يراهن حزب الله على استمرار الدعم الإيراني لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة قدرته على مواجهة إسرائيل، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة التي تكبدها منذ دخوله الحرب في مارس الماضي، والضغوط المتزايدة داخل بيئته الشيعية.
وفي المقابل، تتجه إيران إلى توظيف تعثر الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، والتحولات في موازين القوى الإقليمية، واحتمالات تجدد المواجهة مع الولايات المتحدة، للحفاظ على نفوذها في لبنان ومنع تفكيك القوة العسكرية للحزب.

وبحسب صحيفة “ذا ناشيونال”، تعكس مواقف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي جدد رفض التخلي عن السلاح، ارتباط مستقبل الحزب بالحسابات الإيرانية، في وقت تتباين فيه أولوياته مع توجهات السلطات اللبنانية الساعية إلى احتواء العمليات الإسرائيلية عبر المفاوضات المدعومة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

حزب الله يربط مصيره بإيران بعد خسائره العسكرية

أكد نعيم قاسم، في بيان أصدره الأسبوع الماضي، أن حزب الله لن يتخلى عن سلاحه ما دامت إسرائيل تواصل احتلال الأراضي اللبنانية وشن هجماتها، واصفاً الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي الذي تم التوصل إليه في يونيو الماضي بأنه يفتقر إلى الشرعية، واعتبر أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الموقعة خلال الشهر نفسه تمثل مصدر قوة للبنان.

كما أشار قاسم إلى أن إنهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان يأتي على رأس أولويات إيران، في موقف يعكس اختلاف نهج الحزب عن توجهات الدولة اللبنانية، التي سعت إلى احتواء التصعيد من خلال المفاوضات، وترى الصحيفة أن هذا التباين يؤكد ارتباط حزب الله بطهران، خصوصاً بعد تدمير إسرائيل جانباً كبيراً من كوادره السياسية والعسكرية عام 2024، واغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله، وتولي قاسم قيادة الحزب خلفاً له.

وتشير المعطيات وفقاً للتقرير، إلى أن قيادة الحرس الثوري الإيراني أصبحت تمارس دوراً مباشراً في إدارة الحزب وتوجيه مساره، وهو ما يعزز صورة ارتباط قراراته بالحسابات الإيرانية.

ومنذ الثاني من مارس، عندما دخل حزب الله الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تعرض لانتكاسات كبيرة، مع توغل القوات الإسرائيلية في مناطق واسعة من جنوب لبنان، وصولاً إلى نهر الليطاني وتجاوزه في بعض المناطق، فضلاً عن التدمير الممنهج للقرى ذات الأغلبية الشيعية في المنطقة الحدودية.

وأدت هذه التطورات إلى تصاعد حالة الغضب داخل البيئة الشيعية تجاه الحزب، وإن ظلت في جانب منها غير معلنة، بسبب حجم الخسائر والكارثة التي لحقت بالمناطق التي تشكل قاعدته الاجتماعية.
وفي ظل هذه الضغوط، يبدو أن استمرار الارتباط بإيران يمثل الخيار الأساسي أمام الحزب، خاصة مع تقديم أموال إيرانية بحسب التقارير، لمساعدة الطائفة الشيعية على تجاوز أوضاعها الصعبة.

ثلاثة رهانات إيرانية لإعادة بناء نفوذ حزب الله

تعتمد إيران على عدة رهانات لإعادة إنعاش حزب الله، يأتي في مقدمتها احتمال تعثر الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي، نتيجة ما وصفه التقرير بتقاعس الجانب اللبناني وتعنت إسرائيل، التي لم تقدم سوى تنازلات محدودة بشأن ما يعرف بـ”المناطق التجريبية”.

وبموجب الاتفاق الإطاري، من المفترض أن تسلم إسرائيل بعض المناطق التي تحتلها إلى الجيش اللبناني، بما يسمح له بفرض سلطة الدولة وإحلال قواته محل حزب الله فيها، لكن إسرائيل بحسب التقرير، لا تثق في قدرة السلطات اللبنانية على نزع سلاح الحزب، وتفضل فرض ترتيبات أمنية أحادية في الدول المجاورة، بما فيها لبنان وسوريا.

ويمنح هذا التعثر إيران وحزب الله فرصة للمراهنة على إحياء المقاومة اللبنانية، باعتبارها وسيلة لاستعادة أوراق الضغط في مواجهة إسرائيل، خصوصاً إذا استمر الاحتلال وتعذر تنفيذ الترتيبات الأمنية المتفق عليها.

أما الرهان الثاني، فيرتبط بتغير موازين القوى الإقليمية، إذ ترى طهران أن دولاً مثل تركيا والسعودية ومصر والأردن تسعى إلى الحد من الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، ومع صعود القوى الإقليمية المتوسطة واحتمالات تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، تتجه المنطقة، وفق التقرير، نحو معادلة توازن قوى تمنع انفراد إسرائيل بالهيمنة الإقليمية.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى استضافة تركيا ممثلين عن حزب الله والحكومة السورية خلال سبتمبر الماضي، وفقاً لما أوردته وكالة رويترز، في إطار مساعٍ لتهدئة التوتر، ورغم عدم رغبة أنقرة في عودة الحزب إلى سوريا، فإنها تنظر إليه باعتباره قوة يمكن أن توازن النفوذ الإسرائيلي في لبنان، كما يُزعم أنها سمحت بمرور تمويل إيراني إلى الحزب عبر أراضيها.

ويتمثل الرهان الثالث في اعتقاد إيران بأن إدارة ترامب لن تتمكن من تحقيق انتصار حاسم إذا تجددت المواجهة العسكرية بين الطرفين خلال الأسابيع المقبلة، ويستند هذا التقدير إلى عدم وضوح أسباب توقع نجاح الولايات المتحدة في إضعاف النظام الإيراني، بعد أشهر من المحاولات التي لم تحقق أهدافها.

كما أن الحصار الاقتصادي المفروض على إيران لا يعني بالضرورة قرب انتهاء قدرتها على الصمود، إذ نقل التقرير عن تقييم لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، أن طهران خزنت كميات كافية من الغذاء والوقود لعدة أشهر، بما يسمح لها بتخفيف تداعيات الحرب لفترة من الزمن.

فرص عودة المقاومة اللبنانية في مواجهة التفوق الإسرائيلي

في ضوء هذه الرهانات، تقوم استراتيجية إيران وحزب الله على التمسك بالموقف الحالي في لبنان، ورفض تسليم أسلحة الحزب إلى الدولة، مع تنظيم عمليات مقاومة ضد إسرائيل، ومحاولة منع القوات الإسرائيلية من توسيع نطاق سيطرتها في جنوب البلاد.

ويحمل هذا التوجه تداعيات مباشرة على سلطة الدولة اللبنانية، التي تسعى إلى حصر السلاح بيد الجيش، إذ إن استمرار حزب الله في الاحتفاظ بقدراته العسكرية وتنظيم تحركاته بصورة مستقلة من شأنه أن يكرس تهميش مؤسسات الدولة ويضعف قدرتها على فرض سيادتها.

لكن إمكانية استعادة حزب الله قدراته السابقة تظل محل تساؤل، في ظل التغير الكبير الذي طرأ على طبيعة المواجهة منذ انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في مايو 2000، فإسرائيل تمتلك اليوم وسائل عسكرية وتكنولوجية متطورة، تشمل الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات الاستخباراتية والروبوتات المسلحة، بما يسمح لها بفرض سيطرتها دون الحاجة إلى انتشار واسع للقوات البرية.

كما تمتلك إسرائيل خيارات تصعيدية، من بينها قصف العاصمة بيروت، لفرض إرادتها على لبنان، في حين تبدو قدرة حزب الله على الرد بالمستوى نفسه محدودة مقارنة بما كانت عليه في السابق.

وفي المقابل، لا تزال إيران والحزب يمتلكان القدرة على خوض مواجهة محدودة مع إسرائيل، شريطة إعادة بناء البنية التحتية اللازمة لدعم العمليات العسكرية في جنوب لبنان، غير أن تحقيق ذلك سيواجه صعوبات كبيرة إذا تعاونت إسرائيل والحكومة والجيش اللبناني على منع إعادة تشكيل هذه البنية.

ويرتبط نجاح هذا المسار أيضاً بموقف الشارع اللبناني، ومدى تأييده لعودة المقاومة المسلحة، وهو أمر لا يزال غير مؤكد، ويحذر التقرير من أن دعم مثل هذه المبادرة قد يضع الحكومة اللبنانية في موقف مشابه للسلطة الفلسطينية، في ظل التحديات التي تواجهها عند التعامل مع قوة مسلحة خارج سيطرتها.

مستقبل حزب الله يكرس أزمة الدولة اللبنانية

وفي تقييمه لمستقبل المواجهة، يرى التقرير أن نزع سلاح حزب الله بالقوة من جانب الدولة اللبنانية لم يعد خياراً واقعياً، بسبب المخاطر الأمنية الداخلية التي قد تترتب على هذه الخطوة، فضلاً عن أن هذا الخيار لم يكن جاداً في الأساس، خاصة بعد تعثر مشروع المناطق التجريبية الذي كان يفترض أن يمنح الجيش اللبناني دوراً في بسط سلطته على المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.

وبذلك، تبدو قدرة الدولة اللبنانية على فرض احتكارها للسلاح محدودة في ظل استمرار حزب الله في التمسك بترسانته العسكرية، واعتماده على الدعم الإيراني، مقابل استمرار الضغوط والتهديدات الإسرائيلية.

ويرى المراقبون، أن مستقبل حزب الله لن يتحدد فقط بقدرته على إعادة بناء قوته العسكرية، وإنما أيضاً بمآلات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، ومدى نجاح الترتيبات الإقليمية في الحد من النفوذ الإسرائيلي، وفي ظل تداخل هذه الحسابات، يظل لبنان معرضاً لاستمرار الصراعات الإقليمية بالوكالة، بما يفاقم أزمة الدولة ويجعل استعادة سيادتها على كامل أراضيها وسلاحها أكثر تعقيداً.

الأسئلة الشائعة

يراهن الحزب على استمرار الدعم الإيراني لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة قدرته على مواجهة إسرائيل رغم الخسائر العسكرية والضغوط الداخلية

أبرز الرهانات هي تعثر الاتفاق اللبناني الإسرائيلي وتغير موازين القوى الإقليمية واحتمال تجدد المواجهة مع الولايات المتحدة

أكد نعيم قاسم أن الحزب لن يتخلى عن سلاحه ما دامت إسرائيل تواصل احتلال الأراضي اللبنانية وشن هجماتها