في وقت تسيطر فيه الإيقاعات السريعة والتوزيعات الإلكترونية على صناعة الموسيقى، تأتي تجربة ألبوم «الموسيقى العربية» للفنان أحمد سعد لتعيد تسليط الضوء على جماليات الموسيقى الشرقية الأصيلة، وما تحمله من ثراء لحني وتنوع في التوزيعات والعزف الحي، خاصة تلك الروح التي ميزت الأغنية العربية خلال فترة الستينيات.
وفي حوار خاص لبوابة الأهرام، كشف الموزع الموسيقي أحمد عادل عن رؤيته لتجربة ألبوم «الموسيقى العربية»، وكواليس مشاركته في المشروع، وأسباب حماسه للعودة إلى المدرسة الموسيقية الشرقية، كما تحدث عن قدرة هذا اللون على جذب الأجيال الجديدة، والتحديات التي تواجه تقديمه في ظل التطور السريع لصناعة الأغنية، ورأيه في تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الموسيقى ودور العنصر البشري في الإبداع الفني.
الموسيقى العربية الأصيلة لا تفقد قيمتها بمرور الزمن.
في وقت تتجه فيه صناعة الموسيقى إلى الإيقاعات السريعة والتوزيعات الإلكترونية، يأتي ألبوم «الموسيقى العربية» للفنان أحمد سعد ليعيد الاهتمام بجماليات الموسيقى الشرقية الأصيلة.. هل تعتقد أن هذه التجربة يمكن أن تكون بداية لعودة هذا اللون الموسيقي إلى الجمهور، أم أنها تظل مغامرة فنية استثنائية؟
أعتقد أن هذه التجربة يمكن أن تمثل بداية مهمة لإعادة تقديم الموسيقى العربية الأصيلة إلى الجمهور، فالمستمع لا يبحث فقط عن الإيقاع السريع أو الأغنية التي تحقق انتشارا لحظيا، لكنه يبحث أيضا عن الإحساس واللحن الجميل والتفاصيل الموسيقية التي تترك أثرا بداخله.
نحن لا نحاول العودة إلى الماضي لمجرد استعادته، وإنما نسعى إلى تقديم قيمته الفنية بروح معاصرة. وأرى أن التجربة ليست مجرد مغامرة فنية، بل رسالة تؤكد أن الموسيقى العربية الحقيقية لا تفقد قيمتها بمرور الزمن.
أحمد سعد قدم مشروعا برؤية موسيقية مختلفة
شاركت في ألبوم «الموسيقى العربية» للفنان أحمد سعد، وهو مشروع يحمل هوية موسيقية مختلفة عن السائد حاليا.. كيف استقبلت فكرة العودة إلى جماليات الموسيقى العربية الأصيلة، وما الذي جذبك إلى هذا المشروع؟
استقبلت الفكرة بحماس كبير، لأنها من النوعية التي تمنح الموزع الموسيقي مساحة حقيقية للإبداع والتعبير عن هويته الفنية. وما جذبني تحديدا هو أننا أمام مشروع يمتلك رؤية واضحة، تقوم على إعادة تقديم الأغنية الشرقية بكل ثرائها، من خلال الألحان والتوزيعات والعزف الحي.
وكان التحدي الحقيقي هو الحفاظ على روح الموسيقى العربية الأصيلة، وفي الوقت نفسه تقديمها بشكل يليق بأذن المستمع المعاصر. وهذا ما جعلني أتعامل مع المشروع باعتباره تجربة فنية لها قيمة خاصة، وليست مجرد مجموعة من الأغاني.
الستينيات مرحلة ذهبية في تاريخ الموسيقى العربية
استعادة روح الموسيقى في فترة الستينيات، بكل ما تحمله من ثراء في الألحان والتوزيعات.. ما الذي يميز هذه المرحلة موسيقيا ويجعلها قادرة على إلهام صناع الموسيقى حتى الآن؟
فترة الستينيات كانت من أكثر المراحل ثراء في تاريخ الموسيقى العربية، لأنها اعتمدت على البناء اللحني القوي، والجمل الموسيقية المدروسة، والتنوع الكبير في استخدام الآلات الشرقية والأوركسترالية.
كان هناك اهتمام استثنائي بالتفاصيل، بداية من توزيع الجملة الموسيقية، مرورا بالحوار بين الآلات، والمساحات التي تترك للمطرب حتى يعبر عن إحساسه. كما أن وجود آلات مثل القانون والناي والكمان والعود، إلى جانب الوتريات والكونترباص، كان يصنع حالة موسيقية متكاملة.
وأعتقد أن أهم ما يميز هذه المرحلة هو أن الموسيقى كانت تُبنى على أساس اللحن والإحساس، وليس الإيقاع فقط، ولذلك ما زالت قادرة على إلهام أجيال جديدة من الموسيقيين حتى اليوم.
الألبوم جسر يربط الأجيال الجديدة بالتراث
هل ترى أن ألبوم «الموسيقى العربية» يمكن أن يفتح الباب أمام الجمهور لاكتشاف هذا اللون الموسيقي من جديد، خاصة الأجيال التي لم تعاصر زمن الموسيقى الشرقية الأصيلة؟
بالتأكيد، وهذه من أهم القيم التي أراها في الألبوم. فالأجيال الجديدة لم تعاصر بالضرورة تلك المرحلة الذهبية، لكنها تمتلك أذنا موسيقية قادرة على تذوق الجمال الحقيقي إذا قدم إليها بالشكل المناسب.
الموسيقى الجيدة لا ترتبط بجيل معين، واللحن الجميل يستطيع الوصول إلى أي إنسان مهما اختلفت ثقافته أو زمنه. وأتمنى أن تكون هذه التجربة جسرا يربط الأجيال الجديدة بتراث موسيقي عظيم، ويجعلهم يكتشفون أن الموسيقى العربية تمتلك ثراء لا يقل عن أي مدرسة موسيقية عالمية.
الجمهور لا يزال قادرا على تذوق الموسيقى الأصيلة
هل كنت تتوقع أن يتقبل الجمهور هذا اللون الموسيقي، في ظل انتشار أنماط غنائية تعتمد على الإيقاعات السريعة والتوزيعات الحديثة؟
كنت مؤمنا بأن الجمهور سيتفاعل مع هذا اللون، لأن الإحساس الحقيقي لا يرتبط بموضة موسيقية أو فترة زمنية معينة. صحيح أن هناك أنماطا موسيقية سريعة الانتشار حاليا، لكن هذا لا يعني أن الجمهور فقد قدرته على الاستمتاع بالأغنية التي تعتمد على اللحن والتفاصيل والعزف الحقيقي.
أنا لا أرى تعارضا بين الموسيقى الحديثة والموسيقى الشرقية الأصيلة، فلكل منهما جمهوره ومساحته، لكن المهم ألا نفقد هويتنا الموسيقية وسط التطور السريع في صناعة الأغنية.
الحفاظ على الهوية الموسيقية تحد كبير في عصر السرعة
هل تعتبر العودة إلى هذا الأسلوب الموسيقي تحديا في حد ذاته، خاصة أن صناعة الموسيقى حاليا تتجه إلى الاختصار والاعتماد على الإيقاعات السريعة والأفكار المباشرة؟
بالتأكيد، هو تحد كبير، وربما من أصعب التحديات التي يمكن أن يخوضها الموزع الموسيقي حاليا، لأن هذا النوع من الموسيقى يحتاج إلى معرفة وثقافة موسيقية، وإلى فهم حقيقي للتعامل مع الآلات والجمل اللحنية والمساحات الصوتية.
التحدي ليس في استخدام عدد كبير من الآلات أو تقديم توزيع ضخم، وإنما في معرفة متى تستخدم كل آلة، وكيف تجعلها تخدم اللحن والإحساس دون أن تطغى عليهما.
وأؤمن بأن الاختصار ليس دائما هو الحل، كما أن الإطالة ليست بالضرورة دليلا على القيمة الفنية. المهم أن يكون لكل تفصيلة موسيقية سبب وهدف، وأن يشعر المستمع بأن كل ما يسمعه موجود في مكانه الصحيح.
تجربة أحمد سعد تشجع صناع الموسيقى على التجديد
إلى أي مدى يمكن أن يشجع نجاح تجربة أحمد سعد صناع الموسيقى على خوض تجارب مشابهة، والابتعاد عن القوالب الموسيقية المعتادة؟
أعتقد أن أي تجربة ناجحة ومختلفة تمنح الثقة لصناع الموسيقى في الخروج من القوالب المعتادة. نحن بحاجة دائما إلى التنوع والتجديد، وألا نظل أسرى لشكل موسيقي واحد لمجرد أنه يحقق انتشارا في فترة معينة.
تجربة أحمد سعد مهمة لأنها تذكرنا بأن الفنان يستطيع تقديم شيء مختلف، وأن الجمهور لديه استعداد للاستماع إلى أفكار جديدة إذا كانت صادقة ومقدمة بمستوى فني جيد.
وأتمنى أن تشجع هذه التجربة الملحنين والموزعين والمنتجين على الاهتمام أكثر بالهوية الموسيقية العربية، وتقديم مشروعات تحمل شخصياتهم الفنية بدلا من تكرار الأفكار والقوالب الموجودة.
الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إلغاء دور الموسيقي
في الوقت الذي أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادرا على إنتاج ألحان وتوزيعات موسيقية، يأتي ألبوم «الموسيقى العربية» ليؤكد أهمية التفاصيل والعزف الحقيقي.. هل ترى أن هذه التجربة تمثل دفاعا عن دور الموسيقي والملحن في صناعة الأغنية؟
أرى أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من التطور الطبيعي لصناعة الموسيقى، ويمكن أن يكون أداة مهمة تساعد الموسيقي على التجريب واكتشاف أفكار جديدة، لكن يجب ألا نخلط بين الأداة والإبداع الإنساني.
الموسيقى ليست مجرد مجموعة أصوات متناسقة أو آلات يتم تجميعها معا، لكنها إحساس وثقافة وخبرة ورؤية فنية. وهناك تفاصيل في أداء العازف، وطريقته في عزف الجملة الموسيقية، وتفاعله مع اللحن، يصعب اختزالها في مجرد عملية إنتاج آلية.
وبالنسبة لي، يؤكد هذا الألبوم أن قيمة الملحن والموزع والعازف لا تزال أساسية في صناعة الأغنية. أنا لست ضد التكنولوجيا، بل أستخدمها وأؤمن بأهميتها، لكنني أؤمن أيضا بأن التكنولوجيا يجب أن تخدم الموسيقي، لا أن تلغي دوره. وفي النهاية، تظل الروح الإنسانية هي العنصر الذي يمنح الموسيقى هويتها وصدقها.
يرى أحمد عادل أنه مشروع يعيد تقديم جماليات الموسيقى الشرقية الأصيلة بروح معاصرة، ويعتمد على الألحان والتوزيعات والعزف الحي بدل الاعتماد على الإيقاع السريع فقط
لأنه اعتبره مشروعًا يمنحه مساحة حقيقية للإبداع والتعبير عن هويته الفنية، ولأنه يحمل رؤية واضحة لإعادة تقديم الأغنية الشرقية بكل ثرائها
يرى أنه أداة مفيدة للتجريب واكتشاف أفكار جديدة، لكنه لا يلغي دور الإبداع الإنساني ولا قيمة الملحن والموزع والعازف في صناعة الأغنية


