أيها الماضي! لا تغيرنا.. كلما ابتعدنا عنك..!
أيها المستقبل: لا تسألنا: من أنتم؟
وماذا تريدون مني؟ فنحن أيضا لا نعرف.
أَيها الحاضر! تحملنا قليلا،.
فلسنا سوى عابري سبيل ثقلاء الظل!
لم أكن قط من المتشائمين؛ بل كنت دائما على قيد التفاؤل، أمني النفس بأن الغد أفضل، وكلما أطل الغد خاويا لم يأت بجديد، حملتُ أحلامي المنهكة، ومسحتُ عن وجهها غبار الخيبة، وأجلتها إلى الغد الذي يليه. وحينما أفقت وجدته خدعني، وجاء بدلا منه “الأمس” بغباره الخانق.. لم أيأس؛ مددتُ يدي إلى أعمق نقطة في روحي، أغترف ما بها من أمل، لي ولكل الحالمين من حولي.. وظللت أغترف من بئر روحي، حتى جف، ولم يبق في قاعه سوى صدع السنين.
لم أبخل بجهد، ولم أمل يومًا من صعود الدرج خطوة بخطوة.. لم أشغل بالي يومًا بـ “أصحاب الأكتاف” أو من يستقلون المصاعد السريعة ويصلون إلى القمم بلا استحقاق.. عشتُ أحارب في هذه الحياة بالورقة والقلم، ما من عمل إلا ومررت عليه، وما من درب إلا وسرت فيه حتى تآكلت في قدمي الأحذية.. لم أحسب الرزق أموالا فقط، ولا أرهقت قلبي بأسئلة: بكم؟ وكيف؟ ولماذا؟ وأين؟ ومتى؟.. كنت أواسي نفسي بأقل نجاح ولو كان طفيفا.. كريشة جناح طائر، وأنتشي بأي عبارة إطراء دافئة تعيد لقلبي نبضه، وأفرح لأن هناك رغم كل هذا الخراب، من لا يزال يؤمن بالجمال والشعر والصدق في زمنٍ كفر بأهله وناسه.
لكنهم خدعوني!
خدعني الكثيرون بعبارات جوفاء عن “الجهد الذي لا يضيع”، وعن “الشجرة التي حتما ستثمر ولو بعد حين”، وعن “لحظة العوض” الموعودة التي تنسيك مرارة العناء.. وكنت أحمق بدرجة كافية لأدس تلك الوعود في قلبي وجيبي، كما يدس الطفل حظه من الحلوى، وما كنت أدري أنني لا أدس سوى الوهم الذي طاب لي عيشه! كمن يعانق سرابا في الهاجرة، أو كمستجير من الرمضاء بالنار.
ما جدوى تلك الشهادات الممهورة بالإبداع.. ما فائدة ما قرأت وكتبت وتعلمت حين ينتهي كل ذلك في هوامش النسيان؟.
فلا أبي هنا لأستند على ساعده الصلب، وأبثه روعة الخيبة، ولا أخي استطاع تحمل ضياع جهده هباء في الطرقات وعلى أبواب موصدة ضاعت مفاتيح أقفالها إلى الأبد، فقرر أن يلملم جرحه ويعيش غريبا بعيدا ليتحول غيابه إلى خنجر يدمي جرحي بعمق جديد.. لا ظهر يقي من الغدر.. لا ونس ولا صاحب يشاطرك وحشة هذا الليل.. فقط كومةٌ هائلة من الرمال خلفي، حفرتُها على مدى سنوات طويلة أبحث فيها عما يدعونه “الحظ”.. والناس فوق كل هذا تلتف حولي، تطالبني بالعون والأمل، فأقطع قلبي وأوزعه عليهم أرغفة دافئة.. فيأكلونه ولا يشبعون، وأبقى أنا بلا قلب ولا رغيف!.
يخيل إلي يا صاحبي، أن نهرا سأل البحر ذات يوم: لماذا تأخذ مائي كله، ولا تترك لي شيئا لي؟ فقال له البحر: لأن ما تحتفظ به يأسن، وما تمنحه يظل حيًا.
نعم يا بحر، لكنك لا تدرك أن بعض الأنهار تجف من فرط العطاء وتنسى حقها في النجاة!.
من ظلمني؟!..
لست أدري.. أكانوا هم أنضج مني فهما وأقدر على لعبة الحياة؟.. أم أنهم كانوا مجرد كائنات معدومة الضمير؟ أشباح.. منافقون.. نخاسون.. أفاقون.. يقتاتون على عرق النبلاء.. وإن كانوا هم السبب، فما جدوى اللوم الآن بعد أن احترقت السفينة في عرض البحر ولم يعد هناك ساحل نرسو عليه؟.
ولعل أقسى ما في الحكاية أنني لم أعد ذلك الذي بدأ الطريق. تركتُ على أرصفته شيئًا من روحي، وفي محطاته وجوهًا أحببتها، وعند منعطفاته أحلامًا لم تجد من يحملها معي.. كبرتُ بما يكفي لأفهم أن بعض الخسارات لا يعوضها الزمن، وأن المرء قد يصل إلى ما أراد، لكنه لا يجد نفسه هناك؛ لأنه استهلكها في الطريق.. لم أعد أسأل متى أصل، ولا ماذا ينتظرني في آخر الرحلة؛ صرتُ فقط أتلفت خلفي، متعجبًا من ذلك الغريب الذي كان أنا، وكيف كان يملك كل هذا الإيمان بالغد!.
على قلبي مشيت..
كأن قلبي.. طريق، .
أو رصيف، أو هواء.
فقال القلب: أَتعبني التماهي .
مع الأشياء وانكسر الفضاء.
وأتعبني سؤالك: أين نمضي!
ولا أرض هنا.. ولا سماء.
أنا لا أعرف الطريق، هذا كل ما في الأمر! أوربما.. لم يعد هناك طريقٌ أصلًا، لا للإمام ولا للخلف. لقد تجمد الزمان عند هذه اللحظة، والناس باتت ألواحًا من ثلجٍ يابس لا يشعرون ولا يحسون، والسماء كومة جليد متيبس، وكذلك الأرض.. والشمس؟ الشمس ليس لديها أي نية للمجيء بعد اليوم، أو ربما سرقها البعض في عتمة الليل، وباعوها لصالح الظلام، وتركوا لنا الموت بردًا.
قال قلبي.. مرني بشيء.
وصوبني لأفعل ما تشاء.
فقلت له: نسيتك مذ مشينا.
وأَنت تعلتي، وأنا النداء.
تمرد ما استطعت عليَّ، .
واركض.. فليس وراءنا إلا الوراء.
لا عليك يا صديقي.. أنا لم أيأس، لأني حتى لا أملك رفاهية اليأس.. ولا ترف السقوط.. أنا فقط «تعبتُ» حتى فاض بي الكيل، وشعرتُ بأن روحي لم تعد تتسع المزيد من الصبر.. فنزفت حرفا.. في الأمر سرا لا أفهمه.. لكن ماذا يفعل من طال وقوفه حتى ظن أن الانتظار هو قدره؟.!
يا صاحبي، الداء عضال، وعمال المشفى يبيعون الدواء في السوق السوداء وأجهزة التنفس لهواة الغطس والصيد، فعش كأنك ميت، فكلها باتت لحدا، ولا فرق بين من يدفن تحت التراب، ومن يمشى فوقه وهو ميت الروح.


