بقلم محمد إبراهيم الدسوقي

لم يكن فوز الطفلة “ميار عثمان” ، ذات الحادية عشرة ربيعًا بالمركز اﻷول في مسابقة تحدى القراءة العربى في دورته العاشرة مجرد إنجاز لطفلة مصرية نابهة ومجتهدة، لكنه كان بيانًا عمليًا عما تتمتع به اﻷجيال المصرية الشابة من قدرات جبارة وواعدة، تتطلب الاستثمار أكثر فأكثر في العقول والمبدعين الذين يقع على عاتقهم صناعة المستقبل وبناء دولة قوية وعفية.

ومن هذه الزاوية، لابد أن ننظر لاحتفاء الدولة المصرية بمختلف مستوياتها بميار، فحينما استقبلها الرئيس السيسى، ومعها أسرتها، ومنحها نوط الامتياز من الطبقة الثانية، فقد بعث برسالة واضحة وجلية، مفادها أن النماذج المبدعة من أمثال ميار وغيرها من أطفالنا وشبابنا في بؤرة اهتمام الدولة المصرية، الحريصة على بناء الإنسان بالشكل اﻷمثل الذى يفيد مستقبل الوطن ويثريه.

وبناء الإنسان لا يكتمل بدون الاعتناء باللغة العربية، وهو ما انعكس في الإصلاحات التي جري تطبيقها على نظامنا التعليمي خلال اﻷعوام الماضية، وكانت موضع انتقاد من جانب البعض، خصوصًا الداعمين للمدارس اﻷجنبية التي غاب عنها تدريس العربية والتاريخ والدين. ومن المؤسف والمحزن أن نجد عائلات مصرية تتعمد طمس لغتنا الجميلة، بمطالبة أبنائها بالتحدث باللغات اﻷجنبية التى يدرسون بها أينما ذهبوا وحلوا، واعتراضى ينصب على هذه الجزئية تحديدًا، وليس على تعلم اللغات اﻷجنبية التى أراها مهمة للغاية في إطار انفتاحنا على العالم وتبادل الخبرات والثقافات والمعارف معه ومع شعوبه، وتعميق الحوار بين الحضارات.

فغنى عن البيان أن اللغة مكون أساسى وضروري للحفاظ على الهوية الوطنيةوثقافتنا ، ولا أبالغ إذا قلت إن القراءة والتشجيع عليها ليست ترفًا ثقافيًا، بل يشكلان قضية أمن قومى. فالقراءة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتكوين العقل النقدى وتشكيله، بما يجعله قادرًا على التحليل والاستنتاج، والإبداع والابتكار. ولها دورها الرائد في كبح جماح وانتشار التطرف والغلو الفكري، والشائعات والأفكار المغلوطة، بالإضافة إلى تدعيم القدرة على المنافسة في الاقتصاد المعرفى.

ولذلك، فقد شدد الرئيس السيسى، خلال لقائه مع ميار ، على اهتمام الدولة باللغة العربية والارتقاء بمستوى تدريسها في مختلف مدارسنا. وكم أتمنى، في هذا الإطار أن ينوه معلمو اللغة العربية في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا لنماذج مثل ميار وغيرها كثيرات وكثيرين أتقنوا العربية منذ نعومة أظافرهم وأجادوها حق الإجادة، حتى تكون حافزًا ونبراسًا لطلابهم للاجتهاد والمثابرة، مثلما فعلت ميار التى يمكننا تلخيص رحلتها الإبداعية في كلمتين، هما: الشغف والاجتهاد.

وتزخر مصر بكل محافظاتها بملايين اﻷطفال والشباب الموهوبين في مجالات العلم والثقافة والفنون والرياضة والتكنولوجيا ، وغيرها من المجالات، ويترقب ويتحين الكثير منهم فرصة الظهور، ونجدهم حاضرين وشغوفين بالمشاركة في مسابقات ومحافل اكتشاف المواهب، على غرار “دولة التلاوة” ، التى نأمل ونصبو أن تتكرر في بقية المجالات اﻷخرى ، وتتحول لمظلة يتجمع أسفلها الموهوبون والنابهون الراغبون في تقديم أنفسهم وقدراتهم الخلاقة.

وهؤلاء قادرون ومؤهلون للمنافسة، ليس على المستوى المحلى وحسب، بل أيضا دوليًا. وقد شهدنا في اﻵونة اﻷخيرة نماذج مصرية مشرفة في مسابقات رياضية وعملية وفنية دولية، أثبت حضورها ومقدرتها الفذة في مواجهة أقرانها من الدول اﻷخرى. ومن بينهم ،على سبيل المثال ، وليس الحصر، مبتكرون مصريون حصدوا خمس ميداليات في معرض جنيف للاختراعات 2026 ، والطالبة بسمة رضا، ذات الـ “ ١٧ عامًا” من محافظة الدقهلية، التى فازت بجائزة تصويت الجمهور في مسابقة ستوكهولم الدولية للمياه 2026 بالسويد، وفريق جامعة عين شمس الحاصل على المركز اﻷول عالميًا في مجال الحوسبة السحابية. علاوة على ذلك سيطرة الخماسى المصرى على جوائز الاتحاد الدولى للخماسى الحديث كل هؤلاء وغيرهم كثيرون يؤكدون أن محافظات مصر، من الإسكندرية حتى أسوان، مليئة بالمواهب، التى تنتظر اللحظة والفرصة السانحة للبروز وتقديم إبداعاتها ومهاراتها.

إذن، وحتى يتحقق ذلك بالصورة التى تعود بالفائدة الجمة على مستقبل وطننا ، وتسهم في إيجاد حلول وطنية خالصة لما يعترض طريقنا من مشكلات وعثرات، فمن المهم بمكان إعداد منظومة مستدامة لاكتشاف المواهب ورعايتها الرعاية المطلوبة ، لصقلها وإبرازها بالشكل اللائق، وهناك بعض المقترحات الممكن وضعها تحت المجهر، منها:

أولا: إنشاء منظومة وطنية لاكتشاف المبدعين والموهوبين في كل محافظاتنا.

ثانيًا: تطوير المكتبات المدرسية وتوفير أحدث الكتب فيها.

ثالثًا: دعم مسابقات القراءة والبحث العلمى والابتكار.

رابعًا: تقديم حوافز للطلاب المتميزين ومعلميهم ومدارسهم.

خامسًا: حضور إعلامى مستمر بالفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعى.

ومن خلال هذه العناصر وغيرها سوف يزيد رصيد ثرواتنا البشرية، وما نجنيه منها في حاضرنا ومستقبلنا، وسنعثر بواسطتها على آلاف النماذج المبهرة مثل ميار عثمان.