا، وبين انحسار القدرة على التفكير النقدي العميق وتراجع الأفق الإنساني الرحب لدى النخب المتعلمة. طالما ظن البشر أن التعليم النظامي والجامعات المتخصصة هما الحصن الأخير ضد التعصب والجهل والظلامية، غير أن الواقع المعاصر يعيد صياغة هذا الافتراض الساذج بوصفه أسطورة حديثة؛ إذ لم يعد الجهل وليد الأمية الأبجدية وحدها، بل بات ينبثق من قلب المؤسسات الأكاديمية ذاتها التي تنتج طرازًا جديدًا ومقلقًا يُعرف بـ “الجهل المؤسسي”. هذا الجهل لا يعبر عن فراغ في الذاكرة أو عجز عن القراءة، بل هو جهل مركب وممنهج يرتدي رداء الاختصاص الصارم، ويتدثر بالشهادات العليا، ويتحصن خلف لغة تقنية جافة تغيب عنها الروح النقدية والبعد الإنساني الفلسفي. إن التخصص المفرط والمغلق، الذي جرى ترسيخه بوصفه ذروة التطور المعرفي في العصر الحديث، أفرز عقليات تقنية بارعة في تشغيل الآلات وحساب الخوارزميات وتطبيق القواعد البيروقراطية، لكنها عاجزة تمامًا عن فهم السياقات الإنسانية الأوسع، أو تبني رؤية مركبة للواقع، أو تفكيك الأنساق الإيديولوجية التي تعيد إنتاج الاستبداد والتعصب. وحين يتحول العالم الأكاديمي إلى مصنع لإنتاج الموظفين والتقنيين المغلقين على حقولهم الضيقة، تفقد الجامعة دورها التنويري الأصيل بوصفها مختبرًا للعقل الحر والمواطنة الكونية، لتتحول إلى أداة لشرعنة الجهل المقنع وتبرير الاستبعاد المنهجي لكل ما هو إنساني وفلسفي، وهو ما يستدعي تفكيكًا نقديًا جذريًا لهذه الظاهرة العميقة التي تهدد مستقبل العقلانية والمجتمع الحديث بأسره.
التجذر التاريخي والبنيوي لظاهرة الانغلاق التخصصي يعود في جوهره إلى التحولات الكبرى التي شهدتها الحداثة الغربية وتحديدًا مع هيمنة النزعة الأداتية والبراغماتية النفعية التي أفرزتها الرأسمالية الصناعية المتأخرة. في هذا السياق، لم تعد المعرفة غاية في ذاتها أو وسيلة لتحرير الإنسان وفهم كينونته وتعزيز إنسانيته، بل غدت سلعة إنتاجية وأداة للتحكم والسيطرة والفعالية الاقتصادية البحتة. هذا التحول الجذري فرض على الجامعات ومراكز البحث العلمي إعادة هندسة مناهجها لخدمة متطلبات السوق وسلاسل الإنتاج العالمية، مما أدى إلى تجزئة المعرفة الإنسانية المترابطة إلى جزر متطفرة ومنعزلة، لا تكاد إحداها تفقه لغة الأخرى. الطبيب المبرز في جراحة الأعصاب قد يكون أميًا تمامًا في حقول التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع، والمهندس الذكي الذي يصمم أنظمة ذكاء اصطناعي معقدة قد يفتقر كليًا إلى أي حس إخلاقي أو وعي تاريخي بالمآلات السياسية والاجتماعية لتطبيقاته التكنولوجية، والاقتصادي الذي يدير حسابات الموازنات الكبرى قد يعجز عن فهم البنيات النفسية والثقافية للبشر الذين تتأثر حياتهم بشكل مباشر بقراراته الباردة. هذا الانفصام البنيوي بين العلوم التقنية والعلوم الإنسانية لم يكن بريئًا، بل أفرز طبقة جديدة من “التكنوقراط” الذين يعتقدون خطأً أن امتلاكهم لأدوات التقنية وحفظهم لمصطلحات تخصصهم يمنحهم حق الوصاية على إدارة المجتمع وتوجيه شؤونه بمعزل عن أي اعتبار أخلاقي أو نقدي. وهنا تحديدًا تكمن خطورة الجهل المؤسسي؛ فهو جهل متغطرس يعتقد أصحابه أنهم في قمة الهرم المعرفي بينما هم محبوسون داخل زنزانة فكرية ضيقة، عاجزون عن رؤية الغابة لأنهم مستغرقون تمامًا في عد أوراق الشجر القريبة منهم.
الآليات النفسية والاجتماعية والتنظيمية التي تحمي هذا الجهل المؤسسي وتضمن استمراريته وتمدده تتغذى على الخوف العميق من التعقيد والغموض اللذين يطبعان الوجود الإنساني. الإنسان بفطرته يميل إلى اليقين البسيط والأنظمة المغلقة التي تقدم إجابات جاهزة ומريحة وتعفيه من عناء الشك المنهجي والتفكير النقدي المستمر. الشهادات الأكاديمية المرموقة والألقاب العلمية الطويلة تعمل بمثابة درع نفسي واقٍ يحمي حامله من مواجهة هشاشته المعرفية ومن ضرورة مراجعة مسلماته الفكرية. فحين يحصل الباحث أو المتخصص على درجاته العلمية العليا، فإنه يدخل غالبًا في نرجسية مؤسسية تجعله يتعامل مع تخصصّه باعتباره الحقيقة المطلقة وما عداه لغوٌ لا قيمة له. الهياكل التنظيمية للجامعات ومراكز التوظيف تعزز هذه النزعة عبر مكافأة الانعزال ومعاقبة التداخل المعرفي، حيث يُنظر إلى الباحث الذي يتجاوز حدود تخصصه الضيق بعين الريبة بوصفه غير جاد أو مشتت الذهن. علاوة على ذلك، فإن اللغة الأكاديمية المغلقة والمصطلحات التقنية المعقدة التي يبتدعها كل تخصص لا تُستخدم دائمًا لزيادة دقة البحث العلمي، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى شفرات طبقية عازلة تهدف إلى إقصاء الجمهور العام عن المساءلة والنقد، وإسباق هالة من القداسة المصطنعة على آراء الخبراء. هذه الديناميكية التنظيمية والنفسية تنتج عقليات طائفية داخل الأكاديميا ذاتها؛ فطائفة المهندسين تنظر بازدراء للعلوم الإنسانية، وطائفة الاقتصاديين الرياضيين تسخر من الفلسفة والتاريخ، بينما الجميع يشترك في إنتاج لغة تقنية باردة تتعامل مع الإنسان بوصفه مجرد رقم في معادلة أو وحدة استهلاكية في سوق أو عنصر في بنية بيروقراطية صماء، مما يلغي البعد الوجودي والأخلاقي للعمل البشري ويغذي جذور التعصب المقنع تحت لافتة العلم والموضوعية المزيفة.
التداعيات المدمرة للجهل المؤسسي والتخصص المغلق على بنية الدولة الوطنية والمجتمع المعاصر تبدو كارثية على أكثر من مستوى، لا سيما في قدرتها على تفكيك التضامن الاجتماعي وتقويض أسس التفكير العقلاني المستنير. حين تتحول النخب الأكاديمية والتقنية إلى كائنات منفصلة عن هموم مجتمعاتها وأسئلتها الوجودية الكبرى، تفقد الدولة بوصلتها الأخلاقية وتتحول مؤسساتها إلى آلات صماء تدار بلا روح ولا تعاطف. هذا الانفصال أفرز أزمة ثقة عميقة بين المواطنين والنخب الحاكمة والمتعلمة، وهي أزمة تفتح الباب على مصراعيه لظهور الشعبويات الجارفة والأصوليات المتطرفة التي تقدم إجابات عاطفية وبسيطة على تعقيدات العالم الحديث، مستغلة عجز الخطاب التكنوقراطي البارد عن مخاطبة وجدان الناس ومع معاناتهم الحقيقية. الأصولية الدينية أو السياسية ليست سوى وجه عملة أخرى للجهل المؤسسي؛ فكلاهما يشترك في الركون إلى نصوص أو نظريات مغلقة لا تقبل المراجعة، وكلاهما يرفض التعددية الفكرية والشك المنهجي، وكلاهما ينتج عقلية إقصائية تعتقد امتلاك الحقيقة المطلقة. بل إن الأسوأ من ذلك هو انزلاق العديد من حملة الشهادات العليا والتقنيين المهرة نحو تبني أيديولوجيات متطرفة وعنصرية حين يفتقرون إلى العمق الإنساني والفلسفي الذي تحرسه العلوم الإنسانية؛ فالطبيب أو المهندس الذي ينضم إلى جماعات متطرفة لا يفعل ذلك عن أمية، بل بسبب عقليته التقنية المغلقة التي تبحث عن قواعد صارمة وأبيض وأسود مطلق، وتفتقر إلى القدرة على تأويل النصوص أو فهم تعقيدات التاريخ البشري. هكذا تتحول الأكاديميا، التي يُفترض أن تكون مشتلًا للحرية والنقد، إلى حاضنة خفية للتعصب، وتصبح الشهادة الأكاديمية غطاءً براقًا لتمرير سياسات ومواقف تتنافى تمامًا مع أبسط قواعد التنوير والعقلانية.
استعادة العقلانية وبناء دولة المواطنة العادلة والمستنيرة تقتضي بالضرورة ثورة جذرية في فلسفة التعليم وتجاوزًا صارمًا لحالة الانعزال التخصصي التي تكرس الجهل المؤسسي. لا بد للجامعات ومؤسسات الفكر من إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والفلسفة والتاريخ بوصفها المكون الأساسي لأي عقلانية حية قادرة على نقد ذاتها وقادرة على وضع المعرفة التقنية في خدم الإنسان لا العكس. إن التقدم العلمي الهائل لا قيمة له أخلاقيًا أو إنسانيًا إن لم يكن محكومًا بمنظومة قيمية تحرس كرامة الإنسان وحريته وتعزز شروط العيش المشترك. التحرر من ربقة الجهل المؤسسي يبدأ بكسر الحواجز المصطنعة بين الحقول المعرفية، وتشجيع التفكير العابر للتخصصات، وإعادة تدريب العقل النقدي على قبول الشك والتعقيد والتعددية بوصفها شروطًا أصيلة للوعي الحديث. إن المجتمعات التي ترغب في مغادرة دائرة التخلف والتعصب لا يمكنها الاكتفاء بتخريج جيوش من التقنيين والموظفين الأكفاء الذين يحفظون تقنيات عصرهم ويجهلون روحه؛ بل هي بحاجة ماسة إلى مواطنين أحرار، ومفكرين نقديين يمتلكون الشجاعة لمساءلة المسلمات المفروضة، وتفكيك آليات السلطة والإيديولوجيا الكامنة خلف الخطابات المهيمنة. وحين تتحول الشهادة الأكاديمية مجددًا من صك طاعة بيروقراطي أو درع نرجسي للتعصب إلى شهادة وعي نقدي والتزام إنساني، حينها فقط يمكن للجامعة أن تستعيد رسالتها النبيلة منارةً للعقل، ويمكن للمجتمع أن يخطو خطوات حقيقية وثابتة نحو بناء دولة المواطنة والقانون والتنوير الحقيقي.
هو جهل مركب وممنهج ينشأ داخل المؤسسات الأكاديمية نفسها، ويرتدي رداء الاختصاص والشهادات العليا مع غياب الروح النقدية والبعد الإنساني الفلسفي
لأنه ينتج عقليات تقنية بارعة في مجالها الضيق لكنها عاجزة عن فهم السياقات الإنسانية الأوسع أو تفكيك الأنساق الإيديولوجية التي تعيد إنتاج الاستبداد والتعصب
يدعو إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والفلسفة والتاريخ، وكسر الحواجز بين الحقول المعرفية، وتشجيع التفكير العابر للتخصصات وإعادة تدريب العقل النقدي


