أكد الدكتور خالد حسين، الخبير الاقتصادي ومستشار المكتب دون الإقليمي لشمال إفريقيا التابع للجنة الاقتصادية لإفريقيا بالأمم المتحدة، أن الاقتصادات الإفريقية تواجه تحديات تمويلية متزايدة في ظل اتساع فجوة تمويل التنمية إلى نحو 400 مليار دولار سنويًا، وتراجع الاعتماد على التمويل الخارجي الميسر، وارتفاع أعباء الديون، نتيجة الأزمات العالمية المتلاحقة، وفي مقدمتها جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وما صاحبها من اضطرابات في أسواق السلع وارتفاع تكاليف الاستيراد الى جانب الحرب فى الشرق الأوسط.
وأوضح أن الاعتماد على التمويل الخارجي لم يعد كافيًا لتلبية احتياجات التنمية بالقارة، خاصة في ظل التفاوت الكبير في توزيع الموارد المالية الدولية، مشيرًا إلى أن مخصصات حقوق السحب الخاصة التي أصدرها صندوق النقد الدولي عقب جائحة كورونا، والبالغة نحو 560 مليار دولار، ذهبت نسبة 85% منها إلى الدول المتقدمة، بينما لم تحصل إفريقيا سوى على نحو 5%، بما يعادل 32 مليار دولار.
وأضاف أن توزيع حقوق السحب الخاصة وفق حصص الدول داخل صندوق النقد الدولي أدى إلى حصول الاقتصادات الأكثر احتياجًا للسيولة على نصيب محدود من التمويل، رغم تعرضها لتداعيات اقتصادية حادة، لافتًا إلى أن المقترحات الخاصة بإعادة توجيه 100 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة غير المستخدمة لدى الدول المتقدمة إلى بنوك التنمية متعددة الأطراف، ومنها البنك الإفريقي للتنمية والبنك الآسيوي للتنمية وبنك التنمية للبلدان الأمريكية، لم تحقق حتى الآن تحويلات ملموسة أو فوائد تنفيذية لهذه المؤسسات.
وأشار حسين إلى أن طبيعة الديون الخارجية الإفريقية شهدت تحولًا هيكليًا منذ مطلع الألفية الجديدة، حيث انتقل جانب كبير منها من القروض السيادية بين الحكومات إلى الدائنين من القطاع الخاص، بما يشمل البنوك التجارية وحاملي السندات الدولية وصناديق الاستثمار، وهو ما قلص فاعلية آليات إعادة هيكلة الديون والإعفاءات التقليدية، مثل نادي باريس ومبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون.
وأوضح أن هذا التحول يزيد صعوبة التفاوض بشأن تخفيف أعباء الديون، خاصة أن الدائنين من القطاع الخاص لا يتنازلون بسهولة عن مستحقاتهم، كما لا تستطيع الحكومات الأجنبية إجبار الصناديق الاستثمارية الخاصة على إلغاء الديون السيادية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعباء خدمة الدين في عدد من الدول الإفريقية، لتتجاوز في بعض الحالات مخصصات الصحة والتعليم مجتمعة، وتصل إلى 95% من إجمالي الإيرادات الحكومية في حالات قصوى.
وأكد أن تعبئة الموارد المحلية تمثل أحد أهم الحلول لسد فجوة التمويل التنموي في إفريقيا، مشيرًا إلى أن تحسين كفاءة التحصيل الضريبي يمكن أن يوفر إيرادات إضافية تصل إلى 500 مليار دولار سنويًا، حال رفع نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي من متوسط يبلغ نحو 16% حاليًا إلى 30%، بما يتجاوز فجوة التمويل التنموي المقدرة بنحو 400 مليار دولار سنويًا.
وأوضح أن تحقيق هذا المستهدف يتطلب معالجة أوجه القصور في المنظومات الضريبية، وعلى رأسها الفجوة بين نمو الإيرادات الاسمية والحقيقية، والتهرب الضريبي، وضعف الكفاءة الإدارية والفنية لأجهزة التحصيل.
وضرب مثالًا بالتجربة المصرية، حيث ارتفعت الحصيلة الضريبية بنحو 30% خلال عام واحد، إلا أن معدل التضخم تجاوز هذه النسبة، بما يعني أن الزيادة الاسمية لم تنعكس بالضرورة على نمو الإيرادات بالقيمة الحقيقية.
وأشار إلى أن التهرب الضريبي لا يقتصر على الاقتصاد غير الرسمي، بل يمتد إلى أنشطة رسمية مرتفعة الربحية، تشمل العيادات الطبية الخاصة والخدمات القانونية والفنادق والمنشآت السياحية الراقية، التي لا تزال بعض أنشطتها تعتمد على التعاملات النقدية، وترفض المدفوعات الإلكترونية، ولا تلتزم بإصدار الفواتير الإلكترونية.
ولفت إلى أن تطوير الإدارة الضريبية يتطلب الاستفادة من نماذج إدارة القطاع الخاص، وتحديث نظم الحوافز، ورفع كفاءة الفحص والمراجعة، وتوفير خبرات فنية متخصصة تتناسب مع طبيعة كل نشاط اقتصادي.
وأضاف حسين أن السيولة الفائضة لدى البنوك التجارية تمثل مصدرًا مهمًا يمكن توظيفه في تمويل التنمية، موضحًا أن غالبية البنوك الإفريقية تحتفظ بنسب احتياطيات تصل إلى 20%، رغم أن المعدلات التنظيمية المعتادة تتراوح بين 8% و10%، نتيجة مخاوف نقص السيولة المفاجئ.
وأشار إلى أن نسبة القروض إلى الودائع في البنوك الإفريقية تتراوح بين 60% و65%، بما يعني بقاء أكثر من ثلث الودائع دون توظيف في الإقراض، مقارنة بالأسواق المتقدمة التي تتجاوز فيها النسبة 100%.
وأوضح أن الحل يتمثل في قيام البنوك المركزية بإنشاء صناديق مشتركة لدعم السيولة، تمولها البنوك التجارية وتتيح لها الحصول على احتياجاتها قصيرة الأجل عند حدوث ضغوط مفاجئة، بما يسمح بخفض الاحتياطيات وإعادة توجيه الموارد المتاحة إلى تمويل مشروعات القطاع الخاص، دون زيادة الاقتراض الحكومي أو الديون السيادية.
وأكد أهمية تطوير أسواق المال الإفريقية وتحديث البورصات الوطنية، مشيرًا إلى أن القارة تمتلك مؤسسات مالية عريقة، من بينها البورصة المصرية، ثاني أقدم بورصة في العالم، إلا أن الاستفادة من هذه الأسواق لا تزال محدودة، ما يتطلب تشجيع الشركات المحلية الناجحة على القيد، والتوسع في توريق الأصول لتوفير مصادر تمويل جديدة للمشروعات.
كما لفت إلى أهمية استقطاب مدخرات الأفارقة العاملين بالخارج، من خلال تطوير أدوات مالية متخصصة، مثل سندات المغتربين وصناديق الاستثمار الموجهة، لتوجيه هذه المدخرات إلى الاستثمارات الإنتاجية داخل القارة.
وشدد حسين على أن القطاع الخاص يمثل المحرك الأساسي للنمو المستدام، وأن جذب الاستثمارات يتطلب التركيز على احتياجات المستثمرين الفعلية، وفي مقدمتها تسهيل دخول الأسواق والخروج منها، وضمان حرية تحويل الأرباح ورؤوس الأموال، وتبسيط الإجراءات الحكومية، ورفع كفاءة الجهاز الإداري، وتوفير بنية تحتية جيدة تشمل الموانئ والطرق والخدمات اللوجستية.
وأوضح أن الحوافز والإعفاءات الضريبية تأتي في مرتبة متأخرة ضمن أولويات المستثمرين، حيث تحتل المركز السابع أو الثامن، مقارنة بضمانات تحويل الأرباح وكفاءة الإجراءات وتوافر البنية الأساسية.
وأضاف أن الإعفاءات الضريبية الممنوحة للشركات الأجنبية قد لا تحقق دائمًا العائد المستهدف للدولة المضيفة، إذ يمكن أن تخضع الأرباح المحققة بالخارج للضرائب في الدولة الأم للشركة، بما يؤدي إلى انتقال المنفعة الضريبية إليها بدلًا من استفادة الدولة المستقبلة للاستثمار.
وأشار إلى أن قطاع الطاقة يمثل أحد أبرز مجالات الاستثمار المطلوبة في إفريقيا، في ظل افتقار نحو 60% من سكان القارة إلى الكهرباء، ومحدودية القدرات المالية للحكومات على تمويل مشروعات الطاقة واسعة النطاق، بما يجعل مشاركة القطاع الخاص في مشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية ضرورة لتوسيع نطاق الحصول على الكهرباء.
وفيما يتعلق بالتحولات التكنولوجية، أكد حسين أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة سيحدثان تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي خلال الفترة من 2027 إلى 2029، تتجاوز في تأثيراتها التحولات التي صاحبت الثورة الصناعية وانتشار الحواسب المركزية وثورة الإنترنت.
وأوضح أن الولايات المتحدة والصين تسيطران على الجزء الأكبر من البنية التكنولوجية الأساسية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل الأجهزة والمعدات والنماذج الأساسية ومراكز البيانات وحقوق الملكية الفكرية، بينما تواجه الدول النامية تحدي التحول إلى مجرد مستهلك للتكنولوجيا المستوردة، فضلًا عن تحمل تكاليف الطاقة والمياه اللازمة لتشغيل مراكز البيانات.
وأشار إلى أن الدول الإفريقية تتفاوت في قدرتها على الاستفادة من هذه الثورة، بين دول تطور النماذج التكنولوجية وتمتلك البنية التحتية والملكية الفكرية، وأخرى تعمل على استيعاب التكنولوجيا وتكييفها مع احتياجاتها الاقتصادية، بينما تواجه الدول المتأخرة في التكيف مخاطر فقدان فرص العمل وزيادة الاعتماد على النماذج الأجنبية.
ولفت إلى أن مصر وجنوب إفريقيا والمغرب تتحرك مبكرًا في مجال تطوير الجامعات التكنولوجية والبنية التحتية الرقمية، بما يعزز فرصها في استيعاب تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وأضاف أن الأتمتة ستؤثر بصورة مباشرة على الوظائف الإدارية والروتينية، مع قدرة الأنظمة الذكية على تنفيذ عمليات إدخال البيانات ومعالجتها وإعداد التقارير المحاسبية والتحليلية خلال دقائق، بدلًا من استغراق أيام في تنفيذها بالطرق التقليدية، فضلًا عن تأثير الروبوتات المنزلية على الطلب على العمالة المهاجرة في مجالات الرعاية والخدمات المنزلية بالدول الأوروبية.
وشدد على أن الاستثمار في التعليم الفني والتكنولوجي وتنمية المهارات البشرية يمثل العامل الحاسم في تحديد موقع الدول الإفريقية من التحول التكنولوجي، مؤكدًا أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء الحكومي، خاصة في تحصيل الضرائب ومراجعة حسابات الشركات وإدارة محافظ الديون السيادية ومقارنة سيناريوهات الاقتراض المختلفة، بما يعزز كفاءة إدارة الموارد العامة ويزيد قدرة الاقتصادات الإفريقية على جذب الاستثمارات ومواجهة الصدمات العالمية.
قال إن تعبئة الموارد المحلية عبر تحسين كفاءة التحصيل الضريبي وتطوير المنظومة الضريبية تمثل أحد أهم الحلول لسد فجوة التمويل التنموي
ذكر أنها تصل إلى نحو 400 مليار دولار سنويًا
أوضح أنها قد تصل إلى 500 مليار دولار سنويًا إذا ارتفعت نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 16% حاليًا إلى 30%


