أطلقت مجموعة من الكنائس في الأرجنتين وباراجواي مبادرة مجتمعية تستهدف تمكين النساء، من خلال الجمع بين التعاليم اللاهوتية اللوثرية والتوعية المجتمعية والاستفادة من القصص والتجارب الحياتية للنساء، بما يسهم في بناء شبكات دعم وتعزيز ثقافة الحوار والتضامن، وجاءت ذلك في إطار الجهود الرامية إلى مواجهة العنف ضد المرأة وتعزيز حقوقها داخل المجتمعات الريفية.

وتعتمد المبادرة على استخدام وسائل الإعلام الرقمية والحكايات الشخصية والأنشطة التدريبية لفتح نقاشات حول الإيمان وحقوق المرأة والأرض والعدالة الاجتماعية، إلى جانب تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التعرف على أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي والتصدي له.

وتأتي المبادرة تحت اسم “كنائس من أجل بناء العدالة بين الجنسين”، وينفذها جهاز الخدمة الإنجيلية للدياكونيا (SEDi)، وهو مؤسسة مشتركة بين الكنيسة الإنجيلية في ريو دي لا بلاتا والكنيسة الإنجيلية اللوثرية المتحدة، بدعم من الاتحاد اللوثري العالمي، من خلال برنامج مشروعات الكنائس الأعضاء.

قصص نساء ريفيات تكشف أهمية التمكين ومواجهة العنف

تعكس تجربة فيلما ميلاريخو، إحدى عضوات لجنة سان كايتانو في منطقة راؤول بينيا بباراجواي، التأثير الذي يمكن أن تحدثه المشاركة المجتمعية في حياة النساء، إذ أكدت أن انضمامها إلى إحدى المنظمات النسائية ساعدها على اكتشاف قيمتها وحقوقها، ومنحها الثقة في التعبير عن رأيها واتخاذ قراراتها.

وقالت ميلاريخو: تعلمت أنني أيضًا امرأة لها قيمة، وأن من حقي أن أقول كفى، وأن أقول نعم أو لا، موضحة أن النساء المشاركات في المبادرة أصبحن أكثر قدرة على الحديث عن أفكارهن دون خوف أو تردد، وأكثر استعدادًا للمشاركة الفعالة في مجتمعاتهن.

وتعد قصتها واحدة من 12 تجربة إنسانية يتناولها مشروع “كنائس من أجل بناء العدالة بين الجنسين”، الذي يسعى إلى تمكين النساء في المناطق الريفية والمجتمعات الكنسية، ومساعدتهن على مواجهة أشكال العنف والتمييز.

ويجمع المشروع بين العمل الديني والاجتماعي والتواصل والتعليم المجتمعي، من خلال ربط التقاليد اللوثرية بالتجارب الواقعية للمزارعات والنساء الريفيات والنساء المنتميات إلى مجتمعات السكان الأصليين.

قصة راعوث ونعمي مصدر إلهام للمبادرة

تستند المبادرة في جانبها الفكري واللاهوتي إلى قصة راعوث ونعمي الواردة في الكتاب المقدس، وتحديدًا في الإصحاحين الأول والثاني من سفر راعوث، باعتبارها نموذجًا يعكس قضايا لا تزال حاضرة في حياة كثير من النساء، من بينها الهجرة والعمل في الأرض والروابط الأسرية والتضامن النسائي والرعاية المتبادلة.

وجاء اختيار القصة بعد مشاورات شاركت فيها قيادات وراعيات نساء من الكنيستين، بهدف تحديد القضايا المشتركة بين النص الديني والواقع الاجتماعي للنساء، خاصة في المناطق الريفية التي تضم أعدادًا كبيرة من المزارعين والأسر المنتمية إلى مجتمعات السكان الأصليين.

ومن خلال هذا المدخل، يربط المشروع بين تجربتي راعوث ونعمي وقصص 12 امرأة قيادية تعمل مع المنظمات التي يدعمها جهاز الخدمة الإنجيلية للدياكونيا، حيث تتنوع تجاربهن بين الدفاع عن الأراضي الزراعية وإنتاج الغذاء والعمل الجماعي ورعاية الأسرة والمطالبة بالحقوق.

ويستهدف المشروع توظيف هذه القصص في تعزيز الحوار بين الإيمان والحياة اليومية، وفتح المجال أمام مناقشة العنف ضد المرأة ودور النساء في إحداث التغيير داخل مجتمعاتهن.

ومن بين هذه النماذج بيتي ميندوزا، عضوة تعاونية كولونيا ديليسيا في إقليم ميسيونيس بالأرجنتين، التي تشارك منذ عام 2013 في جهود الدفاع عن الأراضي التي تعيش عليها أسر مجتمعها المحلي وتمارس فيها الزراعة.

وأكدت ميندوزا أنها تعتبر نفسها امرأة قوية لا تستسلم، قائلة: «أنا امرأة الأرض والشجاعة».

وبعد سنوات من العمل والنضال، تمكنت هي وزميلاتها من تأسيس تعاونية زراعية أتاحت لهن إنتاج المحاصيل للاستهلاك الشخصي والبيع، كما حققن تقدمًا في إنشاء بنك للبذور، والعمل على تحقيق حلم إنتاج مشروب المتة الشهير في أمريكا الجنوبية باستخدام أساليب الزراعة الإيكولوجية.

وتبرز تجربتها العلاقة الوثيقة بين الدفاع عن الأرض والحفاظ على الكرامة الإنسانية والتنظيم الجماعي وقدرة النساء على مواصلة العمل وتحقيق أهدافهن.

الإعلام ووسائل التواصل لنشر تجارب النساء

ولضمان وصول رسائل المبادرة إلى أكبر عدد ممكن من الفئات، وضع القائمون عليها استراتيجية إعلامية تجمع بين المنصات الرقمية والمواد المطبوعة واللقاءات المباشرة.

وشملت الاستراتيجية استخدام منصات إنستجرام وفيسبوك وواتساب وسبوتيفاي ويوتيوب، إلى جانب إعداد بطاقات تعريفية وتقويم نسائي لعام 2026، يتضمن قصص 12 امرأة من المزارعات والقيادات والنماذج الملهمة في مجتمعاتهن.

ويركز التقويم على دور النساء في دعم الزراعة الأسرية وبناء المجتمعات المحلية والدفاع عن الحقوق ونقل الخبرات والمعارف بين الأجيال.

كما تضمنت الأنشطة تنظيم بث مباشر بعنوان “نساء على خطى راعوث”، إلى جانب إطلاق حملة توعوية خلال حملة الأيام الـ16 لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، التي أُطلقت في العام الماضي تحت شعار “لسنا وحدنا”.

واستهدفت الحملة تعزيز التضامن بين النساء وبناء شبكات للدعم المتبادل، ورفع الوعي بمخاطر العنف ضد المرأة داخل الكنائس والمجتمع بشكل عام، مع التأكيد على أهمية أن تكون المجتمعات الدينية أماكن آمنة توفر الدعم وتسهم في الوقاية من العنف ومواجهته.

تدريب نحو 700 مشارك على اكتشاف العنف والتعامل معه

يمثل التدريب وبناء القدرات أحد المحاور الرئيسية للمبادرة، حيث شارك نحو 700 شخص، من بينهم نساء وقساوسة وقيادات مجتمعية وممثلون عن المؤسسات المحلية، في خمس ورش عمل تناولت سبل التعرف على حالات العنف والوقاية منها والاستجابة لها.

وفي باراجواي، شاركت 38 عضوة من لجنة منتجي الخضراوات النسائية في منطقة راؤول بينيا في ورش تدريبية حول الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي وآليات التعامل معه، ونظمت هذه الورش بالتعاون مع المنظمة النسوية «كونيا بوتي».

كما نظم جهاز الخدمة الإنجيلية للدياكونيا أول لقاء متخصص لمناقشة قضايا الذكورة، بمشاركة 12 رجلًا، في خطوة تستهدف توسيع نطاق النقاش حول المسؤولية المجتمعية في مواجهة العنف وتعزيز العلاقات القائمة على الاحترام والمساواة.

وبالتوازي مع ذلك، قدم المشروع الدعم اللازم لتمكين نساء من أسر المزارعين ومنظمات السكان الأصليين من المشاركة في البرامج التدريبية، وتأسيس شبكات مساندة داخل مجتمعاتهن المحلية.

التضامن النسائي وسيلة لمواجهة العنف في مجتمعات السكان الأصليين

وفي إقليم ميسيونيس بالأرجنتين، نفذت المبادرة عملية حصر أولية للمؤسسات والجهات والخدمات المحلية التي يمكن الاستعانة بها عند التعامل مع حالات العنف.

كما جرى إدماج مواد توعوية وأساليب تفاعلية في عدد من لقاءات الكنيسة الإنجيلية في ريو دي لا بلاتا، من بينها أسلوب “مسرح المقهورين”، الذي يعتمد على التعبير الفني والمشاركة الجماعية لمناقشة التجارب الإنسانية الحساسة، وفتح حوارات حول قضايا يصعب أحيانًا تناولها بصورة مباشرة.

وفي مجتمع مبيا جواراني الأصلي بمنطقة يسيري في إقليم ميسيونيس، تبرز تجربة جاشوكا ريتي بوتي، القيادية المجتمعية والعاملة في مجال الصحة، التي تشارك نساء أخريات في أنشطة تستهدف تحسين جودة الحياة والحفاظ على الثقافة المحلية وبناء مجتمع خالٍ من العنف.

وأوضحت أن تنظيم النساء داخل مجتمعها جاء استجابة للحاجة إلى توفير مساحات خاصة بهن، تمكنهن من تبادل الخبرات وتعزيز أصواتهن قبل الدخول في حوار مع القيادات والسلطات الأخرى.

وأضافت أن هذه المساحات ساعدت كثيرًا من النساء على تجاوز الخوف والخجل من الحديث عن تجاربهن، وإدراك حقهن في التعبير عن أنفسهن ورفض العنف والدفاع عن حقوقهن ومساندة بعضهن البعض.

وقالت بوتي بإن رعاية بعضنا البعض تمثل أيضًا شكلًا من أشكال المقاومة، وتعبر عن حب عميق لهويتنا وشعبنا.

وتجسد هذه الشهادة إحدى الركائز الأساسية للمبادرة، التي ترى أن العلاقات القائمة على التضامن بين النساء وشبكات الدعم داخل المجتمعات المحلية يمكن أن تتحول إلى أدوات فعالة للرعاية والحماية والتنظيم، فضلًا عن كونها مصدرًا للأمل في مواجهة العنف والتمييز.

وتؤكد المبادرة، من خلال أنشطتها وتجارب النساء المشاركات فيها، أهمية تكامل التوعية والتعليم والعمل المجتمعي والإعلام في مواجهة العنف ضد المرأة، مع تعزيز دور المؤسسات الدينية والمجتمعات المحلية في توفير بيئة آمنة تضمن للنساء حقوقهن وتدعم مشاركتهن في صنع التغيير.