تخوض الروائية والناقدة هويدا صالح في روايتها “بيت الخلد”، رحلة أدبية إلى عشرينيات القرن الماضي في مصر مستعيدة عالما اجتماعيا ظل طويلا بعيدا عن صفحات التاريخ الرسمي حيث تتقاطع التحولات السياسية والاجتماعية مع حكايات النساء اللاتي عشن على هامش المجتمع وواجهن قيود السلطة الذكورية والأعراف الاجتماعية.

ومن خلال شخصيتي فريدة المفتي ونبوية العايقة تطرح الرواية تساؤلات حول السلطة والجسد والحرية والسرية والعلاقة بين الرغبة والنجاة كما تعيد قراءة التاريخ من منظور إنساني يكشف المسكوت عنه في حياة النساء.

وفي هذا الحوار مع “البوابة نيوز” تتحدث هويدا صالح عن دوافع العودة إلى عشرينيات القرن الماضي ودلالات عنوان الرواية وطبيعة شخصياتها ورؤيتها للعلاقة بين الجنس والسلطة كما تكشف عن موقفها من تصنيف العمل باعتباره رواية نسوية أو تاريخية وما تريد أن يخرج به القارئ بعد الانتهاء من قراءته.

ما الذي دفعك إلى العودة تحديدا إلى عشرينيات القرن الماضي وكتابة «بيت الخلد»؟ وهل كانت هناك حادثة تاريخية أو شخصية أثارت الفكرة؟

عشرينيات القرن الماضي في مصر كانت مرحلة تحولات كبرى وهشة في الوقت نفسه حيث كان الحراك السياسي والاجتماعي يتصاعد بينما تقبع في الظل عوالم كاملة من النساء اللاتي يعرفهن المجتمع فقط من خلال ذكوره.

لم تكن هناك حادثة منفردة بقدر ما كان هناك هاجس بصري وفكري أردت من خلاله النبش في تلك المنطقة المعتمة بين الحركة الوطنية المتصاعدة والعوالم الخلفية لبيت الخلد ووسط البلد ودور البغاء المقنن حيث تعيش النساء على هامش المجتمع لكنهن يحركن خيوطه الخفية.

أردت استعادة صوت المرأة التي لم يكتب التاريخ الرسمي شهادتها.

لماذا اخترت عنوان «بيت الخلد»؟ وما الدلالة التي أردت أن يحملها هذا العنوان؟

العنوان يحمل مفارقة مزدوجة فالخلد إشارة إلى الخلود والأبدية وهو المعنى الديني والروحي للجنة لكنه في الوقت نفسه يحيل إلى بيت أقيم لممارسة البغاء ولكن بشروط مختلفة عن أشكال البغاء التي كانت تمارس حتى تم تحريمه عام 1949.

وجاء هذا القرار نتيجة ضغوط اجتماعية وبرلمانية قادها النائب البرلماني سيد جلال نائب حي باب الشعرية وكلوت بك حيث سعى إلى إنهاء تجارة البغاء التي كانت خاضعة للائحة تنظيمية وتراخيص حكومية منذ عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1905.

وبيت الخلد في الرواية هو المكان الذي تلتقي فيه أضداد النفس البشرية الطهر والخطيئة والحلم والواقع والعيش في الظل والبحث عن الخلود وأردت للعنوان أن يكون مرآة للعالم السري الذي تدور فيه الأحداث.

هل تعتبرين فريدة المفتي ونبوية العايقة عملة واحدة؟

نعم هما وجهان لعملة واحدة تمثل تجربة العيش الأنثوي في مجتمع ذكوري صارم لكن كل واحدة منهما اختارت قناعا مختلفا للنجاة.

فريدة المفتي تمثل الواجهة الطبقية والأنوثة المقيدة بأغلال الأصول والأعراف والمظهر الاجتماعي بينما نبوية العايقة هي الذات التلقائية الحرة من القيود الأخلاقية الصارمة للمجتمع والتي انتزعت سلطتها من القاع.

كلتاهما تستخدمان المكر الحياتي للسيطرة على مصيرهما في عالم يرفض منحهما الحرية التلقائية.

كيف تحولت نبوية من مقطورة إلى عايقة؟

التحول لم يكن مجرد تغير في اللقب أو السلوك بل كان مسارا للتحرر واسترداد القوة فالمقطورة هي المرأة التابعة والمقودة التي تساق دون إرادة وتخضع للآخرين.

أما تحولها إلى عايقة فجاء نتيجة الوعي بقوانين اللعبة الإنسانية والاجتماعية في القاع فقد أدركت أن الجسد والسرية والذكاء الاجتماعي هي أدواتها الوحيدة للسيطرة بدلا من الخضوع.

وهذا التحول يمثل صعود امرأة من خانة المفعول به إلى خانة الفاعل.

هل قصدت أن يكون الجنس في الرواية رغبة أم صفقة؟

الجنس في الرواية يتجاوز المعنى البيولوجي المباشر فهو مجاز للسلطة والسيطرة والتبادل الاجتماعي.

وفي عالم يتسم بالازدواجية يتحول الجنس أحيانا إلى صفقة نجاة وأداة لمساومة المجتمع والرجال للوصول إلى الغايات وفي أحيان أخرى يظل رغبة إنسانية دفينة وملاذا أخيرا للشعور بالوجود والحياة.

العلاقة بين الرغبة والصفقة متداخلة تماما فالمرأة تجد نفسها تارة تدفع الجسد باعتباره قيمة للتبادل وتارة أخرى تستعيده باعتباره فعلا من أفعال الحرية.

السرية تبدو عنصرا أساسيا في حياة نبوية فهل تحب الشخصيات السرية باعتبارها حماية أم رغبة؟

السرية ليست مجرد خيار جمالي بل هي آلية حماية بالدرجة الأولى ووسيلة للبقاء في مجتمع يدين المرأة عند أول مكاشفة.

لكن مع الوقت تتحول السرية أيضا إلى رغبة في امتلاك المساحة الخاصة فالسر يمنح صاحبه قوة لا يملكها من يعيش في العلن وعندما تحتفظ الشخصية بأسرارها فإنها تفرض منطقها الخفي على العالم الخارجي.

هل تعتبرين «بيت الخلد» رواية نسوية أم رواية تاريخية؟

أراها رواية إنسانية في المقام الأول تتخذ من التاريخ إطارا ومن النسوية منظورا ورؤية فهي ليست رواية تاريخية بالمعنى التسجيلي الذي يسعى إلى توثيق المعارك والسياسة وليست بيانا نسويا مباشرا.

التاريخ هنا هو مسرح للأحداث والنسوية هي العدسة التي نقرأ بها القاع المنسي والمسكوت عنه في هذا التاريخ.

هل تخططين لكتابة روايات أخرى في العالم نفسه الذي تدور فيه أحداث «بيت الخلد»؟

هذا العالم غني جدا وثري بالتفاصيل التي لم تستنفد بعد فالعودة إلى مناخات القاهرة التاريخية وبؤرها الاجتماعية الخفية في القرن العشرين تفتح آفاقا واسعة لحكايات أخرى لم تحك بعد.

والمشروع الإبداعي يظل مفتوحا على امتدادات هذه المناخات.

ما الذي تريدين تغييره في القارئ بعد الانتهاء من «بيت الخلد»؟

أريد للقارئ أن يعيد النظر في الأحكام الأخلاقية الجاهزة وفي التاريخ المكتوب من وجهة نظر واحدة.

أتمنى أن يرى التعقيد الإنساني خلف النماذج الاجتماعية التي يوصمها المجتمع عادة وأن يدرك أن الحقيقة ليست دائما ما يقال في العلن بل غالبا ما تختبئ في الهوامش والغرف المغلقة.

كيف تتعاملين مع ردود الفعل التي ترى الرواية جريئة أو مثيرة؟

الأدب الحقيقي يجب أن يربك السائد ويثير الأسئلة بدلا من تقديم الإجابات المريحة.

ووصف الرواية بأنها جريئة غالبا ما يستخدم عندما يقتحم النص المناطق المسكوت عنها أو يفكك الازدواجية الأخلاقية للمجتمع.

أنا لا أستهدف الإثارة لمجرد الإثارة بل أستخدم الصدق الفني فالجسد والرغبة والسرية مفاهيم أساسية في فهم النفس البشرية والكتابة عنها بصدق جزء من أمانة الصنعة الأدبية.

ما المشهد الذي تعتبرينه الأقرب إلى قلمك في الرواية؟

المشاهد الأكثر قربا إلى قلمي هي تلك التي تلتقي فيها الشخصيات في لحظات كشف عارية من دون أقنعة وهي المشاهد التي تتقاطع فيها فريدة مع عوالم نبوية بشكل مباشر أو غير مباشر.

في هذه اللحظات تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية وتظهر التعرية الإنسانية الكاملة أمام الخوف والحاجة إلى الحرية.

السرية تبدو مثيرة جنسيا في الرواية فهل قصدت أن يكون الجنس السري أكثر إثارة من الجنس العلني؟

السري بطبيعته يتغذى على الممنوع والمستتر وفي الرواية تمنح السرية العلاقات طاقة مضاعفة لأنها تنشأ في المساحة الفاصلة بين الحظر والحرية.

فالممنوع يمارس غواية خاصة لأنه يكسر السلطة والأعراف ولذلك فإن إثارة الجنس السري في الرواية تنبع من كونه فعلا من أفعال التمرد المستتر الذي ينتهك الحدود التي فرضها المجتمع.