كشفت مصادر دبلوماسية وسياسية على جانبي المحيط الأطلسي عن ترقب واسع لاستقالة ماركو روبيو من منصبه كوزير للخارجية ومستشار للأمن القومي في إدارة دونالد ترامب، في إطار ترتيبات مبكرة لخوض سباق انتخابات الرئاسة عن الحزب الجمهوري لعام 2028، بعد التداعيات التي خلفتها نتائج انتخابات التجديد النصفي.
دوافع استقالة ماركو روبيو
أفادت صحيفة “الإندبندنت البريطانية”، أن وزير الخارجية الأمريكي يستعد لدخول المنافسة على خلافة ترامب في البيت الأبيض، في وقت يبرز فيه نائب الرئيس جيه دي فانس في موقع المنافس الرئيسي أمامه داخل الحزب الجمهوري.
ولفتت الصحيفة إلى أن مسؤولين بارزين في الحزب وشخصيات قيادية في الحكومة البريطانية توقعوا مغادرته للموقع الوزاري الرفيع حتى قبل الصدمة الانتخابية التي جردت الجمهوريين من الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ وشهدت سقوط معاقل تاريخية مثل كانساس وتكساس في يد الديمقراطيين.
ويصنف روبيو ضمن 5 أعضاء في الفريق الحكومي لترامب يستعدون بحسب التقديرات لـ”الفرار” ومغادرة مناصبهم بعد التراجع الانتخابي الكبير.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع في واشنطن، أن وزير الخارجية بحاجة إلى “النأي بنفسه عن حرب إيران وإلقاء اللوم فيها على ترامب”، فيما أكد أحد حلفاء روبيو أنه “من المنطقي أن يتنحى ويترك الإدارة”، موضحا أن روبيو يعد في الوقت الراهن المرشح الأوفر حظا لنيل بطاقة الحزب متقدما على فانس، غير أنه لا يستطيع خوض السباق من موقعه الوزاري لأن استمرار ارتباطه بالحكومة سيلحق الضرر بفرصه.
موقف المتنافسين من حرب إيران
سارع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى إعلان موقفه عقب النتائج السلبية، ملقيا باللوم على المواجهة العسكرية في محاولة للتنصل منها، وسط ترجيحات بأن يحمل ترامب وزير الدفاع بيت هيجسيث مسؤولية تلك السياسة، مع احتمال تحويل روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز إلى كبش فداء لتبرير الخسارة.
وقال فانس: “السبب الحقيقي لهزيمتنا واضح للجميع.. السبب الحقيقي لهزيمتنا هو الحرب. وقد قال الرئيس نفسه ذلك الليلة الماضية. أي حوار صادق حول وجهتنا من هنا يجب أن يبدأ من هناك”.
ولاحظت الدوائر الرسمية في بريطانيا وبين قادة الحزب الجمهوري، أن روبيو التزم بأداء اتسم بالهدوء في ما يخص ملف إيران رغم مسؤوليته المباشرة عن السياسة الخارجية، وترك انطباعا إيجابيا لدى وزراء الخارجية البريطانيين الثلاثة الذين عاصرهم؛ وهم ديفيد لامي، وإيفيت كوبر التي وصفته بأنه “ذكي بشكل رائع وجيد في التعامل”، والوزير الحالي إد ميليباند.
وصرح مصدر حكومي بريطاني رفيع لصحيفة “الإندبندنت”، قائلا: “نحن نترقب ما سيفعله بعد انتخابات التجديد النصفي. ويبدو من غير المرجح أن يبقى في منصبه. سيكون مرشح رئاسي قوي، ونتوقع أن يترشح”.
ونقلت الصحيفة عن مصدر جمهوري آخر قوله: “سيرحل روبيو بعد انتخابات التجديد النصفي. وسيكون هناك حوالي 4 أو 5 منهم يفرون هاربين.. لقد انقلبت البلاد بالكامل ضد ترامب. حتى أن الناس لا يستطيعون تحديد موقع إيران على الخريطة ولا يفهمون هذه الحرب. لقد أثارت تكلفة البنزين غضب الناس. وبمجرد أن يسيطر الديمقراطيون على مجلسي النواب والشيوخ، سنشهد محاولات لعزل الرئيس، ولا أحد يريد البقاء لمشاهدة ذلك”.
نفوذ الدبلوماسية وأبعاد استقالة روبيو
شهدت مسيرة روبيو صعودا من مقعد مجلس الشيوخ في فلوريدا إلى قيادة الدبلوماسية الأمريكية ليصبح وثيق الصلة بترامب بعد خلافات سابقة في انتخابات عام 2016 حين سخر منه الرئيس ووصفه بـ”ماركو الصغير”.
وبات روبيو يتمتع بنفوذ واسع على جهاز السياسة الخارجية يماثل ما حازه الراحل هنري كيسنجر بوصفه الشخص الوحيد الآخر الذي جمع بين وزارتي الخارجية ومستشارية الأمن القومي في وقت واحد، وتولى روبيو في مستهل الولاية الثانية أدوارا إضافية كأمين أرشيف بالإنابة ورئيس للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في فبراير 2025، ثم مستشار للأمن القومي بعد 3 أشهر.
ورغم هذا النفوذ، وجد روبيو نفسه مستبعدا من ملفات رئيسية شملت سياسات الشرق الأوسط ومساعي إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا لصالح مبعوثين مقربين من ترامب، مثل المطور العقاري ستيفن ويتكوف الذي تحول إلى “مبعوث خاص لمهام السلام”، وصهر الرئيس جاريد كوشنر.
ويواجه مشروع روبيو الرئاسي مراجعة دقيقة لسياساته في أمريكا اللاتينية، بما يشمل الغارات الجوية على زوارق في البحر الكاريبي بزعم تهريب المخدرات والتي اعتبرها معارضون إعدامات خارج القانون، إلى جانب إدارته للعلاقة مع رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريجيز عقب الإطاحة بنيكولاس مادورو عبر عملية عسكرية في يناير.
وقلل روبيو من شأن هذه التكهنات بتصريحات سابقة في سبتمبر، أكد فيها غياب أي خطط للترشح وانشغاله الكامل بمهامه، مع إشارته للتنحي في حال خوض فانس للسباق.
ورأى ناشط سياسي في فلوريدا أن روبيو قد يمتنع عن الخروج إذا كان بقاؤه سيسهم في متابعة سقوط النظام في كوبا، بينما ذكر مصدر في الإدارة أن روبيو لم يظهر رغبة في المغادرة رغم إقراره باحتمال تبدل الموقف تبعا لأجواء البيت الأبيض، وألمح مصدر آخر إلى أن الهزيمة قد تدفعه للبقاء لإظهار الاستقرار والعمل كصوت معتدل في حال غضب الرئيس ترامب، وسط تباين الآراء حول استقالة ماركو روبيو.
ردود البيت الأبيض والخارجية على استقالة روبيو
قابل البيت الأبيض هذه التقارير بنفي قاطع؛ إذ اتهم المتحدث باسم الرئاسة ديفيس إنجل صحيفة “الإندبندنت” بـ”ترويج نظريات مؤامرة كاذبة لا أساس لها من الصحة.. حول الرئيس ترامب وإدارته”، مضيفا أن “الرئيس شكل فريقا موحدا يركز على أجندة أمريكا أولا، وسيواصلون تحقيق الانتصارات للشعب الأمريكي بغض النظر عن مدى إزعاج ذلك للصحفيين المزعجين في صحيفة الإندبندنت”.
وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانا مماثلا على لسان مساعد الوزير ديلان جونسون، ندد فيه بما أوردته الصحيفة واصفا إياه بأنه “أخبار كاذبة لا أساس لها من الصحة من مصادر مجهولة وهمية”، وأكدت الوزارة تطلعها إلى إثبات عدم دقة هذه الادعاءات في الأسابيع المقبلة ردا على ما نشر بشأن استقالة ماركو روبيو.


