تشرفت اليوم الخميس الماضي 29/ 10/ 2026م، بالمشاركة في المؤتمر السنوي للجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقاهرة، وموضوعه «المجتمع المصري والأزمات الاقتصادية عبر العصور»، وقد ألقيت ورقة بحثية جديدة بعنوان «من صور التكافل الاجتماعي بمصر زمن إحدى المجاعات في النصف الأول من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي).
حض الإسلام على التكافل الاجتماعي بين المسلمين؛ فيكون آحاد الناس في كفالة جماعتهم، ويكون كل قادر أو ذي سلطان كفيلًا في مجتمعه يمده بالخير. ويقوم التكافل الاجتماعي على أسس الإخاء والرحمة والمسؤلية الجماعية، لضمان حياة كريمة للجميع، بتقديم العون والحماية والمواساة إلى أن تنقضي حاجة المضطر. وهذا التكافل لا يبرز بأسمى صوره، إلا كلما تعمقت معاني الأخوة والإيثار، واندثرت جذور الأنانية والاستئثار.
ومن أسمى الأخلاق أن يقابل التكافل الاجتماعي بعفة نفس المحتاج. وهكذا يكون ذلك التكافل منظومة شاملة من التعاون والتضامن والتآزر والمسؤلية المشتركة بين أفراد المجتمع، تهدف إلى رعاية المحتاجين في كل الأوقات عامة، وفي زمن الأزمات الاقتصادية (القحط والمجاعات، وغيرهما) خاصة.
وكان الشيخ الفقيه المحدّث المقرئ البارع المجود الأديب اللغوي النّاسِخ مليح الخط أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحُطيْئة اللخمي المالكي الفاسي ثم المصري (ت560هـ/1164م) إمامًا صالحًا عابدًا متقشفًا متعففًا كبير القدر، وكان لأهل مصر وحكامها الفاطميين فيه اعتقاد كبير، لما رأوه من صلاحه، وكان لا يقبل رزقًا على الإقراء. وقد وقع بمصر كما ذكر ابن ميسر في «أخبار مصر»، والمقريزي في «اتعاظ الحنفا»، غلاء ومجاعة شديدة، وكثر الموتان في النصف الأول من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. وقد اشتد الحال، فاحتاج ابن الحُطيْئة، فمشى إليه أجلاء المصريين، وسألوه قبول عطاء، فامتنع غاية الامتناع، فتحيل عليه الفضل بن يحيى الطويل، وكان عدلًا بزازًا في القاهرة، فخطب إليه ابنته، فزوجه، ثم طلب منه أن تكون أمها معها تؤنسها، فأذن في ذلك، وكان القصد تخفيف عبء العائلة عنه، فخف ظهره، فكان ذلك التكافل الاجتماعي أجمل تلطف من أعيان المصريين وصهر ابن الحُطيْئة في بره.
وبقى ابن الحُطيْئة مقيمًا بمفرده بجامع راشدة خارج الفسطاط لمدة سنة، ينسخ الكتب ويأكل من عمل يده إلى أن زالت الشدة، وكانت الكتب التي ينسخها بخطه مرغوب فيها، للتبرك بها، ولإتقانها. وقد ورد خبر تلك الأزمة وتكافل المصريين مع ابن الحُطيْئة في بعض المصادر الأصلية، غير أنها لم تحدد تاريخ وقوعها، وهى: «إنباه الرواة» للقفطي، و«وفيات الأعيان» لابن خلكان، و«تاريخ الإسلام»، و«معرفة القُراء الكبار»، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي، و«مسالك الأبصار» لابن فضل الله العمري، و«الوافي بالوفيات» للصفدي، و«المقفى الكبير» للمقريزي، و«جِذْوَة الاِقتباسِ في ذكر مَنْ حَلّ من الأعلام مدينة فاس» لابن القاضي المكناسي. ورجحت الدراسة أن تلك المجاعة الشديدة وقعت في عهد الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله، وأنها استمرت ثلاث سنوات (536- 538هـ/1142- 1144م).
أ.د إبراهيم عبد المنعم سلامة أبو العلا
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
قسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية كلية الآداب جامعة الإسكندرية.
الأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة
تناولت الورقة صور التكافل الاجتماعي بمصر زمن إحدى المجاعات في النصف الأول من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي
رجحت الدراسة أنها وقعت في عهد الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله، واستمرت ثلاث سنوات من 536 إلى 538هـ الموافق 1142 إلى 1144م
مشى إليه أجلاء المصريين وسألوه قبول عطاء فامتنع، ثم تزوج ابنة الفضل بن يحيى الطويل لتخفيف عبء العائلة عنه، وبقي بعدها ينسخ الكتب ويأكل من عمل يده حتى زوال الشدة


