لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري، أو انتصار تقليدي للديمقراطيين، بل حملت مؤشرات على تحول مهم في موازين القوى داخل الولايات المتحدة، حيث وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام واقع سياسي مختلف، بعدما تراجعت نفوذ حزبه وصعد الديمقراطيين إلى موقع يسمح لهم بمراقبة أداء إدارته والتصدي للعديد من قراراته ومشروعاته.
ومع استعداد الديمقراطيين للسيطرة على مجلسي الكونجرس، تصاعدت التساؤلات حول إمكانية تحول ترامب إلى ما يعرف سياسيا بـ”البطة العرجاء”، بسبب تعهد الديمقراطيين بالسعي إلى تقييد قدرات الرئيس الأمريكي وعدم تمرير أجندته السياسية، رغم احتفاظه بمنصبه وصلاحياته الدستورية.
ويرى عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، مالك فرانسيس، أن نتائج الانتخابات تحمل رسالة واضحة إلى ترامب، مفادها أن قطاعات واسعة من الناخبين باتت تطالب بإعادة التوازن إلى الحياة السياسية الأمريكية، وأن هناك حالة من عدم الرضا عن بعض السياسات التي انتهجتها الإدارة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو في طريقة التعامل مع القضايا الدولية.
وفي حديثة مع مصراوي، يشير فرانسيس إلى أن استعادة الديمقراطيين للأغلبية التشريعية تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة السياسية بين البيت الأبيض والكونجرس، خصوصا أن الحزب الديمقراطي لن يكتفي بممارسة دوره التشريعي، بل يمتلك أدوات دستورية ورقابية يمكن توظيفها لمراجعة قرارات الإدارة ومحاسبة مسؤوليها.
هل يصبح ترامب بطة عرجاء؟
يقول عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن تعبير “البطة العرجاء” يعد من المصطلحات المعروفة في الحياة السياسية الأمريكية، ويستخدم لوصف رئيس أو مسؤول منتخب تتراجع قدرته على التأثير السياسي، أو يفقد جانبا كبيرا من نفوذه في تمرير القرارات والبرامج التي يتبناها، سواء بسبب خسارة حزبه للأغلبية التشريعية أو اقتراب نهاية فترة ولايته.
يؤكد فرانسيس، أنه بهذا المعنى فإن خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس تضع ترامب أمام معادلة أكثر تعقيدا، إذ لن يكون بمقدوره تمرير مشروعاته التشريعية بالسهولة نفسها التي كانت متاحة عندما امتلك حزبه الأغلبية في المؤسسة التشريعية.
يوضح فرانسيس أن الديمقراطيين، في حال امتلاكهم الأغلبية، سيكونون قادرين على عرقلة عدد من المبادرات التشريعية للرئيس، وفتح تحقيقات بشأن أداء الأجهزة التنفيذية، واستدعاء المسؤولين الحكوميين للاستجواب، فضلا عن تشديد الرقابة على الإنفاق العام والسياسات التي تتبناها الإدارة.
ويؤكد عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن هذا التحول لا يعني أن ترامب أصبح رئيسا بلا صلاحيات، أو أنه فقد قدرته على إدارة الدولة، لافتا إلى أن ترامب يظل محتفظا بموقعه الدستوري وسلطاته التنفيذية، بما يشمل إدارة المؤسسات التابعة للسلطة التنفيذية، والتعامل مع ملفات السياسة الخارجية ضمن حدود الدستور والقانون، وممارسة حق النقض الرئاسي “الفيتو” تجاه التشريعات التي لا تحظى بموافقته.
ويري أن توصيف ترامب أنه “بطة عرجاء” لا يعني انتهاء دوره السياسي، وإنما يشير إلى تراجع قدرته على فرض رؤيته بصورة منفردة، وارتفاع تكلفة تمرير أي مشروع يحتاج إلى موافقة الكونغرس.
هل تتكرر في أمريكا معضلة البرلمان اللبناني وحزب الله؟
وعن إمكانية تكرر معضلة البرلمان اللبناني وحزب الله في أمريكا، يري عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن هناك تشابه سياسي من حيث احتمال نشوء حالة من المواجهة والتعطيل المتبادل، لكن الاختلاف بين النظامين الدستوريين كبير.
يوضح فرنسيس أنه في لبنان أدت الانقسامات السياسية والطائفية، وطبيعة النظام القائم على التوافقات والتوازنات، إلى تعطيل مؤسسات الدولة في مراحل عديدة. وأصبح الخلاف بين القوى السياسية ينعكس مباشرة على عمل المؤسسات الدستورية، بما فيها مجلس النواب ورئاسة الجمهورية والحكومة.
يؤكد فرانسيس أنه النظام السياسي في الولايات المتحدة، قائم على الفصل بين السلطات، مع وجود آليات دستورية واضحة لتنظيم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، موضحا أن ترامب لا يستطيع فرض تشريعاته على الكونجرس، كما أن الكونجرس لا يستطيع إدارة السلطة التنفيذية أو إلغاء صلاحيات الرئيس الدستورية.
ويضيف فرانسيس أن الديمقراطيين يستطيعون استخدام الأغلبية البرلمانية لفتح ملفات رقابية، والتحقيق في أداء الإدارة، وتعطيل بعض التشريعات، إلا أن الرئيس يمتلك في المقابل حق الاعتراض على القوانين التي يقرها الكونغرس، ولا يمكن تجاوز هذا الاعتراض إلا بأغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ.
ويشير فرانسيس إلى أن الولايات المتحدة قد تواجه حالة من الصراع السياسي والمؤسسي، تتعطل خلالها بعض الملفات التشريعية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تكرار النموذج اللبناني بصورة كاملة، لاختلاف البنية الدستورية وطبيعة المؤسسات في البلدين.
الكونجرس يضع أجندة ترامب تحت المجهر
يتوقع عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن تكون الملفات الاقتصادية والهجرة والضرائب والإنفاق الحكومي من أبرز ساحات المواجهة بين الحزبين خلال المرحلة المقبلة، إذ تمثل هذه القضايا جوهر البرنامج السياسي الذي تبناه ترامب، وفي الوقت نفسه ملفات يمكن للديمقراطيين استغلال أغلبيتهم بشأنها لممارسة ضغوط على البيت الأبيض.
يتابع فرانسيس “تتيح السيطرة على مجلس النواب للديمقراطيين توسيع نطاق الرقابة على عمل الإدارة، ومراجعة القرارات الحكومية، ومتابعة كيفية استخدام الأموال العامة، وهو ما قد يضع عدداً من المسؤولين في مواجهة جلسات استماع واستجوابات برلمانية”.
وبحسب عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، لا تقتصر أهمية هذه الصلاحيات على الجانب الداخلي، فالكونجرس يمتلك أدوات مؤثرة في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية، من خلال سلطاته المتعلقة بالتمويل وإقرار التشريعات والمساعدات الخارجية، فيما يؤدي مجلس الشيوخ دوراً محورياً في التصديق على المعاهدات والموافقة على عدد من التعيينات العليا.
ويوضح أن الخلاف بين البيت الأبيض والكونجرس قد يتحول إلى عامل مؤثر في قدرة واشنطن على اتخاذ قرارات دولية سريعة، خصوصاً عندما تتطلب تلك القرارات تمويلاً أو تشريعا أو توافقا سياسيا بين الحزبين.
ويري فرانسيس أن الرسالة الأهم من هذه الانتخابات ليست مجرد انتصار حزب على حساب حزب آخر، بل إنها رسالة إلى الرئيس ترامب بأن الفوز في الانتخابات الرئاسية لا يمنح أي رئيس تفويضاً مفتوحاً، وأن الناخب الأمريكي يحتفظ بحقه في محاسبة الإدارة وتغيير موازين القوى في منتصف الولاية الرئاسية.
ويؤكد عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن ترامب لن يفقد سلطته الدستورية، لكنه قد يفقد جزءا مهما من قدرته السياسية على تمرير برنامجه، ولكن إذا أحسن الديمقراطيون استخدام أغلبيتهم، فقد يتحول ما تبقى من ولايته إلى مرحلة من الرقابة والمساءلة والمواجهة السياسية.
ويستكمل حديثه قائلا “أما إذا اختار الطرفان سياسة العناد والتصعيد، فقد نشهد حالة من الشلل التشريعي والمؤسساتي، وإن كانت الولايات المتحدة، بخلاف لبنان، تمتلك نظاماً دستورياً يسمح باستمرار عمل المؤسسات حتى في ظل الانقسام السياسي الحاد”.
ويشير إلى أن فالدرس الأساسي للديمقراطية الأمريكية هو أن السلطة ليست ملكا لحزب أو رئيس، بل هي أمانة يمنحها الشعب ويحاسب أصحابها عليها، وأمريكا لا تحتاج إلى رئيس ينتصر على خصومه السياسيين، بل إلى رئيس يعمل من أجل جميع الأمريكيين، وإلى كونجرس يضع مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية.
كيف استغل حزب الله الثلث المعطل في لبنان؟
تعد معضلة “الثلث المعطل” أو “الثلث الضامن”، إحدى أبرز الأزمات السياسية والدستورية المتكررة في لبنان عند تشكيل الحكومات، حيث استخدمها حزب الله بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، مستفيدا من نفوذه في العمل التشريعي والسياسي.
ومنذ ذلك الحين، سعى حزب الله إلى فرض سيطرته ونفوذه على الحكومات المتعاقبة، فعطّل بعضها وأطاح ببعضها الآخر، من خلال توظيف مفهوم “الثلث المعطل” ومبدأ التوافقية في اتخاذ القرارات، إلى جانب استحواذه وحليفته حركة “أمل” على كامل الحصة الوزارية الشيعية، واستخدامها ورقة ضغط لإسقاط الحكومات أو منعها من ممارسة مهامها.
وتعود أولى محاولات حزب الله لمحاصرة الحكومة بهدف إسقاطها إلى عام 2006، عندما سحب، بالتنسيق مع حركة “أمل”، وزرائه من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، احتجاجًا على التصويت لصالح إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة المتهمين بقتل رفيق الحريري.
وفي 8 فبراير 2025، تشكلت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة نواف سلام، لتكون أول حكومة منذ عام 2008 لا يسيطر فيها أي فريق سياسي على “الثلث المعطل”.
لأن خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونجرس قد تقلل قدرته على تمرير مشروعاته التشريعية وتزيد صعوبة فرض رؤيته منفردة
يمكنهم عرقلة بعض المبادرات التشريعية وفتح تحقيقات بشأن أداء الأجهزة التنفيذية واستدعاء المسؤولين وتشديد الرقابة على الإنفاق العام
لا لأن ترامب يظل محتفظا بمنصبه وسلطاته التنفيذية وحق النقض الرئاسي لكن تأثيره السياسي قد يتراجع


