تأتي الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها أكثر من مجرد استحقاق ديمقراطي تتحدد نتائجه داخل صناديق الاقتراع، فهي تمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ وصناعة القرار، حيث لا تنتهي المعركة بإعلان الفائزين، بل تبدأ بعدها حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بتشكيل التحالفات، وتوزيع مراكز القوة، وقدرة الأطراف المختلفة على تحويل المكاسب الانتخابية إلى سياسات وقرارات فعلية.

وبين واشنطن وتل أبيب، تبرز تساؤلات مهمة حول مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وحدود الدعم العسكري والسياسي، ومدى قدرة المؤسسات التشريعية وجماعات الضغط والتيارات السياسية الجديدة على إعادة صياغة ملامح هذه العلاقة، في ظل تصاعد الانتقادات المرتبطة بالحرب على غزة وتزايد المطالب بمراجعة طبيعة المساعدات الأمريكية لإسرائيل.

وفي المقابل، تكشف نتائج انتخابات الكنيست عن أهمية متزايدة للقوائم العربية في معادلة تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وما تملكه من أوراق تفاوضية قد تؤثر في مسارات الحكم والقرارات الداخلية.

وبين الحسابات الأمريكية والتوازنات الإسرائيلية، يطرح اللواء الدكتور محمد الدسوقي قراءة استراتيجية لما بعد الانتخابات، ترصد مراكز التأثير الحقيقية، وتستشرف السيناريوهات المحتملة، وتبحث في حدود انتقال القوة من صناديق الاقتراع إلى دوائر صنع القرار، وانعكاسات ذلك على المصالح المصرية والعربية.

قراءة استراتيجية لما بعد الانتخابات

اللواء دكتور محمد الدسوقي
اللواء دكتور محمد الدسوقي

من جانبه قال خبير الشئون الاستراتيجية والعلوم السياسية اللواء دكتور محمد الدسوقي لـ”البوابة نيوز”:

في واشنطن.. انتقل الجدل حول المساعدات العسكرية لإسرائيل من حملات المرشحين إلى تصريحات الرئيس الأمريكي يوم الاقتراع، وفي إسرائيل: رجحت القائمتان العربيتان كفة «آيزنكوت» في مشاورات التكليف بتشكيل الحكومة، فيما ظل يستبعد تشكيل ائتلاف معهما، وبين المشهدين سؤال واحد: إلى أي مدى يستطيع من غير حسابات الانتخابات أن يغير القرارات التي تأتي بعدها؟

وتابع.. تختلف أدوات التأثير في الحالتين، ففي واشنطن: يمر القرار عبر اللجان والاعتمادات وشروط صفقات السلاح. وفي إسرائيل: يتوقف على قدرة القوائم العربية على التفاوض بشأن الأغلبية التي تحتاج إليها الحكومة لكي تتشكل وتستمر، وفي الحالتين، فتحت الانتخابات بابًا للتأثير، وستحدد الموازنة الأمريكية ومفاوضات الائتلاف الإسرائيلي إلى أي مدى يمكن عبوره.

واشنطن.. حين أصبح الدعم المفتوح موضع مساءلة انتخابية

وأوضح.. يحمل فوز “عبد الرحمن السيد”، المعروف باسم “عبدول”، بمقعد ميشيجان في مجلس الشيوخ دلالة تاريخية، إذ أصبح أول مسلم يُنتخب للمجلس، كما فاز ستة مرشحين مسلمين على الأقل بمقاعد في مجلس النواب، من بينهم: رشيدة طليب وإلهان عمر وأندريه كارسون ولطيفة سايمون وآدم حماوي ودارياليزا أفيلا شوفالييه، ويعكس هذا الحضور اتساع التمثيل داخل الكونجرس، بينما يتوقف أثره في أي قضية على قدرة هؤلاء الأعضاء على بناء تحالفات مع زملاء يشاركونهم الموقف.

وأضاف.. وتستحق تجربة ميشيجان قراءة تتجاوز هوية الفائز، فقد خاض «عبد الرحمن السيد» سباقًا على مستوى ولاية كاملة، وجمع في حملته بين قضايا الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة ودور المال في الانتخابات، وبين الدعوة إلى مراجعة الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، وبهذا استطاع أن يضع السياسة الخارجية في سياق يفهمه الناخب من واقع حياته اليومية: كيف تُحدد واشنطن أولويات إنفاقها، وما الذي تحصل عليه في مقابل التزاماتها الخارجية؟

ويكمل.. وفي المقابل، أصبح دفاع بعض الساسة الأمريكيين عن سياسات حكومة «نتنياهو»، خصوصًا في غزة، نقطة ضغط استخدمها منافسوهم في الحملات، فقد اضطر هؤلاء الساسة إلى الإجابة عن أسئلة تتعلق باستمرار التمويل، وشروط استخدام السلاح، ومدى اتساق هذا الدعم مع المصالح الأمريكية، وتفاوت وزن هذه القضية بين الدوائر، إلى جانب قضايا الأسعار وتكاليف المعيشة. ومع ذلك، فإن حديث «ترامب» نفسه عن توظيف الديمقراطيين ملف المساعدات للضغط على الجمهوريين يوضح أن القضية دخلت حسابات المنافسة الانتخابية.

وأكد.. ويضع هذا التحول جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها “أيباك”، أمام دوائر تختلف فيها حسابات المرشحين والناخبين، ويمتد التباين إلى داخل قطاعات من الناخبين اليهود الأمريكيين، فقد أظهر استطلاع عند الخروج من مراكز الاقتراع، وفق الأرقام الواردة، أن من فضلوا ربط دعم إسرائيل بالمصالح والقيم الأمريكية فاقوا من فضلوا الدعم غير المشروط بين المشاركين اليهود في الاستطلاع، ولهذا التباين أثر عملي، إذ يوسع مساحة النقاش أمام المرشح الذي يريد طرح شروط على الدعم من داخل دائرة تؤيد استمرار العلاقة مع إسرائيل.

إعلان ترامب.. الاختبار يبدأ في الموازنة:

ويكمل.. كما أعلن “ترامب” يوم الاقتراع أن واشنطن ستوقف مساعداتها العسكرية السنوية لإسرائيل اعتبارًا من عام 2027، مع استمرار بيع السلاح لها، وإذا نُفذ الإعلان بهذه الصيغة، فسيغير الجهة التي تتحمل تكلفة جانب من التسليح، بينما تظل صفقات السلاح وبرامج التعاون الدفاعي خاضعة لمسارات وقرارات منفصلة، وتقدير الأثر يستدعي متابعة التمويل والصفقات معًا، لأن تغيير أحدهما قد يتزامن مع استمرار الآخر.

وقال.. وتزداد أهمية التفاصيل لأن مذكرة التفاهم القائمة تمتد حتى السنة المالية 2028، وتحدد إطارًا للمساعدات بقيمة 3.8 مليارات دولار سنويًا، تشمل التمويل العسكري وبرامج الدفاع الصاروخي، وتخضع للاعتمادات التي يقرها الكونجرس، ومن ثم، تتحدد القيمة التنفيذية للإعلان من خلال ما تدرجه الإدارة في مشروع الموازنة، وما يقره الكونجرس، ومصير البرامج المشتركة إذا تغيرت أبواب تمويلها.

واردف.. وتمنح أغلبية الديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ الحزب قدرة أوسع على توجيه عمل اللجان وفتح جلسات رقابية وطرح شروط على بنود محددة، أما تمرير قيود ملزمة، فيتطلب توافقًا داخل الحزب وقدرة على التعامل مع صلاحيات الرئيس، بما فيها حق الاعتراض. وفي تقديري، قد يظهر الأثر الأول في طلب تقارير عن استخدام السلاح أو ربط بعض الاعتمادات بضمانات محددة، قبل أن يتبلور اتجاه أشمل في السياسة الأمريكية.

إسرائيل.. كيف تتحول توصية التكليف إلى قوة تفاوضية؟

وأوضح.. أفرزت انتخابات الكنيست توزيعًا يجعل تجاهل القائمتين العربيتين أصعب، فقد حصل معسكر «نتنياهو» على 53 مقعدًا، وكتلة «آيزنكوت» على 48 مقعدًا، فيما حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعدًا، والقائمة العربية الموحدة على ثمانية مقاعد، ومع بقاء الكتل على حالها، فإن دعم المشتركة وحدها يرفع رصيد «آيزنكوت» إلى 59 مقعدًا، أي أقل بمقعدين من الأغلبية المطلوبة، ومن هنا تأتي أهمية موقف القائمة الموحدة في هذا المسار.

وكشف قائلا.. وظهر الأثر الأول لهذا التوزيع في مشاورات الرئيس “هرتسوج”، فقد أوصت القائمتان العربيتان بتكليف “آيزنكوت”، فحصل على تأييد 67 نائبًا مقابل 46 لـ”نتنياهو”، فيما امتنع حزب “يهدوت هتوراه”، صاحب المقاعد السبعة، عن التوصية بأي مرشح، ومع استمرار “آيزنكوت”في استبعاد تشكيل حكومة مع القائمتين، تبقى أمامه معضلة عملية: كيف يحول التأييد الذي رجح كفته في المشاورات إلى أغلبية قادرة على تمرير الموازنة والصمود عند القرارات الخلافية؟

وتوقع.. إذا بدأ التفاوض، فقد يتخذ التعاون شكل مشاركة في الائتلاف أو دعم برلماني من الخارج، وتقاس قيمة كل صيغة بما تتيحه من التزامات قابلة للتنفيذ، خاصة في ملفات المساواة في الخدمات، ومكافحة الجريمة، وتخصيص الموارد للمواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، أما التأثير في سياسات الحرب والاستيطان والموقف من الدولة الفلسطينية، فيحتاج إلى تفاهمات أوسع، لأن القوى التي تلتقي على إزاحة «نتنياهو» تتباين في رؤيتها لهذه القضايا.

ثلاثة مسارات لما بعد الانتخابات:

المسار الأول.. تأثير تدريجي

وهو الأقرب في تقديري، فقد تبدأ واشنطن بتشديد الرقابة على التمويل وصفقات السلاح أو بإضافة شروط إلى اعتمادات محددة. وفي إسرائيل: قد تتيح تفاهمات برلمانية محدودة للقوائم العربية التفاوض على أولويات ناخبيها، حتى إذا تعذرت مشاركتها في الحكومة.

المسار الثانى..اتساع التأثير

يحتاج هذا المسار في واشنطن إلى تحالف قادر على تمرير نصوص تترتب عليها آثار مالية أو رقابية. وفي إسرائيل: يتطلب اتفاقًا سياسيًا يحدد دور القائمتين والالتزامات المتبادلة، ويصمد عند التصويت على الموازنة والقضايا الخلافية.

المسار الثالث.. احتواء الأثر

قد يتغير باب التمويل في واشنطن فيما تستمر برامج التعاون الدفاعي عبر أدوات أخرى، أو تتعثر محاولات فرض شروط داخل الكونجرس. وفي إسرائيل: قد تتيح إعادة ترتيب التحالفات تشكيل حكومة من دون القائمتين، أو يقود تعثر المفاوضات إلى انتخابات جديدة.

توقعات

وشرح متوقعا مستقبلا.. تتيح الخريطة الجديدة في واشنطن فرصة لتوسيع الحوار مع أعضاء الكونجرس ولجانه، ومع مراكز الأبحاث والمجتمع المدني، وتزداد قيمة هذا الحوار حين يبدأ بقراءة برامج الفائزين بندًا بندًا، فعبد الرحمن السيد، قد يعارض التمويل العسكري الأمريكي غير المشروط لمصر وإسرائيل ودول عربية أخرى. ومن ثم، فإن التعامل معه يبدأ بفهم موقفه من التمويل والأمن الإقليمي، وتحديد مواضع الاتفاق والخلاف في كل ملف.

وتابع.. وفي إسرائيل، يهم مصر والدول العربية ما تنتجه ترتيبات الحكم من قرارات تمس حماية المدنيين، ووقف التصعيد، وصون الحقوق الفلسطينية، ويتيح الوزن البرلماني للقائمتين العربيتين فرصة للتفاوض، فيما تحدد ثمرة هذه الفرصة بما يثبت في اتفاق سياسي، وما ينفذ منه عند أول اختبار.

وتوقع .. وفي تقديري، سيظهر التحول الفعلي عند أول تصويت يترتب عليه أثر ملموس، ففي واشنطن: سيكون الاختبار في بند تمويل أو شرط على صفقة سلاح. وفي إسرائيل: سيكون في اتفاق يحدد ما تستطيع القوائم العربية انتزاعه مقابل دعمها، وما تستطيع ضمان تنفيذه بعد تشكيل الحكومة، عندها يمكن تقدير المسافة التي قطعها الناخب من صندوق الاقتراع إلى موقع القرار.

نتائج الانتخابات، مهما بدت حاسمة، لا تمثل وحدها نهاية الصراع على السلطة والنفوذ

واختتم.. في النهاية، تكشف قراءة ما بعد صناديق الاقتراع في واشنطن وتل أبيب أن نتائج الانتخابات، مهما بدت حاسمة، لا تمثل وحدها نهاية الصراع على السلطة والنفوذ، بل تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتحدد فيها قيمة المكاسب بمدى القدرة على ترجمتها إلى قرارات قابلة للتنفيذ. ففي الولايات المتحدة، سيظل مستقبل المساعدات العسكرية لإسرائيل مرهونًا بتوازنات الكونجرس، ومواقف الإدارة الأمريكية، وقدرة القوى السياسية على تحويل الانتقادات الانتخابية إلى شروط رقابية ومالية ملموسة. وفي إسرائيل، ستبقى القوائم العربية أمام اختبار تحويل ثقلها البرلماني إلى مكاسب سياسية وحقوقية، تتجاوز مجرد ترجيح كفة مرشح على آخر. وبالنسبة لمصر والدول العربية، فإن متابعة هذه التحولات تفرض ضرورة قراءة دقيقة لمراكز التأثير الجديدة، وعدم الاكتفاء بمواقف التصريحات والوعود، بل مراقبة ما ينتج عنها من سياسات تتصل بأمن المنطقة، وحقوق الشعب الفلسطيني، ووقف التصعيد، ومستقبل الاستقرار الإقليمي. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي تحول انتخابي ليس عدد المقاعد التي حصدها الفائزون، وإنما حجم التغيير الذي يستطيعون إحداثه في دوائر صنع القرار. ومن هنا، تبدأ المعركة الأهم بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

الأسئلة الشائعة

الخبر يوضح أن المعركة لم تنته بإعلان الفائزين، بل بدأت مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ وصناعة القرار عبر التحالفات ومراكز القوة وقدرة الأطراف على تحويل المكاسب الانتخابية إلى سياسات فعلية

وفق ما ورد أعلن ترامب يوم الاقتراع أن واشنطن ستوقف مساعداتها العسكرية السنوية لإسرائيل اعتبارًا من عام 2027 مع استمرار بيع السلاح لها، بينما تمتد مذكرة التفاهم الحالية حتى السنة المالية 2028 بقيمة 3.8 مليارات دولار سنويًا

الخبر يذكر أن القائمتين العربيتين أوصتا بتكليف آيزنكوت فحصل على تأييد 67 نائبًا مقابل 46 لنتنياهو، كما أصبحت القوائم العربية عنصرًا مهمًا في معادلة تشكيل الحكومة والتفاوض حول الأغلبية المطلوبة