في الحلقة الأولى من الجزء الثاني لمسلسل «العتاولة»، كان على السيناريو أن يقدم تفسيرًا لعودة «عيسى الوزان»، الشخصية التي جسدها باسم سمرة في الجزء الأول، بعدما شاهد الجمهور سيارته تنفجر في نهاية الأحداث.
وقد جاء التفسير بسيطًا: الرجل قفز من السيارة قبل انفجارها، ليعود مجددًا إلى الصراع مع «نصار» و«خضر»، وتستأنف الشخصيات حكايتها في موسم رمضاني جديد. وربما كان هذا الحل كافيًا بالنسبة إلى بعض المشاهدين الذين ارتبطوا بالشخصية وأرادوا استمرار حضورها، لكنه أثار لدى آخرين سؤالًا عن حدود ما يمكن أن يفعله السيناريو لإعادة الحياة إلى حكاية انتهت بالفعل.
والمثير للاهتمام أن السيناريست هشام هلال، مؤلف الجزء الأول، كان قد اعتذر عن كتابة الجزء الثاني، موضحًا أنه يفضل الابتعاد عن استكمال الحكايات التلفزيونية في أجزاء جديدة، وهو موقف يتبناه منذ سنوات.
ولكن في المقابل، تحدث مصطفى جمال هاشم، الذي تولى كتابة الجزء الثاني، عن صعوبة المهمة التي واجهته، بعدما أصبح مطالبًا بالحفاظ على النجاح الذي حققه العمل، وإضافة شخصيات ومحاور جديدة تسمح له بتقديم موسم آخر أكثر جذبًا للجمهور. وقد تعرض السيناريو بعد بدء العرض لانتقادات تتعلق ببعض الحلول الدرامية ومساحات الارتجال والإفيهات، ومحاولة الاستفادة من العناصر التي صنعت شعبية الجزء السابق.
واستوقفتني في هذه الواقعة مسألة تتجاوز قدرة شخصية على النجاة من انفجار سيارة. فالأمر يتعلق بقرار استكمال عمل حقق نجاحًا، ثم تكليف السيناريو بإيجاد الوسائل التي تسمح بعودة الشخصيات واستمرار الصراعات.
وربما يستطيع الكاتب أن يقدم تفسيرًا مقنعًا لنجاة شخص من الموت، أو يجد مبررًا لعودة خصمين إلى التعاون بعد أن حاول كل منهما التخلص من الآخر، لكن السؤال الفني الأهم يتعلق بمدى احتياج الحكاية نفسها إلى هذه العودة، وما الذي يمكن أن يضيفه الجزء الجديد إلى العالم الدرامي الذي عرفه الجمهور.
والحقيقة أنني أرى في هذه الواقعة صورة واضحة لمشكلة أوسع تواجه كتابة السيناريو في مصر، تتعلق بمحاولات استنساخ النجاح، وإعادة استخدام الأفكار والحبكات والشخصيات التي أثبتت قدرتها على جذب المشاهدين، سواء من خلال إنتاج أجزاء جديدة من العمل نفسه، أو تقديم أعمال مستقلة تحمل أسماء مختلفة، بينما تتحرك داخل البناء الدرامي ذاته تقريبًا.
وقد تنجح هذه المحاولات في استعادة اهتمام الجمهور، خصوصًا عندما تعتمد على عناصر مألوفة يعرفها وينتظرها، لكنها تثير أسئلة حول دور الكاتب في تطوير الحكاية، وحدود ما يستطيع إضافته إلى فكرة جرى استهلاكها من قبل.
وخلال الحلقات التسع السابقة من هذه السلسلة، حاولنا تتبع عدد من الأسباب التي تقف وراء أزمة السيناريو المصري، من علاقة الكاتب بمنظومة الإنتاج وحقوقه على النص، مرورًا بورش التأليف والرقابة وضعف البحث، ثم الاستطالة ومشكلات الحوار، وصولًا إلى تقييم النصوص وتطويرها وتعليم الكتابة.
أما هذه المرة فأريد التوقف أمام مشكلة تبدأ من نجاح العمل نفسه، عندما تتحول عناصره الدرامية إلى نموذج يراد تكراره، وتصبح مهمة السيناريو الجديد هي استعادة الأثر الذي حققه سابقه. وهي مسألة تتعلق بالبناء والحبكة وتكوين الشخصيات قبل أن تتعلق بأسماء النجوم الذين يقدمونها.
الحكاية نفسها.. بتفاصيل جديدة
من يتأمل عددًا من المسلسلات الشعبية التي قدمتها الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة، يستطيع أن يلاحظ تكرار مجموعة من العناصر الدرامية، تتعلق بالبطل الذي يتعرض للظلم والخيانة، والأسرار العائلية التي تتحكم في مصيره، والصراعات التي يخوضها لاسترداد حقه أو الانتقام ممن تسببوا في مأساته. وقد تتغير البيئة التي تدور فيها الأحداث، والمهنة التي يمارسها البطل، وطبيعة الخصوم الذين يواجههم، بينما تحتفظ الحكاية بمسار معروف، يبدأ بكارثة أو خيانة، ثم يتحول إلى سلسلة من المواجهات تتصاعد حتى اللحظة التي يستعيد فيها البطل مكانته.
في مسلسل «البرنس» عام 2020، من بطولة محمد رمضان، الذي كتبه وأخرجه محمد سامي، تبدأ المأساة من داخل العائلة، بعدما يتحول الصراع على الميراث إلى مؤامرة تستهدف التخلص من «رضوان البرنس»، فيخسر زوجته وابنه ويدخل السجن، قبل أن يعود لمواجهة إخوته والانتقام منهم. وفي «جعفر العمدة» عام 2023، للكاتب والمخرج نفسه، وبالطبع البطل نفسه، تتشكل الحكاية حول رجل يمتلك المال والنفوذ، بينما يظل البحث عن ابنه المختطف سرًا يحرك علاقاته وصراعاته العائلية، ويقود إلى سلسلة من الاكتشافات والمواجهات.
وفي «حق عرب» عام 2024، من تأليف محمود حمدان، وبطولة أحمد العوضي تتشابك حياة البطل مع سر قديم يتعلق بنسبه وعلاقته بالرجل الذي يعمل معه، بينما تتداخل الخيانة والانتقام والعداوات العائلية في بناء الأحداث. ثم جاء «فهد البطل» عام 2025، للكاتب نفسه، والبطل نفسه، ليقدما حكاية شاب يشهد في طفولته مأساة تتعلق بمقتل والده، ويكبر حاملًا الرغبة في الانتقام، بينما تتسع دائرة الصراعات والأسرار المحيطة بعائلته. وفي «سيد الناس» عام 2025، لعمرو سعد، تبدأ حكاية «الجارحي» من خروجه من السجن ووفاة والده، ليدخل عالمًا من الأسرار المتعلقة بالميراث والثروة والعلاقات العائلية، مع مواجهات متلاحقة تكشف جوانب جديدة من الماضي.
واللافت أن هذه الأعمال تختلف في كثير من تفاصيلها، وبعضها يمتلك عناصر خاصة في بناء الشخصية أو تقديم البيئة الاجتماعية، لكن المقارنة بينها تكشف حضور مجموعة متكررة من الأدوات: سر عائلي قديم، وحقيقة مؤجلة تتعلق بالنسب أو الميراث، وشخصية قريبة تخفي وجهًا آخر، وخيانة تضع البطل في مواجهة مع أقرب الناس إليه، ثم سلسلة من المفاجآت التي تعيد ترتيب العلاقات وتدفع الأحداث إلى الأمام.
وهي أدوات درامية مشروعة، عرفها الأدب والمسرح والسينما منذ زمن طويل، واستطاع كبار الكتاب استخدامها في حكايات شديدة الاختلاف. لكن ما يستحق التأمل هو طريقة توظيفها داخل السيناريو، وما إذا كانت الأسرار تنبع من تاريخ الشخصيات وعلاقاتها، أم يجري الاحتفاظ بها بغرض استخدامها كلما احتاجت الحكاية إلى مفاجأة جديدة.
وقد يصبح كشف الحقيقة لحظة مؤثرة عندما يغير فهمنا لشخصية أو علاقة، بينما يفقد جزءًا من قيمته عندما يستخدم بوصفه وسيلة متكررة لإنقاذ الإيقاع أو فتح صراع آخر بعد أن أوشك الصراع السابق على الانتهاء.
وفي اعتقادي أن هذا هو الموضع الذي ينبغي أن نبحث فيه عن استنساخ النجاح، لأن تشابه الأعمال في البيئة الشعبية أو وجود بطل قوي داخلها يكفي بالكاد لتفسير طبيعة البناء الدرامي. أما التشابه في الطريقة التي تبدأ بها الأزمة، ونوعية الأسرار التي تحرك الحكاية، وتوزيع الشخصيات بين من يساعدون البطل ومن يتآمرون عليه، ثم تكرار التحولات نفسها على امتداد الحلقات، فهو الذي يجعل المشاهد يشعر أحيانًا بأنه أمام حكاية عرفها من قبل، حتى لو اختلفت أسماؤها وتفاصيلها.
حين تصبح المفاجأة وصفة
وربما تكون إحدى أكثر الظواهر وضوحًا في هذه الأعمال اعتمادها المتكرر على المفاجآت الكبيرة، من اكتشاف صلة قرابة مجهولة إلى ظهور شخص كان الجميع يعتقدون أنه مات، أو انكشاف خيانة ظلت مخفية طوال حلقات، أو العثور على دليل يغير مسار الأحداث في اللحظة الأخيرة. وهي عناصر تستطيع أن تصنع تشويقًا حقيقيًا عندما تتأسس على معلومات وعلاقات سبق أن وضعها الكاتب داخل الحكاية، لكنها تصبح أقرب إلى الحلول الجاهزة عندما تظهر فجأة، وتفرض على الشخصيات اتجاهًا جديدًا يتعارض أحيانًا مع ما عرفناه عنها.
وقد نلاحظ أن بعض المسلسلات تبدأ بحكاية رئيسية تمتلك قدرًا من الجاذبية، ثم تتسع تدريجيًا إلى خطوط متفرعة، تتوالى داخلها الأسرار والخصومات، حتى يصبح كشف الحقيقة نفسها مؤجلًا باستمرار. وكلما اقتربت شخصية من معرفة ما حدث، تظهر عقبة جديدة، أو تقع حادثة تعيد الأمور إلى نقطة سابقة، أو تدخل شخصية أخرى تحمل معلومات لم تكن متاحة من قبل.
وربما يكون هذا الأسلوب قادرًا على الاحتفاظ باهتمام المشاهد لبعض الوقت، خصوصًا مع العرض اليومي في رمضان، لكنه يحتاج إلى ضبط دقيق حتى تظل المفاجآت نابعة من البناء، وتؤدي إلى تطور حقيقي في الحكاية.
وهنا أرى أن المشكلة ترتبط بما يمكن تسميته استنساخ طريقة التشويق نفسها، لأن الكاتب قد يجد أمامه نموذجًا نجح في الاحتفاظ بالجمهور من خلال الأسرار والانقلابات المتلاحقة، فيحاول إعادة استخدام هذه الأدوات داخل حكاية أخرى، حتى لو كانت طبيعتها تحتاج إلى إيقاع مختلف ومساحة أكبر لتطور العلاقات الإنسانية.
وقد يصبح المطلوب من كل حلقة أن تنتهي بمفاجأة صادمة، ومن كل شخصية أن تخفي سرًا، ومن كل علاقة أن تحمل احتمال الخيانة، بينما تتراجع أهمية الأحداث التي تكشف جوانب جديدة من الشخصيات وتسمح لنا بفهم دوافعها بصورة أعمق.
وأعتقد أن الفارق بين التشويق المتولد من الحكاية والتشويق المصنوع لإطالة عمرها يظهر بوضوح عندما نتأمل نتائج المفاجآت نفسها. فالكشف الجيد يغير موقع الشخصية داخل الصراع، ويجعل قراراتها التالية نتيجة لما عرفته أو فقدته، بينما تعيد المفاجأة المصطنعة ترتيب الأحداث بصورة مؤقتة، قبل أن يعود الجميع إلى مواقعهم السابقة.
وقد يصبح البطل أكثر غضبًا بعد اكتشاف الخيانة، ويدخل في مواجهة جديدة، ثم يتلقى صدمة أخرى تدفعه إلى مواجهة ثالثة، بينما تظل شخصيته من الداخل كما كانت عند بداية المسلسل.
وهنا يفقد السيناريو إحدى أهم إمكاناته، لأن تطور الشخصية يعتمد على ما يحدث لها وما تختاره نتيجة هذه الأحداث، وقد يكون من الضروري أن تتغير قناعاتها أو علاقتها بالعالم، أو تدفع ثمنًا حقيقيًا لأخطائها.
أما عندما يصبح المطلوب الاحتفاظ بصورة البطل الذي يحبه الجمهور، وتوفير المواجهات التي تؤكد قوته وانتصاره، فقد تتحول الأحداث إلى اختبارات متشابهة تؤدي وظيفة واحدة، ويصبح الاختلاف بين الحلقات متعلقًا بطبيعة الخصم أو حجم المؤامرة أكثر من ارتباطه بتطور الشخصية.
حتى الانتقام له وصفة
ويمكن أن نرى ملامح أخرى لاستنساخ النجاح في بعض المسلسلات التي تقوم على حكاية المرأة التي تتعرض للظلم والخيانة، ثم تتحول إلى شخصية أكثر قوة تسعى إلى الانتقام أو استرداد حقوقها. ففي «نعمة الأفوكاتو» عام 2024، من بطولة مي عمر،الذي كتبه محمد سامي ومهاب طارق، تبدأ الحكاية بمحامية تساعد زوجها على تجاوز أزماته، قبل أن تكتشف طمعه وخيانته، ثم تتعرض لمحاولة قتل ودفن وهي على قيد الحياة، لتعود وتبدأ في التخطيط للانتقام.
وفي «إش إش» عام 2025، للكاتبين نفسيهما، وللبطلة ذاتها، ننتقل إلى عالم مختلف، حيث تعيش البطلة ظروفًا اجتماعية قاسية وتجبرها الحياة على العمل راقصة، قبل أن تدخل عالم عائلة ثرية وتكتشف أسرارًا تتعلق بماضيها وماضي أسرتها، فتتسع دائرة الصراعات والمواجهات.
ثم جاء مسلسل مي «الست موناليزا» عام 2026، من تأليف محمد سيد بشير، ليقدم حكاية امرأة تتزوج رجلًا تعتقد أنه يحمل لها حياة أفضل، قبل أن تكتشف استغلاله لها وطمع عائلته في أموالها، وتبدأ رحلة طويلة لاستعادة استقلالها ومواجهة ما تعرضت له.
والحقيقة أن الأعمال الثلاثة تختلف في طبيعة بطلاتها ومهنهن والظروف التي تحيط بهن، ويحمل كل منها إمكانات إنسانية واجتماعية جديرة بالتناول، لكن المقارنة بين طرق بنائها تكشف أيضًا حضور عناصر مألوفة: امرأة تتعرض لخيانة قاسية، ومحيط عائلي أو اجتماعي يستغل ضعفها، ثم تحول في سلوكها يدفعها إلى المواجهة، مع أسرار ومفاجآت تتوالى حتى تصل الحكاية إلى اللحظة التي تسترد فيها البطلة حقوقها أو تعاقب من ظلموها.
ولعل المشكلة هنا تتعلق بما إذا كان الانتقام نتيجة طبيعية لتطور الشخصية وظروفها النفسية والاجتماعية، أم أصبح نهاية معروفة مسبقًا، يجري إعداد الأحداث للوصول إليها. فقد تستطيع حكاية امرأة تعرضت للخيانة أن تفتح أمام الكاتب عشرات الاحتمالات المتعلقة بعلاقتها بنفسها وأسرتها والمجتمع، والطريقة التي تتعامل بها مع الألم والخسارة، بينما يؤدي الاعتماد على مسار واحد يتكرر من التضحية إلى الخيانة ثم الانتقام إلى تضييق إمكانات الحكاية، حتى لو ظلت قادرة على تحقيق الإثارة وجذب المشاهدين.
وفي تقديري أن هذا التشابه يحتاج إلى قراءة تتجاوز أسماء الممثلين والكتاب، لأنه يتعلق بنوع المعالجة الدرامية نفسها، وبالطريقة التي تتحول بها قضية اجتماعية أو علاقة إنسانية معقدة إلى سلسلة من الصدمات والمواجهات. وقد ينجح الكاتب في خلق شخصية نصدق دوافعها ونتعاطف مع اختياراتها، بينما يصبح خطر استنساخ النجاح حاضرًا عندما يبدأ من فكرة أثبتت جاذبيتها سابقًا، ثم يعيد ترتيب عناصرها داخل بيئة مختلفة، مع الاحتفاظ بمسارها الأساسي ونتيجتها المتوقعة.
النجاح يطلب جزءًا جديدًا
أما الصورة الأكثر مباشرة لمحاولات استنساخ النجاح فتظهر عندما يتحول العمل الناجح إلى سلسلة من الأجزاء، ويصبح السؤال عن إمكانية الاستمرار حاضرًا فور انتهاء عرضه. وقد عرف تاريخ الدراما المصرية أعمالًا متعددة الأجزاء حققت نجاحًا كبيرًا، من «الشهد والدموع» و«ليالي الحلمية» إلى «زيزينيا»، وهي تجارب تختلف في طبيعة بنائها، لكنها تكشف أن امتداد الحكاية يمكن أن يكون جزءًا من مشروع درامي يمتلك عالمًا واسعًا وشخصيات قادرة على التطور عبر سنوات وأجيال.
ولعل «ليالي الحلمية» يقدم مثالًا مهمًا على الفارق بين استمرار الحكاية واستثمار اسمها، فقد استطاع أسامة أنور عكاشة عبر أجزائه الخمسة، التي عُرضت بين عامي 1987 و1995، أن يربط تطور الشخصيات بالتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر، بحيث أصبح مرور الزمن نفسه عنصرًا أساسيًا في بناء الصراعات وتغير العلاقات.
وقد انتقلت البطولة بين أجيال وشخصيات، وتغيرت مواقع القوى الاجتماعية داخل الحكاية، بينما ظل العالم الدرامي قادرًا على استيعاب هذه التحولات وإعادة تشكيل نفسه. ولو أن الجزء الخامس نفسه قد نالته انتقادات كثيرة معتبرة أن الحدوتة انتهت بالفعل وما هذا الجزء إلا محاولة غير موفقة لنفخ الروح فيها.
ولكن كانت المفاجأة الأغرب عندما تقرر تقديم جزء سادس عام 2016، بعد رحيل عكاشة ومخرجه إسماعيل عبد الحافظ، وتولى كتابة السيناريو أيمن بهجت قمر وعمرو محمود ياسين، في محاولة لاستكمال الحكاية عبر جيل جديد من الشخصيات.
وقد أثار القرار نقاشًا واسعًا حول جدوى العودة إلى عمل ارتبط بمرحلة تاريخية ورؤية فنية محددة، بينما ظهرت بعد العرض انتقادات تتعلق بطبيعة المعالجة ومستوى الحوار وتطور الشخصيات، ومدى قدرة الجزء الجديد على استعادة الروح التي صنعت قيمة الأجزاء السابقة.
والأهم أن نسرين أنور عكاشة تحدثت بعد سنوات عن ندمها على الموافقة على تقديم الجزء السادس، مشيرة إلى أن الأسرة اطلعت على معالجة أعجبتها في البداية، ثم فوجئت بتغييرات طرأت على النص أثناء التنفيذ. وهي شهادة تكشف أن القضية تتجاوز اسم العمل أو موافقة أصحابه على استكماله، لتصل إلى طبيعة السيناريو الذي سيحمل هذا العالم إلى مرحلة جديدة، وقدرته على الحفاظ على منطقه الداخلي ورؤيته الاجتماعية والإنسانية.
وفي المقابل، قدم «المداح» نموذجًا مختلفًا لمسلسل صُمم عالمه على أساس المواجهة مع قوى غيبية، بما يسمح بظهور خصوم جدد وفتح مسارات مختلفة في كل موسم. وقد استمر العمل حتى الجزء السادس في رمضان 2026، مع الاعتماد على نهايات تترك بعض الصراعات مفتوحة، وتسمح بعودة الشخصية إلى مواجهة جديدة.
وتكشف هذه التجربة أن بعض الأنواع الدرامية تمتلك بطبيعتها قابلية للاستمرار، خصوصًا عندما يقوم عالمها على مغامرات أو مواجهات يمكن تجديدها، بينما يظل نجاح كل موسم مرتبطًا بما يضيفه إلى الشخصيات والصراع الرئيسي.
أما «أشغال شقة»، الذي كتبه خالد دياب وشيرين دياب، فقد قدم نموذجًا آخر لمسلسل يستطيع إنتاج مواقف جديدة من داخل عالمه الكوميدي، اعتمادًا على علاقة زوجين وتفاصيل حياتهما اليومية، والمشكلات التي يواجهانها في تربية الأطفال وإدارة المنزل والعمل.
وقد كشف المخرج محمد دياب أن المشروع ظل معروضًا على منتجين نحو 5 سنوات قبل أن يحصل على فرصته، ثم حقق نجاحًا أدى إلى تقديم الجزء الثاني «أشغال شقة جدًا» عام 2025. والمفارقة هنا أن الفكرة التي واجهت صعوبة في العثور على منتج أصبحت بعد نجاحها مشروعًا قابلًا للاستمرار.
لكن هذه التجربة تضعنا أيضًا أمام سؤال يتعلق بطبيعة الكتابة. فالكوميديا القائمة على المواقف اليومية تستطيع أن تجد في الحياة نفسها مصادر متجددة للحكايات، بينما تحتاج إلى الحفاظ على تطور العلاقة بين الشخصيات، وتجنب إعادة المفارقات نفسها بصورة متكررة.
وقد يصبح استدعاء شخصية جديدة أو موقف أكثر غرابة وسيلة للتجديد، لكنه يحتاج إلى وظيفة درامية داخل العالم الذي يعرفه الجمهور، حتى يحتفظ العمل بقدرته على المفاجأة. ولعل «الكبير قوي» بأجزائه الممتالية أبرز دليل على ذلك.
وأعتقد أن المقارنة بين «العتاولة» و«المداح» و«أشغال شقة» و«الكبير قوي»و«ليالي الحلمية» تكشف أن الحكم على الأجزاء الجديدة ينبغي أن يبدأ من طبيعة السيناريو نفسه، ومدى امتلاك العالم الدرامي القدرة على الاستمرار. فهناك حكايات تقوم على صراع محدد يصل إلى نهايته الطبيعية، وأخرى تمتلك شخصيات وعلاقات تسمح بتطورها على امتداد مراحل مختلفة، وثالثة تعتمد على بنية مفتوحة تتيح تقديم مغامرات أو مواقف متجددة.
والمشكلة تظهر عندما يجري التعامل مع جميع هذه الأنواع بالطريقة نفسها، ويصبح نجاح الجزء الأول سببًا كافيًا لإنتاج الجزء الثاني، ثم يبدأ البحث عن حكاية تناسب القرار.
من يحدد الوصفة؟
والحقيقة أن استنساخ النجاح يمثل مشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد تكرار بعض الأفكار، لأنه يرتبط بطريقة اختيار المشروعات وتطويرها، وما يتوقعه المنتج أو النجم أو جهة العرض من السيناريو الجديد. فقد يكون لدى الكاتب مشروع يحمل حكاية مختلفة، بينما تبدو لجهة الإنتاج فكرة أخرى أقرب إلى نوع من الأعمال حقق نجاحًا سابقًا، فتتجه إليها باعتبارها أكثر قدرة على جذب الجمهور. وقد يصبح المطلوب من المؤلف أن يحتفظ بالعناصر التي أثبتت جاذبيتها، مع إجراء تغييرات كافية لتقديم العمل باعتباره تجربة جديدة.
وفي هذا السياق، أجد أن شهادة مصطفى جمال هاشم عن كتابة الجزء الثاني من «العتاولة» مهمة للغاية، لأنه تحدث صراحة عن صعوبة كتابة موسم جديد لعمل ناجح، وما يفرضه ذلك من ضرورة الحفاظ على عناصر النجاح السابق وإضافة شخصيات ومحاور جديدة. وهي مهمة فنية قد تكون مشروعة تمامًا، لكنها تكشف الضغوط التي يتعرض لها الكاتب عندما يبدأ العمل وفي ذهنه توقعات محددة ترتبط بتجربة سبق أن حققت نجاحًا جماهيريًا.
وقد يصبح على الكاتب في هذه الحالة أن يوازن بين أمرين، وهما الحفاظ على العناصر التي ارتبط بها الجمهور، ومنح الحكاية الجديدة استقلالها وقدرتها على التطور. وربما يكون من السهل الاحتفاظ بالشخصيات المحبوبة والخصومات المألوفة، أو إعادة استخدام نوع المفاجآت الذي أثار اهتمام المشاهدين، بينما يحتاج ابتكار صراع جديد إلى فهم أعمق للعالم الدرامي، وما يمكن أن يحدث داخله نتيجة تغير الظروف والعلاقات.
لكن المشكلة تتسع عندما تنتقل هذه الطريقة من استكمال عمل ناجح إلى كتابة أعمال مستقلة، فتتحول بعض الحبكات إلى نماذج جاهزة يمكن تطبيقها على شخصيات وبيئات مختلفة. وقد يكون النموذج بطلًا يتعرض للخيانة ثم ينتقم، أو امرأة تعاني الظلم قبل أن تتحول إلى مواجهة الجميع، أو عائلة تخفي سرًا يغير مصير أبنائها، أو شخصية قوية يحيط بها خصوم لا يتوقفون عن التآمر عليها. وهي أفكار تستطيع إنتاج أعمال كثيرة ومتنوعة، لكن قيمتها تعتمد على الطريقة التي يعاد بها اكتشافها، وما تضيفه كل حكاية من معرفة بالشخصيات والمجتمع والعلاقات الإنسانية.
وفي اعتقادي أن الاستسهال يبدأ عندما يختصر الكاتب هذه العملية، ويعتمد على ترتيب معروف للعناصر الدرامية، بدلًا من البحث عن العلاقات التي تجعل الأحداث تنبع من طبيعة الشخصيات. فقد يعرف مسبقًا أن البطل سيخسر في البداية وينتصر في النهاية، وأن أقرب الناس إليه سيخونه، وأن السر العائلي سيظهر في توقيت يسمح بتغيير مسار الصراع، ثم يبدأ في توزيع هذه الأحداث على الحلقات. وقد ينتج عن ذلك عمل مشوق على مستوى المتابعة اليومية، بينما يظل عاجزًا عن تقديم شخصيات تملك خصوصيتها وتطورها الإنساني.
ولعل الأخطر أن تتكرر هذه الحلول حتى تتحول إلى طريقة شبه ثابتة في كتابة بعض الأنواع الدرامية، فيصبح النجاح السابق مصدرًا لاختيار الحكاية الجديدة، ثم مصدرًا لبنائها، وأخيرًا معيارًا لتقييمها. وهنا يبدأ السيناريو في فقدان أحد أهم أدواره، لأن الكاتب يصبح مطالبًا بتقديم ما يشبه عملًا سابقًا، بينما تكمن قيمة الكتابة في قدرتها على اكتشاف ما يميز التجربة الجديدة، حتى لو انطلقت من موضوع عرفته الدراما من قبل.
هل يستحق النجاح الاستنساخ؟
ومن الإنصاف أن نعترف بأن نجاح عمل فني يمكن أن يكون مصدرًا مهمًا للتعلم، وأن دراسة عناصره الدرامية تساعد الكتاب على فهم طبيعة الجمهور وكيفية بناء التشويق وتطوير الشخصيات. وقد يستطيع الكاتب أن يستفيد من تجربة ناجحة في تقديم عمل أكثر نضجًا، كما يمكن أن يلهمه نجاح نوع معين من الحكايات لخوض تجربة جديدة داخله. لكن التعلم من النجاح يختلف عن محاولة استعادته، لأن التجربة الجديدة تحتاج إلى عالمها الخاص وشخصياتها وصراعاتها، حتى لو استخدمت بعض الأدوات الفنية التي عرفناها في أعمال سابقة.
والحقيقة أن تاريخ الدراما المصرية يحمل أمثلة كثيرة على نجاح أعمال انطلقت من موضوعات سبق تناولها، لكنها قدمتها برؤية مختلفة، كما يحمل تجارب أخرى حاولت استعادة عناصر نجاح سابق، وانتهت إلى أعمال أقل تأثيرًا. وربما تكون إحدى مشكلات الصناعة أنها تتعامل أحيانًا مع النجاح باعتباره مجموعة من العناصر التي يمكن نقلها من مشروع إلى آخر، بينما يتكون العمل الفني من علاقات أكثر تعقيدًا بين الفكرة والكتابة والإخراج والتمثيل والظروف التي يظهر فيها إلى الجمهور.
وقد تكون الحكاية التي حققت نجاحًا كبيرًا مرتبطة بلحظة اجتماعية معينة، أو بأداء ممثل استطاع منح الشخصية حياة خاصة، أو بمعالجة درامية جمعت عناصر مألوفة بطريقة جديدة، بينما يؤدي نقل هذه العناصر إلى عمل آخر إلى نتيجة مختلفة تمامًا. ومن هنا يصبح من الضروري أن نفهم أسباب النجاح قبل محاولة الاستفادة منه، وأن نفرق بين العناصر التي تنتمي إلى نوع درامي معروف، وتلك التي صنعت خصوصية التجربة نفسها.
وفي تقديري أن الكاتب يستطيع أن يختبر مدى استقلال السيناريو الذي يعمل عليه من خلال أسئلة بسيطة: هل تمتلك الشخصية الرئيسية دوافع تجعلها مختلفة عن شخصيات مشابهة قدمتها الدراما من قبل؟ وهل تتطور الأحداث نتيجة قرارات هذه الشخصية، أم تتحرك بفعل مفاجآت متتابعة يفرضها السيناريو؟ وهل يستطيع المشاهد أن يتوقع نوع الصراع الذي سيواجهه البطل بمجرد التعرف إلى شخصيته؟ ثم هل تغير النهاية فهمنا لما شاهدناه، أم تمنحنا الانتصار نفسه الذي كنا ننتظره منذ البداية؟
وربما تساعد هذه الأسئلة في التمييز بين الحكاية التي تستفيد من أدوات نوع درامي معروف، وتلك التي تعيد استخدام بناء سبق أن نجح، لأن التشابه في الموضوعات أمر طبيعي في تاريخ الفن، بينما تتحدد قيمة المعالجة بما تضيفه من رؤية ومواقف وعلاقات إنسانية.
وقد يكون من المشروع أن نقدم عشرات الحكايات عن الخيانة أو الانتقام أو الحب أو الصراع على الميراث، لكن كل حكاية تحتاج إلى أن تمتلك أسبابها الخاصة، وشخصياتها التي تتصرف وفق منطقها الداخلي، والأحداث التي تكشف شيئًا جديدًا عن العالم الذي تعيش فيه.
وفي النهاية، أعود إلى «عيسى الوزان» الذي قفز من السيارة قبل انفجارها حتى يستطيع العودة في الجزء الثاني من «العتاولة»، وأفكر في المفارقة التي تجعل الكاتب قادرًا على إعادة شخصية انتهت حكايتها، بينما تظل المهمة الأصعب هي ابتكار ما يجعل عودتها ضرورية.
وقد نستطيع أن نجد مبررات كثيرة لاستكمال مسلسل حقق نجاحًا، أو تقديم عمل آخر يشبهه، أو استعادة شخصية ارتبط بها الجمهور، لكن القيمة الفنية لهذه المحاولات تتوقف على وجود حكاية جديدة تستحق أن تُروى.
ولعل أزمة السيناريو في مصر تكشف هنا عن جانب يستحق التوقف عنده. فالنجاح الذي يفترض أن يمنح الكاتب مساحة أوسع للتجريب قد يتحول أحيانًا إلى قيد يدفعه إلى إعادة إنتاج ما قدمه سابقًا، أو استعادة عناصر نجحت مع غيره، خشية المغامرة بفكرة جديدة.
وعندما تصبح مهمة السيناريو الحفاظ على نجاح تحقق بالفعل، تتراجع قدرته على صناعة نجاح مختلف، وتتحول الشخصيات والحكايات إلى موارد يجري استهلاكها موسمًا بعد آخر.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يسبق اختيار المشروع أو البدء في كتابة الجزء الجديد هو ما إذا كانت لدينا حكاية نريد تقديمها فعلًا، أم مجموعة من العناصر التي نعرف أنها نجحت من قبل، ونبحث عن طريقة لجمعها داخل سيناريو آخر.
وبين الإجابتين يتحدد الفارق بين الكاتب الذي يستفيد من تجارب الآخرين ليطور أدواته، والكاتب الذي يكتفي باستعادة ما اعتقد أنه سر النجاح، حتى تصبح الحكايات الجديدة نسخًا مختلفة من نصوص عرفناها من قبل.
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات
مسلسلات


