كشفت موجة البلاغات الكاذبة المتزامنة بوجود قنابل على متن الطائرات والمطارات فى عدة دول أوروبية مطلع نوفمبر الجارى والتى أحدثت إرتباكاً فى سماء أوروبا عن تطور جديد فى طبيعة التهديدات التى تواجه صناعة الطيران يتجاوز محاولات استهداف طائرة بعينها إلى اختبار قدرة منظومة النقل الجوي بأكملها على التعامل مع أزمات أمنية متزامنة دون أن تفقد انتظام تشغيلها .
فإرسال عدة بلاغات مجهولة متزامنة بوجود خطر يهدد عدد من رحلات الطيران أو المطارات لايتطلب تجهيزات معقدة لكنه قادر على إرباك منظومة تشغيلية متكاملة للنقل الجوى وإطلاق سلسلة من الإجراءات الأمنية والتشغيلية والعسكرية التي تمتد آثارها إلى مطارات ورحلات لم يتم الإبلاغ بأى تهديد مباشر لها .
ووفقاً للوقائع التى شهدتها أوروبا تجاوزت البلاغات والتعاملات الأمنية المرتبطة بها 30 رحلة خلال أيام وامتدت إلى ثماني دول على الأقل شملت إيطاليا وفرنسا وبولندا وإسبانيا وبلغاريا والتشيك والنمسا والمجر. وتأثرت يوم 5 نوفمبر وحده نحو 27 رحلة بعد بلاغات طالت رحلات أخرى ما استدعى تحويل مسارات طائرات وهبوطها في مطارات بديلة واستدعاء مقاتلات عسكرية لمرافقة بعض الرحلات فضلاً عن إغلاق مؤقت لمدارج وإجراء عمليات تفتيش موسعة.. ورغم عدم العثور على متفجرات فإن اتساع نطاق الاستجابة كشف عن حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه تهديد غير حقيقى فى حركة الطيران.
وتكمن الخطورة في صناعة الطيران فى أن الطائرة ليست وحدة تشغيل مستقلة وإنما حلقة ضمن منظومة مترابطة تضم المطارات وشركات الطيران ومراكز المراقبة الجوية والخدمات الأرضية وأجهزة الأمن والدفاع.. فتحويل طائرة إلى مطار بديل لا يعنى تغيير مسارها فقط بل يترتب عليه تعديل جداول التشغيل وإعادة توزيع الأطقم وتأخير رحلات الربط الجوى وخدمات أرضية .. وتتضاعف هذه التداعيات عندما تتلقى شركات مختلفة بلاغات فى توقيت متقارب فتتعرض المطارات البديلة ومراكز التفتيش والمراقبة الجوية لضغوط إضافية كما تنتقل التأخيرات إلى رحلات أخرى لم تكن طرفاً في الواقعة .
وتكشف الظاهرة عن معادلة اقتصادية غير متكافئة.. فتكلفة إرسال البلاغ الكاذب محدودة للغاية .. بينما تتحمل شركات الطيران التى يجب أن تتعامل معه بكل جدية وفقاً للقانون الدولى تكاليف اقتصادية كبيرة نتيجة تحويل مسارات الرحلات واستهلاك وقود إضافي والفحوص الأمنية والخدمات الأرضية وإعادة حجز رحلات الركاب وتعويضهم إلى جانب خسائر ساعات التشغيل وتأخر الرحلات التالية. وتمتد التكلفة إلى المطارات والجهات الأمنية والعسكرية دون وجود تقدير إجمالي معلن للخسائر.. والأهم أن استمرار هذه الوقائع يهدد انتظام منظومة السفر الجوى العالمى وثقة المسافرين فى استقرار حركة السفر.
وتبرز زاوية أخرى تتعلق بإمكانية استغلال بعض الجهات والمنظمات المجهولة المعلومات المتاحة للجميع دون استثناء على كل المواقع والتطبيقات الإليكترونية لتتبع الرحلات الجوية وتشمل كل أرقام الرحلات ومواعيدها ومطار الإقلاع والوصول بل وامكانية تتبع مسار كل رحلة لحظة بلحظة.. حيث تستطيع أى جهة مجهولة فى أى مكان فى العالم صياغة بلاغ بتهديدات محددة تماما لرحلات بعينها بل ورقم الرحلة ذاتها ومتجهة إلى دولة معينة لتصبح رسالة التهديد ذات مصداقية أولية. وهو ما يفرض على شركات الطيران والسلطات الأمنية تطوير آليات تحليل البلاغات وربطها بالتوقيتات ومصادر الإرسال والأنماط المتكررة بدلاً من التعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثاً منفصلاً. كما يثير التزامن احتمال وجود حملة منظمة أو عمليات تقليد متتابعة دون توافر دليل قاطع حتى الآن على مسؤولية جهة واحدة.
ولا تمثل البلاغات الكاذبة ظاهرة جديدة في تاريخ الطيران لكن ما يميز الموجة الحالية هو كثافة التهديدات وتزامنها واتساع نطاقها الجغرافى. وتفرض القواعد الدولية وفى مقدمتها اتفاقية مونتريال لعام 1971 وبنود الملحق السابع عشر لاتفاقية شيكاغو، ضرورة التعامل الجاد والسريع مع أى تهديدات تمس أمن الطيران .. كما تُجرم اتفاقية مونتريال الإبلاغ المتعمد عن معلومات كاذبة من شأنها تعريض سلامة الطائرة للخطر.. لذلك لا تملك الشركات والسلطات رفاهية تجاهل أي بلاغ قبل فحصه أمنياً وبدقة حتى لو ثبت كذبه لاحقاً.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير منظومة تبادل المعلومات بين الدول وشركات الطيران والمطارات وتعزيز خطط الطوارئ وتوفير بدائل تشغيلية وفرق قادرة على التعامل مع بلاغات متعددة في وقت واحد مع سرعة استعادة انتظام الجداول بعد انتهاء الفحوص الأمنية.
والمؤكد أن آثار هذه الظاهرة تتجاوز حدود أوروبا لأن المطارات الأوروبية تمثل نقاط ربط رئيسية في حركة السفر بين القارات وأى اضطراب في مساراتها أو جداولها يمكن أن ينتقل إلى الرحلات الدولية والشحن الجوي وشبكات الربط العالمية.. وهنا يظهر التحدى الجديد أمام صناعة الطيران.. ليس فقط منع وصول الخطر إلى الطائرة وإنما حماية استمرارية تشغيل المنظومة بأكملها حتى لا تتحول مجرد رسالة مجهولة إلى وسيلة رخيصة التكلفة جدا لتعطيل شبكة النقل الجوي وإرباك حركة السفر العالمية .
بحسب النص تجاوزت البلاغات والتعاملات الأمنية المرتبطة بها 30 رحلة خلال أيام، وتأثرت يوم 5 نوفمبر وحده نحو 27 رحلة
شملت الوقائع دولاً على الأقل هي إيطاليا وفرنسا وبولندا وإسبانيا وبلغاريا والتشيك والنمسا والمجر
تم تحويل مسارات طائرات وهبوطها في مطارات بديلة واستدعاء مقاتلات عسكرية لمرافقة بعض الرحلات، مع إغلاق مؤقت لمدارج وإجراء عمليات تفتيش موسعة


